السلام خطر حقيقي على سياسات حماس وإسرائيل النفعية

الثلاثاء 2014/08/26
الفلسطينيون في غزة يبحثون تحت الركام عن الضحايا الذين يسقطون كل يوم

واشنطن – حان الوقت للتفكر.. هل سيكون بمقدور إسرائيل وفلسطين أن تخرجا من الهاوية الأخلاقية التي أسقطا نفسيهما فيها وأن تتعاملا مع خطر السلام؟

و”خطر” هو التعبير السليم لأن السلام خطر على الزعماء الحمساويين والإسرائيليين على حدّ سواء.

كان الأمر دائما كذلك. وإذا ما رجعنا إلى الوراء لأوائل التسعينات سنجد أن رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين -اللذين كانا يمقتان كل ما يمثله الآخر- كانا يعرفان أن لكل أسبابه للعمل من أجل السلام. ومن المحتمل فقط -كما تصورا- أن يكون السلام أفضل من الحرب للأجيال القادمة. فهو لن يكون بالقطع بنفس القدر من التدمير.

ولم يكن الحال في تلك الأيام منتهى المراد.. لكن السلام على الأقل كان مقبولا.

الحقيقة المأساوية هي أن المواقف تشددت الآن. فحكام اليوم -ومنهم من يفتقر لسعة الأفق ومنهم من يتمادى في ردود الفعل- ليسوا أوردة تتوق لجرعة سلام. لقد أدرك كل من رابين وعرفات على نحو جلي أن العمل باتجاه السلام محفوف بالمخاطر والمجازفات.

وبعد هذا العقد الأخير .. هل سيتحلى الجانبان بالشجاعة الكافية لتجاوز تاريخهما المضطرب والتحرك صوب كراسي مهتزة محفوفة بالمخاطر على طاولة السلام؟

ليس الهدف من هذا هو الإيحاء بأن اللائمة تقع مناصفة على الجانبين في الاضطرابات وإراقة الدماء خلال السنوات العشر الماضية. ربما كان سلوك حماس شائنا وغير مسؤول لكن إسرائيل احتلت غزة حتى وهي تنسحب منها كما أن قصفها العشوائي للسكان المدنيين في مكان تحتجزهم فيه سجناء أمر لا يغتفر.

وفي النهاية يتعين على الطرفين المتحاربين التحرك ابتعادا عن القتل المتبادل إلى مرحلة سلام دائم لا “تجزُّ” فيه “المروج” (المجاز الإسرائيلي الساخر من قصفهم المتكرر لغزة) ولا يخطف فيه جنود ولا يُعدم صغار ولا تمحى أحياء ولا يقصف فتيان يلعبون.

من الصعب بلوغ هذا المراد، لأنه إذا حل السلام في إسرائيل فمن المرجح أن يصبح السكان أكثر ضجرا وأشد اهتماما بالمشاكل الداخلية الصعبة التي يتعين على الحكومة أن تواجهها. فالسلام يعني التركيز على المصالح الفردية ومعارك سياسية صعبة. أما الحرب فتعني التفكير الجماعي، يمكننا القول إنها تعني دعما تلقائيا للجيش ورئيس الوزراء الذي يقرر خوض الحرب.

لكن السلام قبل كل شيء أمر يهم المعتدلين.. والزعامة في كل من إسرائيل وغزة تزدري الاعتدال. إنها تزدري الحل الوسط وتخشى المصافحة. إنها تعاف كل ما من شأنه أن يقود إلى السلام بما في ذلك التفاوض. من الممكن فقط أن تقودها أطراف خارجية إلى طاولة وقف إطلاق النار.

الحرب أبسط بالنسبة إليهم وأيسر، فهي مكون أساسي في أسطورة الخلق الإسرائيلية، وعلى نفس الشاكلة فإن الانتفاضات جزء من الهوية الفلسطينية. فلتشن حربا ولتدبر انتفاضة وكل من هم في جانبك سيتبعونك.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على سبيل المثال يتمتع الآن بشعبية تفوق كثيرا ما كان تلك التي كان يحظى بها قبل بدء جولة القتل الأخيرة.

وهكذا فإنّ قضية غزة بأكملها تعدّ تكرارا مرضيا للعلاقة المختلة بين هذين الشعبين اللذين يعتبر كل منهما نفسه ضحية حتى وإن كان يطلق صواريخ ليقتل أسرا بأكملها أو يهدف منها لقتل أسر بأكملها. وأي محلل نفسي قد يخبرك بأن الإثنين يجب أن يغيرا سلوكهما.

لكن زعماء الجانبين لا يرون الأمر على هذا النحو. هم أشبه بالأخوين المريضين.. كل طرف يحتاج الآخر لإرساء هويته. فإسرائيل الآن أقرب لأن تكون بلا معنى دون التهديد الفلسطيني. وبالنسبة للفلسطينيين: من دون مقاومة القمع الإسرائيلي، من هم في هذه المرحلة؟

بمقدور حماس الآن أن تصمد فترة أطول وأن تمد اللعبة لوقت إضافي. وبينما تواصل حماس القتال تموت أعداد أكبر من الفلسطينيين في حملات القصف الإسرائيلية ويدخل مزيد من أعضاء المجتمع الدولي المعسكر الفلسطيني. إنها استراتيجية حاذقة: أن تقاتل وتموت، وتكسب من خلال الخسارة.

حماس تتحمل قدرا من المسؤولية في سقوط القتلى المدنيين خلال هذه الجولة من الصراع، لكنك لن تجد أفضل من جثث شعبك لإخفاء شعورك بـ”الخزي”. الاشمئزاز الدولي من قتل مدنيين أبرياء يمكنه أن يوقف أحيانا قوة نيران عظمى تمضي في مسارها.

وبين هذا وذاك، وأمام سقوط الضحايا المدنيين كلّ يوم، قال إم. جيه. روزنبرج -مراقب الشرق الأوسط الذي يكتب عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني منذ عقود مركزا في الأغلب على إسرائيل- “قررت خلال هذه المعركة الأخيرة أن أتوقف وألاّ أكتب شيئا آخر عن إسرائيل، وألاّ أفكر فيها خاصّة، لأنني فقدت أيّ أمل في مستقبلها.”

كاتبة صحفية ومراسلة سابقة لمجلة “ذا نيويوركر”

7