السلام بين إريتريا وإثيوبيا: مؤشر لعصر جديد في القرن الأفريقي

انفراجة في أحد أعقد الخلافات تفتح الطريق لمزيد من التحولات الإقليمية، والوقت بات مناسبا  لمحاسبة من ساهم في تغذية الصراعات.
الثلاثاء 2018/07/10
إزالة الأشواك من فاكهة الاتفاق

تخطو منطقة القرن الأفريقي نحو طي صفحات قاتمة لازمتها سنوات طويلة وجعلتها عنوان التوترات السياسية والصراعات المسلحة، وتحولت أيضا إلى عنصر جذب للكثير من التنظيمات المتطرفة.

ومن الأحداث الأخيرة التي عكست مؤشرات التغيير، لقاء القمة بين الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد، في أسمرة، الأحد، الذي جاء ليقدّم عنوانا عريضا لما ينتظر هذه المنطقة من تطورات سياسية.

وقبل وقت قصير من هذا اللقاء، لم يتخيّل الكثير من المتابعين للأزمة المتشعّبة بين البلدين والتي أسفرت عن حرب دامية امتدت لسنتين (1998-2000)، تلتها أخرى باردة استمرت نحو عشرين عاما، أن هناك أملا في سلام بين إثيوبيا وإريتريا.

أذاب اعتراف أديس أبابا باتفاقية الجزائر للسلام لعام 2000، وأحقية أسمرة في إقليم بادمي المتنازع عليه، مسافات كبيرة من الجليد. جعل كل شيء ممكنا، إذا توافرت الإرادة وتم تعظيم مصالح الشعوب على الرغبة في انتقام الزعامات وتصفية الحسابات، واليقين أن العالم اليوم لا يتحمل الدخول في مهاترات وثارات شخصية مفتوحة.

مرّ الطريق إلى هذا اللقاء بمنعطفات دولية وإقليمية وإثيوبية كثيرة ستجعل منه نقطة تحول مهمة للكثير من الأحداث في شرق أفريقيا. ومرجح أن ينقلها من منطقة عُرفت بكثرة نزاعاتها وحروبها إلى منطقة يمكن أن تصبح مركزا للتعاون والتنمية والاستقرار.

هذا الاتجاه ليس وليد صدفة سياسية، أو رغبة في السلام يجمع بين دولتين من أفقر دول أفريقيا، بل جاء من رحم تزايد التعقيدات في العلاقات الدولية والتفكير في المزيد من ضبط الموازين والمعادلات.

خرج الاستعمار التقليدي من هذه المنطقة قبل نحو نصف قرن، لكن لم تخرج السياسات الاستعمارية. تكالبت عليها قوى إقليمية لم تتمكن من ضبط الأمن الذي تريده. دخلت قوى عالمية جديدة وجدت قدرها في منطقة ذات تداخلات عالية.

حماية الأمن القومي الخليجي والعربي عموما تستلزم الالتفات لما يجري في القرن الأفريقي، لأن انعكاساته تتجاوز حدود المنطقة، وروافده يمكن أن تمتد إلى مناطق أبعد منها

رحلت الولايات المتحدة سريعا، ولم تستطع قواتها العسكرية البقاء وتحمّل دفع التكاليف الباهظة عام 1993، عقب عملية سحل في شوارع مقديشو لعدد من جنودها كانت كفيلة بألا تعيدهم إلى المنطقة مرة ثانية. حافظت على حضورها عبر أذرع عسكرية طويلة عن بعد، ولم تتخل عن الاهتمام بها، حتى ولو بدت أحيانا غير مكترثة بالتطورات الأمنية والسياسية.

ولجت الصين المنطقة، وفهمت أوضاعها جيدا، وقدّمت مقاربات تنموية تحتاجها. نجحت في غضون عقدين في أن تكون رقما مهمّا في تفاعلات متشابكة. أخذت تلتفت إلى تحويل الوجود الاقتصادي إلى حضور عسكري وسياسي أيضا.

تملك بكين علاقات قوية مع غالبية دول شرق أفريقيا. قامت بتشييد قاعدة عسكرية حديثا في جيبوتي. وضع مشروعها العملاق، المعروف بـ”حزام واحد وطريق واحد”، دولا أفريقية كثيرة ضمن أولوياته، ما فرض عليها زيادة التحركات لحماية مصالحها عن طريق المساعدات البناءة.

