السلام المزيف مع السرطان

جمهورية العصابة الإيرانية زرعت سرطانات أينما وطئت أقدامها، وبات اقتلاعها أقرب إلى المستحيل لتصبح أدوات فشل تام ونهائي ولا رجاء فيه.
الخميس 2021/04/22
إيران جمهورية صعلكة عنوانها الباسيج والباسداران

توفر المحادثات الجارية في فيينا، بشأن العودة إلى الاتفاق النووي، فرصة للافتراضات بأنه يمكن تحقيق السلام مع إيران. نحن نعيش مع هذا الوهم منذ أربعة عقود، ولم نشف منه بعد، برغم كل ما عرفناه من ويلات.

جمهورية العصابة التي تحكم إيران يمكنها أن تعطيك هدنة مؤقتة عندما تشعر بالضعف، إلا أنها لن تعطيك سلاما على الإطلاق. والأمر لا يتعلق بالوظيفة الأيديولوجية لمشروع ولاية الفقيه وحدها، ولا بالقناعات المتعلقة بطائفية الخزعبلات التي تستخدم كسبيل لهدم الإسلام من داخله، ولا حتى بنزعات الهيمنة التقليدية ضد الجوار. الأمر لا يتعلق بكل هذا وحده، ولكنه يتعلق بالسرطان الذي تسعى العصابة إلى زرعه في كل مكان أيضا.

إنه سرطان الميليشيات. وهذه وإن كانت تؤدي كل تلك الأغراض وتتحول إلى أدوات تخريب وإفساد للبنى الاجتماعية والمؤسساتية القائمة، فإنها بقابليتها على التغلغل، وبسبب من طبيعتها الرعاعية على وجه خاص، تستطيع أن تفسد أيّ مسار، وأن تتصرف كأداة تهديد وابتزاز، وأن تتخذ من انفلاتها غطاء لكل ما لا تريد ولاية الفقيه أن تُتهم به، وأن تفعل ما لا تريد العصابة الأم أن تفعله بنفسها.

إيران هي نفسها ليست دولة بالمعنى المألوف للكلمة. إنها جمهورية صعلكة عنوانها الباسيج والباسداران. وبوسعها أن تصعلك كل شيء في السياسة بما تمارسه من نفاق فج ومثير لمشاعر الغثيان لفرط قابليته على تغليف الانحطاط بالانحطاط.

هاتان التشكيلتان هما العصب على أيّ حال. ولئن كانا منضبطين إلى حد ما داخل إيران، بالنظر إلى أن أفعالهما تتصل مباشرة بسلطة الولي الفقيه، فلا تمارسان من أعمال الترويع والقتل والفساد إلا ما يتاح لهما بغطاء، ولكن امتداداتهما في الخارج لا تقع تحت طائلة أيّ قيود. وتستطيع أن تقوم بأي شيء، بأوامر ومن دون أوامر. يكفيها التوجه العام والمشاعر التي تغمر أجواء العصابة داخل إيران.

لقد استخدمت إيران غلمانها في العراق لتهاجم قواعد القوات الأميركية. وقبل ذلك لتهاجم تظاهرات العراقيين ضد الفساد وهيمنة إيران. وبرغم أن الحوار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن كان في الواقع حوارا “استراتيجيا” بين ميليشيات طهران وواشنطن، وأنه حقق لإيران ما تريد، فإن هذه الميليشيات لم تتورع عن أن تستأنف الهجمات ضد تلك القوات التي انسحب ثلاثة أرباعها امتثالا لإرادة الولي الفقيه، وانتقاما لمقتل قاسم سليماني. فبالإضافة إلى ما كانت تستخدمه من صواريخ فقد صارت تستخدم طائرات مسيّرة أيضا. وتضطر بغداد وأربيل إلى أن تواجهها بالصمت، لأنهما لا تعرفان ماذا تقولان بشأنها بعد أن قالتا كل شيء. كما بلعت واشنطن الصفعة.

الدول، حتى الكبرى منها، تظل دولا باضطرارها إلى أن تحسب الحساب للخسائر والتكاليف. الصعاليك لا يحسبون أيّ حساب. ولا يهمهم أيّ حساب أصلا. تهمهم فقط مشاعر الغبطة بما يعتبرونه انتقاما. وأحقادهم لا تزول. وفي الغالب لأنها تأتي من أصول معتقة وتضفي عليها نظرية “المظلومية” دوافع غير منظورة.

تهديد القواعد العسكرية، ولو بصواريخ عشوائية أو مُسيّرات يظل تهديدا. وما لم تكن قادرا على كبحه، بسبب انغماسه بين الناس، فإن التراجع يظل هو الخيار الأسلم في نهاية المطاف.

