السلام المكلف: تعويض القوة العسكرية بالعقوبات الاقتصادية

سلطت الإدارة الأميركية في الفترة الأخيرة مجموعة جديدة من العقوبات على إيران وحزب الله وعلى روسيا وشخصيات وتنظيمات مصنفة على قائمة الإرهاب الدولية، ضمن سياسة تنتهجها الولايات المتحدة وغيرها من الدول تقوم على فرض تقييد أو مجموعة من القيود على التجارة الدولية مع البلد المستهدف من أجل إقناعه بتغيير سياسته في مجال من المجالات، فضلا عن الحد من التصدير إلى أو الاستيراد من البلد المستهدف، وتقييد التحويلات النقدية من وإلى ذلك البلد.
السبت 2017/11/11
الكل موافق

واشنطن – في الوقت الذي دخل فيه القرار الأميركي برفع الحظر التجاري والاقتصادي عن السودان حيز التنفيذ، صادق مجلس النواب الأميركي على قانون يفرض عقوبات جديدة على إيران وحزب الله، ضمن مشهد يلخص سياسة العقوبات الاقتصادية التي تتبعها واشنطن ودول أخرى في مواجهة أخطار وتهديدات وفي مسعى لتجنب تحولها إلى حروب عسكرية.

وفي السنوات الأخيرة نشطت سياسة العقوبات الاقتصادية بشكل كبير، وهي ولئن ترى فيها الولايات المتحدة وسيلة هامة لردع الدول والجهات المارقة، إلا أن تداعياتها تشمل الاثنين، الجهة المعاقَبة والجهة المعاقِبة.

وفي وقت تحاول فيه الدول تحدي النظام العالمي الليبرالي دون التسبب في نشوب حرب بين القوى العظمى، أصبح احتدام الحرب الاقتصادية أمرا لا مناص منه، لكن أيضا يمكن أن يعد الحد من استخدام العقوبات شبيها بالخطأ الذي ارتكبه أولئك الذين احتجوا على الثورة الصناعية عن طريق تكسير آلات النسيج، إذ أن الفرد قد يختار الانسحاب لكن الأداة ستستمر في الانتشار.

ويشرح هذا الوضع الخبير الأميركي في السياسات الدولية إدوارد فيشمان، في تحليل نشرته مجلة فروين أفيرز، الصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية، وهو خلية تفكير مستقلة متخصصة في السياسة الخارجية الأميركية والدولية.

العقوبات الذكية

ما فتئت العقوبات الاقتصادية تمثل عنصرا ثابتا في السياسة الخارجية الأميركية لعقود من الزمن، لكنها لم تحظ بقدر من الشعبية مثلما هو الحال اليوم، ففي كل مشكل خارجي كبير تقريبا (النزعة الحربية لدى كوريا الشمالية، الطموحات النووية الإيرانية، عدوانية روسيا، وحشية تنظيم الدولة الإسلامية) لجأت الإدارة الأميركية إلى شكل من أشكال العقوبات كحل.

الحرب الاقتصادية تتحول إلى أمر لا مناص منه في وقت تحاول فيه بعض الدول تحدي النظام العالمي والقوى الدولية

وأهمية هذه العقوبات، وفق فيشمان، هي أحد الأشياء القليلة التي يتفق حولها الرئيس السابق باراك أوباما والرئيس دونالد ترامب حيث استعملها أوباما أكثر من أي رئيس آخر في التاريخ الحديث، وأشرف ترامب في الأشهر الثمانية الأولى في السلطة على توسعات مهمة للعقوبات الأميركية ضد كوريا الشمالية وفنزويلا و(على الرغم من هواجسه) روسيا.

وتهدف بعض العقوبات الأميركية إلى معاقبة الزعماء الأجانب والمنتهكين لحقوق الإنسان، مثل تلك العقوبات المسلطة على زعيم كوريا الشمالية كيم يونغ أون، وزعيم زمبابوي روبرت موغابي، والمسؤولين الروس الذين يقفون وراء قتل المحامي سرجاي مغنيتسكي.

وتهدف بعض العقوبات الأخرى إلى حرمان الإرهابيين ومروجي المخدرات والساعين إلى الانتشار النووي وغيرهم من الفاعلين الأشرار من المال والمعدات التي يحتاجونها لنشر الخراب.

لكن في السنوات الأخيرة أصبح المسؤولون الأميركيون يعتمدون كثيرا على صنف ثالث، ألا وهو العقوبات الاقتصادية القسرية. والغاية من ذلك هي ممارسة ضغوط اقتصادية من أجل إجبار حكومة أجنبية لفعل شيء لا تريد القيام به (أو الإحجام عن فعل شيء تريد القيام به).

والمثال الأول على ذلك هو العقوبات التي مارست الضغط على إيران لإمضاء خطة العمل الشاملة المشتركة سنة 2015 التي وافقت بمقتضاها على فرض قيود صارمة على برنامجها النووي، دون أن تلتزم إيران.