لم تكن الظروف الاقتصادية سببا وحيدا في تعدد وتنوع علاقات دول المنطقة، مع دول عربية وغير عربية، دول في الشرق وأخرى في الغرب، بل هي لعبة الجغرافيا السياسية، التي منحت القرن الأفريقي مزايا استراتيجية يصعب أن تستغني عنها كل دولة تريد تأمين مصالحها في البحر الأحمر وخليج عدن والخليج العربي، وهو ما أوجد صراعا خفيا على النفوذ في هذه المنطقة، التي تحولت إلى صمام أمان للبعض وعنصر قلق وتوتر لآخرين.

ما جرى من زلزال في اليمن، وتوابعه العسكرية والسياسية والاقتصادية، جذب المزيد من الأنظار لمنطقة القرن الأفريقي التي تطل على الضفة المقابلة، لأن إيران وضعت أقدامها مبكرا في إريتريا من خلال جزر حنيش لتوطيد أحلامها في اليمن والمنطقة المحيطة به ودعم المتمردين الحوثيين الذين تمكنوا بفضل ما تلقوه من مساعدات مسلحة من طهران، غالبيتها عبر البحر الأحمر، من الإمساك بزمام الأمور في بعض مفاصل الدولة اليمنية.

لم تكن محاولات إيران التمدد في اليمن والقرن الأفريقي، على هوى قوى دولية عدة، لكنها لم تتصد لها بما فيه الكفاية وبصورة مباشرة، ما أجبر قوى خليجية، مثل السعودية والإمارات على وضع دول المنطقة ضمن حساباتها الاستراتيجية، لإنهاء الحرب في اليمن وعودة الشرعية، وتحسبا لمآلات المستقبل.

نجحت السعودية والإمارات في أن يكون لكل منهما موطئ قدم عسكري واقتصادي وسياسي في كل من جيبوتي وإريتريا وإثيوبيا وكينيا وغيرها من دول القرن الأفريقي. وتستلزم حماية الأمن القومي الخليجي والعربي عموما، الالتفات لما يجري في القرن الأفريقي، لأن انعكاساته تتجاوز حدود المنطقة، وروافده يمكن أن تمتد إلى مناطق أبعد منها.

محطات فارقة في تاريخ صراع مزمن

*في يوليو 1950، عقدت إيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة مؤتمرا اتفقت فيه على تقديم مشروع فيدرالي أعلنت عنه الأمم المتحدة، عامان بعد ذلك، وهو الاتحاد الإثيوبي الإريتري.

*عقب فترة من المواجهات التي اتخذت أشكالا مختلفة بين الشعب الإريتري و الإمبراطور هايلي سلاسي، ألغى الأخير بشكل أحادي النظام الفيدرالي وضم إريتريا قسرا إلى إثيوبيا في 1962.

*منذ 1958 بدأ الشعب الإريتري بتنظيم الخلايا السرية في معظم مدن البلاد وتوحيد الصفوف بين المسيحيين والمسلمين، رفضا لضم البلاد قسرا إلى إثيوبيا.

*في الأول من سبتمبر 1961، أعلن الشعب الإريتري الكفاح المسلّح بقيادة حامد إدريس عواتي. واستمرت الثورة الإريترية لـ3 عقود.

*في 24 مايو 1991، وصلت قوات الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا بقيادة أسياس أفورقي إلى أسمرة وتم تحرير كامل التراب الإريتري من القوات الإثيوبية.

*في 3 مايو 1993، اعترفت إثيوبيا بسيادة إريتريا واستقلالها، وتم تشكيل حكومة انتقالية، وانتخب أسياس أفورقي رئيسا للجمهورية.

* في 6 مايو 1998 تجدد الصراع من جديد بين البلدين . وتبادل الجانبان الاتهامات ببدء الحرب وانتهاك الحدود المشتركة.

*في مايو 2000، اندلعت مواجهة ثانية بين الطرفين، خلّفت نحو 100 ألف قتيل من الجانبين والآلاف من الجرحى والنازحين، وأنفقت خلالها أكثر من 6 مليارات دولار.

*في 18 يونيو 2000 تم توقيع اتفاق بالجزائر لوقف الأعمال العدائية وإحالة النزاع إلى التحكيم، وأنشئت مفوضية لترسيم الحدود بين الطرفين ويكون قرارها نهائيا وملزما للجانبين.

رفضت إثيوبيا حكم اللجنة الدولية ونشرت الآلاف من الجنود الإضافيين على الحدود مع إريتريا حتى 2018، فيما ظلت إريتريا متمسكة بضرورة تنفيذ الاتفاقية كما جاءت.