وحتى لو انتهت محادثات فيينا إلى رفع العقوبات عن إيران فإن التهديد يظل قائما، والميليشيات لن تتوقف عن قراءة ما يطفو من مشاعر العصابة في طهران لكي تتولى التنفيس عنها.

لا سلام يمكنه أن يتحقق مع دولة عصابات. هذا وهم خطير، ومجحف للذات.

الصعلوكية السياسية، بقابليتها الفجة على النفاق، هي الأخرى لا تمكن مقاومتها، لأنها إذ تأتي من أسفل مراتب الانحطاط، فإن أحدا لن يعرف كيف يتخاطب معها.

أحد الأمثلة، سفير إيران في بغداد إيرج مسجدي. هذا الصعلوك يمكنه أن يتحدث بلسان مصالح الشعب العراقي، وكأنه ابن البصرة والناصرية وبغداد. حتى أنك لن تعرف كيف ترد عليه، إلا بأن تتحول بدورك إلى ناطق باسم مصالح الشعب الإيراني.

إيران تبيع الغاز والكهرباء لحكومة بغداد “لخدمة مصالح الشعب العراقي”. وتخطط لإقامة فرع لكلية طبية إيرانية (تدفع تكاليفها حكومة الميليشيات) “لخدمة مصالح الشعب العراقي” أيضا، حتى ولو كانت الكلية الطبية في بغداد من أعرق الكليات في العالم العربي، وشقيقاتها في البصرة والموصل أعرق من أيّ كلية في إيران. ولعل أحد أكثر المُفزعات إثارة للفزع هو أن هذا الصعلوك وقّع مع صعاليك من أمثاله اتفاقية “لمساعدة العراق على مواجهة وباء كورونا”، وكأن إيران نجحت في مساعدة نفسها.

إنما المسألة لا تعدو كونها مسألة تدبير وسائل إضافية لأعمال النهب التي تتكفل ميليشيات الولي الفقيه بتيسيرها لحساب طهران “لخدمة مصالح الشعب العراقي” طبعا.

هذا النمط من الصعلوكية هو الذي تحارب به إيران في العراق وفي لبنان وفي اليمن. وهي ذاتها الصعلوكية التي سمحت للرئيس بشار الأسد أن يتقدم للفوز بالانتخابات المزمعة في مايو المقبل لأنه حقق إنجازات أدت إلى تهجير نصف شعبه، وتجويع النصف الآخر، وهدم ثلاثة أرباع مدن البلاد. ولأنه بدلا من أن تكون سوريا واحدا من أكبر مصدري القمح، فقد صارت تستجديه من إيران. ولأنه بدلا من تحرير الجولان صار يتلقى ضربات التأديب اليومية من إسرائيل.

أليست هذه إنجازات عظيمة لبطل قومي يستحق أن يبقى في السلطة إلى الأبد، وأن تحمل حيامنه من ميزات البطولة ما يخترق رحم الأمة السورية ليجعلها تهنأ بالفقر والجوع والإفلاس وأجهزة المخابرات لتمارس أعمال التعذيب على أبشع صورها؟ ولكن مع رضا إيران، ودرك القدرة الأسفل على التلطي بشعار، فإن كل شيء يهون.

حسن نصرالله ليس بأقل من صاحبه فجورا. فهو يملك كل التبريرات لكي يجعل لبنان ينهار على كل وجه من وجوه الحياة، وتظل “الظافرية” هي الخطاب، ولو على كومة قمامة وتلة خراب، لا يراها ولا يرى أنه هو بومتها أصلا.

وما من مبرر لذكر جماعة الحوثي. فهؤلاء يسخرون من كل الدعوات لوقف الحرب، ومن كل النوايا الحسنة التي قدمتها الإدارة الأميركية الجديدة، ومن مبادرة السلام التي قدمتها الرياض، وظلوا يرسلون الصواريخ والمسيّرات إلى السعودية ويوسعون جبهات القتال من أجل السيطرة على حقول النفط في مأرب، لأنهم يقرأون ما يدور في خلد الهوى في إيران.

لقد زرعت جمهورية العصابة سرطانات أينما وطئت أقدامها. وبات اقتلاعها أقرب إلى المستحيل، لتصبح أدوات فشل تام ونهائي ولا رجاء فيه. دول وشعوب نُكبت بالانحطاط لتظل منكوبة إلى يوم يبعثون، أو إلى يوم تسقط العصابة الأم. كيف يمكن صنع أيّ سلام مع هذا النمط من الكيانات؟ إنه مجرد وهم.

8