لكن على الرغم من كل هذه الشعبية التي تتمتع بها هذه العقوبات، تبقى المنظومة المعتمدة لتطبيقها غير متطورة. فالمسؤولون الأميركيون لا يقومون بتصميم عقوبات أبدا، فما بالك بالتفاوض حولها مع الحلفاء، حتى تبدأ الأزمات، ولذلك تميل الإجراءات إلى أن تكون إما متسرعة أو غير حكيمة أو أبطأ من أن تردع الخصوم.

وهذه العيوب تجعل من العقوبات أقل فاعلية في الحاضر، ومن المتوقع أن تسبب المزيد من الأضرار في المستقبل. وبينما تتسابق الحكومات في كافة أنحاء العالم لشحذ قدراتها في الأعمال الحربية الاقتصادية مع إيجاد طرق ذكية لتحصين نفسها ضد تأثيرات العقوبات الأميركية، تجازف واشنطن بالتقهقر في مجال تمتعت فيه لوقت طويل بالأسبقية. لذا آن الأوان منذ فترة لكي تقوم الحكومة الأميركية بتحديث أداتها المفضلة في السياسة الخارجية.

تصاعد العقوبات الاقتصادية كوسيلة ردع رئيسية

وكانت العقوبات أداة السياسة الخارجية المفضلة لدى واشنطن طيلة فترة ما بعد الحرب الباردة، فبتراجع شبح الحرب بين القوى العظمى صار صانعو السياسات يرون العقوبات وسيلة ناجعة لخدمة المصالح الأميركية دون اللجوء إلى القوة العسكرية، لكن تفجر برامج العقوبات أثناء إدارة كلينتون أدى إلى ردة فعل عكسية في صفوف الخبراء، وفي أواخر التسعينات والسنوات الأولى من هذا القرن وصلت سمعتها إلى أدنى مستوى.

وبصفة خاصة، اعتبر الحظر الأممي المشدد على التجارة مع نظام صدام حسين في العراق حرمانا للمدنيين العاديين في حين لا يفعل شيئا يذكر للضغط على من هم في السلطة.

وأدى تضاؤل الدعم الدولي لهذه العقوبات إلى إلهام وزير الخارجية الأميركي كولن باول باقتراح مقاربة جديدة تحمل اسم “العقوبات الذكية” حيث هدفت إلى تجاوز الحظر عن طريق استهداف الزعماء وأصحاب التأثير مباشرة.

الحرب من أجل السلام

في مارس 2016 دق وزير الخزانة الأميركي جاكوب ليو ناقوس تحذير في خطاب حول العقوبات الاقتصادية، حيث قال “علينا أن نكون مدركين لخطر أن الإفراط في استخدام العقوبات قد يقوض موقعنا في زعامة الاقتصاد العالمي وفاعلية عقوباتنا في حد ذاتها”.

ويجادل الوزير بأن الولايات المتحدة كلما زاد اعتمادها على العقوبات انفصل المزيد من البلدان عن الاعتماد على النظام المالي الأميركي وبذلك تخفض من تعرضها للعقوبات الأميركية.

لكن فيشمان يرى أن حجة ليو وعلى الرغم من وجاهة منطقها، إلا أنها تجاهلت مسألة أساسية، وهي أننا نعيش في عهد من الأعمال الحربية الاقتصادية المكثفة. ففي السنتين الأخيرتين فقط هددت الصين بفرض عقوبات على الشركات الأميركية المشاركة في مبيعات أسلحة لتيوان، وردت روسيا الفعل على إسقاط تركيا لطائرة هجومية روسية بفرض قيود على السياحة والواردات الغذائية، وفرضت السعودية وبلدان عربية أخرى جملة من العقوبات الاقتصادية ضد قطر.

وفي ظل تصاعد العقوبات الاقتصادية كوسيلة ردع رئيسية، على الولايات المتحدة أن تتأهب للمعارك الاقتصادية المقبلة عن طريق إصلاح جهاز العقوبات لديها.

وبالرغم من أن العقوبات سجلت بعض النجاح في حث الخصوم على الرجوع في خطوات مقلقة اتخذوها من قبل (مثلما حدث في المفاوضات النووية مع إيران) يبقى من الأسهل بكثير الحيلولة دون وقوع أعمال مستقبلية. لذا يجب أن يكون الهدف هو جعل العقوبات أقوى رادع لدى الولايات المتحدة في المنطقة الرمادية بين الحرب والسلم، حيث يقع أغلب التنافس الدولي اليوم.

إدوارد فيشمان: الحرب الاقتصادية أصبحت واقعا وإتقان فن هذه الحرب أمر ضروري

تتمثل الخطوة الأولى في بناء عملية تخطيط طوارئ دائمة خاصة بالعقوبات داخل الحكومة الأميركية، فمثلما يرسم الجيش الأميركي خططا مفصّلة لحروب قد يتوجب عليه خوضها في يوم ما، على المسؤولين الأميركيين في وزارة الخارجية والخزانة والوكالات الأخرى أن تعد وتحين باستمرار الخطط الحاضرة من أجل فرض عقوبات اقتصادية بسرعة عند الحاجة. ومن أجل ممارسة هذه الخطط وإعطاء إشارة لاستعداد الحكومة لاستعمالها، يجب القيام بشكل روتيني بتمارين من الطراز العسكري تحاكي الأزمات التي تلعب فيها العقوبات دورا مركزيا في الرد.