*في يوليو 2018 تتجه إثيوبيا وإريتريا لدخول حقبة جديدة من العلاقات الودية بعد سنوات من العداء اليوم الاحد، حيث التقى زعيما البلدين المجاورين، آبي أحمد وسياس أفورقي، وجها لوجه للمرة الأولى منذ نحو 20 عاما.

تصحيح المسارات

تعيش بعض الدول على التوترات واحتدام الصراعات. تمدّدت إيران في المنطقة العربية، بعد التدخل الأميركي في العراق الذي لعب دورا سلبيا في تفتيت كتلته الصلبة، وفتح الطريق أمامها للتوغل فيه. وعندما تزايدت الخلافات الطائفية في لبنان، تضخّمت إيران ووجدت في حزب الله تابعا أمينا. وبعد أن دخلت سوريا نفقا مظلما من الاقتتال، قبضت إيران على بعض جوانب الحل والعقد فيه. وتقاربت أحلام الحوثيين في اليمن مع أطماع إيران.

ترى بعض الدول أن الاستقرار هو إحدى سمات الدولة الحديثة الراغبة في التطور، متى حدث يمكن أن تتحقق النهضة، كما أنه حائط صد قوي ضد طموحات الدول التي تتغذى على الصراعات. لذلك تكاتفت الرغبة في استقرار منطقة القرن الأفريقي بين دول من داخله، أبرزها إثيوبيا، وأخرى إقليمية وأهمها الإمارات، وثالثة دولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وهي تشجع هذه المحاولات باعتبارها المدخل لقطع الطريق أمام كل الذين وظفوا الصراعات لوضع أقدامهم في المنطقة.

يبدو أن الصورة الذهنية السلبية عن دول هذه المنطقة، جعلت دوائر كثيرة لا تتوقع حجم التغيرات الراهنة، ولم تكن هذه الدوائر تدري أن هناك قادة في الدول التي اعتقدوا أنها هشة قادرون على الإمساك بدفة الأمور في لحظة معينة، دفاعا عن مصالحهم، ومنع شرور يمكن أن تسبب لهم المزيد من الإزعاج والتقدم خطوات كبيرة نحو تحقيق التنمية وتوسيع نطاق التنسيق الإقليمي بحسبانه وسيلة أساسية لتعميم التعاون وصرف الأنظار عن النظرة القاصرة التي سادت لفترة من الزمن وأرخت بظلالها القاتمة على الجميع.

لم يخطر على بال كثيرين أن يتراجع الصراع في جنوب السودان بهذه السرعة، بعد خمس سنوات من الحرب الأهلية بين الرئيس سلفا كير ونائبه السابق رياك مشار. فشلت جميع المبادرات التي طرحتها منظمة إيقاد والدول الأفريقية المنخرطة فيها. فجأة وكأن هناك من يتحكم في ترمومتر الأزمة، نشطت أديس أبابا والخرطوم وكمبالا، واجتمع سلفا كير ورياك مشار في هذه العواصم خلال فترة وجيزة، وبدا السلام بينهما أقرب من أي وقت مضى.

يؤكد تزامن إغلاق ملف الحرب الأهلية في جنوب السودان، مع طي صفحة أسوأ حرب بين إريتريا وإثيوبيا، أن هناك تقديرات جديدة تجوب منطقة القرن الأفريقي ترى ضرورة كبيرة في توفير الأمن والاستقرار لدولها.

وإذا كان الرئيس السوداني عمر البشير والأوغندي يوري موسيفيني والإريتري أفورقي، انخرطوا في هذه المنظومة، فمن المتوقع أن يصبح السلام فيها أقرب من أي وقت مضى.

تقف إثيوبيا في مقدمة دول شرق أفريقيا التي ترى أن التنمية والتعاون والتنسيق من أهم عوامل التقدم. فحققت أديس أبابا معدلات تنموية مرتفعة طوال عشر سنوات متتالية. ووجدت نفسها على مشارف انهيار للنظام، لكن طموحاتها الاقتصادية والسياسية ومشروعاتها الاستراتيجية مهددة، جراء ارتفاع معدل الأزمات الداخلية واستنزاف قدراتها في مشكلات إقليمية عميقة.

وتتطلب عملية المحافظة على النظام اتخاذ جملة من الخطوات الجريئة، حتى لو خالفت التوقعات، لأن المسألة تتعلق بمصير الدولة التي باتت مهددة من داخلها بسبب تفاقم الأزمات، ويستوجب الإنقاذ خططا عاجلة تناسب طبيعة المرحلة.

ثلاثة عصور إثيوبية

كان عصر ملس زيناوي، الذي تولى السلطة عقب سقوط نظام منجستو هايلي ماريام عام 1991، واستمر حتى أغسطس 2012، هو عصر تثبيت جماعة التيجراي لأركان الدولة بالقبضة الحديدية، ولتكون إثيوبيا قوة إقليمية لا بد أن تملك مشروعات قومية يلتف حولها المواطنون. واختار زيناوي بناء السدود، وأبرزها سد النهضة.

جاء من بعده هايلي ماريام ديسالين في رئاسة الحكومة، ويوصف عصره بـ”التوافقي”، لذلك سيطر على فترة حكمه شد وجذب مع دول عدة. كان يتجنب الصدام على الصعيدين الداخلي والخارجي، لكن استمراره أصبح يمثل خطرا على الدولة، فتوجهاته التوافقية لم تنجح في جمع الطوائق الإثنية والعرقية حول السلطة. تصوراته الخارجية ولّدت حساسيات مثلّت تهديدا لهيمنة التيجراي.

تولى آبي أحمد منصب رئيس وزراء في أبريل الماضي في ظل حسابات متقنة للحزب الحاكم (الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية) الذي استشعر بالخطر على الدولة التي تتكون من موزاييك اجتماعي معقد وتواجه مشكلات اقتصادية مركبة وتحيط بها أزمات سياسية قد تعصف بثوابتها.

ومثّل صعود آبي أحمد إلى قمة السلطة نقطة فارقة في إثيوبيا والدول المحيطة بها. ساهمت مواهبه المتعددة في تمهيد الطريق أمام وصوله إلى هذه المكانة، وهو ابن المؤسسة الحاكمة بكل امتداداتها. والده مسلم ووالدته مسيحية. ينحدر من قومية الأورومو المهمّشة وليس التيجراي المهيمنة. عمره 42 عاما، ما يجعله مقبولا من فئة الشباب المتذمرة من الأوضاع الراهنة. واختير للمحافظة على النظام.

جاءت بداية آبي أحمد قوية وسريعة ومفاجئة وصادمة، عندما كشف في أول خطاب له أمام البرلمان لنيل ثقته في 19 أبريل الماضي عن صعود قيادة مختلفة وتبني منهج تصفير الأزمات، داخليا وخارجيا. ودار في خلد الكثيرين أن الرجل بعث برسائل طمأنة تستهدف المواطنين في الداخل دون أن تكون لها دلالات خارجية. ولم تتوقع دوائر سياسية في المنطقة أن تصل طموحاته إلى محطة القبول بالسلام مع العدو اللدود إريتريا. خيّب آبي أحمد الظنون وقبل باتفاقية الجزائر وذهب إلى أفورقي في عقر داره.

تمثل هذه الانعطافة تحولا في التوجهات الإثيوبية، وما يوصف بـ”استراتيجية الموانئ” التي تحتل أهمية في المنظومة العالمية، بدأت تنتبه لها دول كثيرة وتجد فيها مركزا للقوة الجديدة.

ذهب آبي أحمد إلى السودان للتفاهم على الاستفادة من ميناء بورتسودان. وعزّز علاقات بلاده مع الخرطوم، التي قدّمت خدمات جليلة لأديس أبابا في مجمل مواقفها من سد النهضة.

ذهب أيضا إلى الصومال، وتفاهم مع حكومة مقديشو وحدها، في إشارة إلى أن أديس أبابا لن تتعامل مع الولايات المنفصلة في شمال وشرق الصومال. حصل لبلاده على 19 بالمئة في ميناء بربرا. وينوي تغيير سياسة إثيوبيا التي أخذت شكل الاحتلال مع الصومال ويحصرها في إطار الحفاظ على الوهن ولن يساعدها لتصل إلى مرحلة الاستقرار التام.

 زار جيبوتي التي تمر منها 90 بالمئة من التجارة الإثيوبية وثمة خط بري يربط بين أديس أبابا وجيبوتي، هو جزء من شبكة إقليمية كبيرة، ستكون لها تداعيات مؤثّرة على التعاون الإقليمي لأنها تضم غالبية دول شرق أفريقيا. يفكّر آبي في بناء أسطول بحري لإثيوبيا، يتناسب مع أحلام بلاده، التي أصبحت دولة حبيسة عقب انفصال إريتريا. من هنا تأتي أهمية السلام مع أسمرة وتقديم تنازلات صعبة.

ستثبت الفترة المقبلة إلى أي درجة أن التغيرات المتلاحقة في منطقة القرن الأفريقي، تؤكد أن هناك حاجة لعصر جديد في القرن الأفريقي تداعياته يمكن أن تطال مناطق مجاورة.

للتاريخ
للتاريخ

 

6