كذلك يجب على الحكومة الأميركية تعزيز دفاعاتها ضد العقوبات التي تفرضها البلدان الأخرى. ويعني ذلك إعطاء الأولوية لجمع المعلومات الاستخباراتية على خطط الخصوم للحرب الاقتصادية إضافة إلى خططهم العسكرية. كما يعني تحديد نقاط الضعف في الاقتصاد الأميركي والعمل بهدوء مع الشركات الخاصة لإصلاحها. بعض المنتوجات الأميركية الحيوية (بما في ذلك الطائرات والأدوية) تعتمد على مكونات تأتي من بلدان قد تفرض عقوبات على الولايات المتحدة في يوم من الأيام، ولذلك يجب على الحكومة الفيدرالية تكوين فريق مع المصنعين لتحديد مزودين بدلاء محتملين بشكل مسبق.

وبالفعل يتطلب التخطيط الدفاعي والهجومي الناجع المزيد من التشاور المنتظم بين صانعي السياسات المتعلقة بالعقوبات وقادة القطاع الخاص. ويذكر أن الولايات المتحدة طالما نأت بنفسها عن العلاقات الوثيقة بين مجال الأعمال والحكومة بينما توجد بكثرة في أماكن أخرى، لكن من الجدير خلق استثناء من أجل الأمن القومي.

وفي سياق مماثل، عند تكوين فرق تتولى إعداد العقوبات، يجب على وزارة الخارجية ووزارة المالية ألا تقتصرا على التعويل على الدبلوماسيين والمحامين المعتادين فقط لكن تعولا كذلك على المهنيين أصحاب الخبرة من القطاعات المالية والطاقية والتكنولوجية، فالخبرة في مختلف المجالات شديدة الأهمية للحكومة الأميركية من أجل إعداد برامج عقوبات تكون قوية لكنها لا ترجع بآثار عكسية على الولايات المتحدة وحلفائها. وتكتسب هذه الخبرة أهمية بصفة خاصة عند فرضها على اقتصاديات كبيرة لأن مخاطر العدوى المالية تكون أعلى في هذه الحالات.

ضرورة الاتفاق على العقوبات

العنصر الأخير في الردع القائم على العقوبات هو جعل الحرب الاقتصادية موضوعا قارا للمشاورات بين الولايات المتحدة وحلفائها. وبالرغم من الأفق المغري للدعم الدولي الواسع، فإن مجلس الأمن الدولي ليس هو المنتدى المناسب لهذه المناقشات بما أن الخلافات بين أعضائه الخمسة الدائمين عادة ما تنتهي إلى عدم تمرير العقوبات.

وفي الحقيقة من بين نقاط الضعف الكبرى في الحملة الأميركية للضغط على كوريا الشمالية هو اعتمادها على مجلس الأمن الدولي، وهو موروث برنامج وُجه تاريخيا نحو إحباط جهود البلاد للحصول على مكونات الصواريخ النووية أكثر من توجيهه نحو الإكراه الاقتصادي. وعن طريق منح الصين وروسيا حق النقض بخصوص قرارات العقوبات، وعن طريق تأمينهما على مراقبة الانتهاكات داخل حدودهما، تركت الولايات المتحدة لنفسها عددا من الخيارات في ما يتعلق بكوريا الشمالية أقل من الخيارات المتاحة في الحالة الإيرانية أو الروسية. كما عرضت نفسها إلى الإمكانية المقلقة بأن تدعي بكين وموسكو شرف الموافقة على قرارات مجلس الأمن في حين أنهما تواصلان مساعدة بيونغ يانغ بشكل سري.

ويؤكد فيشمان في ختام دراسته على أن الحرب الاقتصادية أصبحت واقعا في البيئة الدولية، وإتقان فن هذه الحرب سيكون أمرا ضروريا لكي تتمكن الولايات المتحدة من ردع التدخلات المتزايدة التي يفضلها خصومها. هذا لا يعني أن الأزمات ستختفي فالولايات المتحدة ستجد دائما من الصعب كبح الأعمال العدوانية والدفاع عن مصالحها في أماكن ساخنة مثل بحر الصين الجنوبي والخليج العربي والمناطق المتاخمة لروسيا، لكن إذا شددت واشنطن من إستراتيجية العقوبات لديها حتى لا يتم التشكيك في قدراتها ولا تُخطأ نواياها، فستقدم بذلك خدمة ضرورية جدا لديمومة السلم بين القوى العظمى، وذلك عن طريق تجنب الأزمات قبل أن تخرج عن السيطرة.

7