السلام مقابل وصول مياه النيل إلى فلسطين المحتلة

الجريمة المزدوجة تشمل تلويث المياه والعدوان على مجرى يضيق بالردم وبالبناء، وسبقها شروع في مدّ مياه النيل إلى فلسطين المحتلة.
الجمعة 2019/10/18
مصر تتحرك لحل أزمة سد النهضة خوفا على مواردها من المياه

وفقا لما أعلنه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي فسوف يلتقي الأحد القادم مع رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد في روسيا، لبحث الخلاف المتصاعد حول سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على نهر النيل، وتخشى مصر أن يهدد مواردها من المياه. وكان أبي أحمد وعد في يونيو 2018، خلال مؤتمر صحافي مع السيسي بالقاهرة، بتسوية الخلاف، ودفعه السيسي إلى القسم بالله ألا يصيب مصر ضرر من تشييد السد. وبين وعد رئيس وزراء إثيوبيا ووعد للرئيس المصري الأسبق أنور السادات جرت في نهر النيل ونهر السياسة قضايا يستعرض المقال طرفا منها.

في مصر قبضة بوليسية تستقوي على مواطن بسبب تغريدة، وتطارد تجمعا لبضعة أشخاص خوفا من تقويضهم لنظام الحكم، وتهمل اعتداءات واضحة على نهر النيل. ويسهل على إثيوبيا أن تحتج وتتعنت استنادا إلى خطايا المصريين في حق نهر كان المصري يحرص على التبرؤ في العالم الآخر من الإساءة إليه، بتقديم أدلة على استحقاقه العبور بسلام على الصراط إلى نعيم الحياة الآخرة “أنا لم أقتل… أنا لم ألوث ماء النيل”. والجريمة المزدوجة تشمل تلويث المياه والعدوان على مجرى يضيق بالردم وبالبناء، وسبقها شروع في مدّ مياه النيل إلى فلسطين المحتلة. ويمكن في ضوء حلم إسرائيل بمياه النيل تفسير بدء بناء نظام صاروخي إسرائيلي حول سد النهضة، في مايو 2019، وقال موقع ديبكا الإسرائيلي إن إثيوبيا اشترت النظام الإسرائيلي المضاد للطائرات بعد تتبع أدائه.

ترجع البداية إلى عام 1979 الذي بدأ بتعثر مفاوضات “السلام” في الإسكندرية، ذهب رئيس الوزراء مصطفى خليل إلى السادات، يشكو تعنت الوفد الإسرائيلي، فقال له السادات في حضور وزير الدولة للشؤون الخارجية بطرس غالي “اطّمن يا مصطفى الحل في جيبي”، ولم يُفصح عن هذا الحل إلى أن تعثرت المفاوضات، وتكررت الشكوى والإجابة التي حيّرت رئيس الوزراء فقال “طيّب يا ريس.. اعطنا الحل”. وقهقه السادات وقدم توضيحا ملغزا بأن الإسرائيليين يعرفون ماذا يستطيع أن يعطيهم، “وفي الوقت المناسب سوف أقول لكم”.

يسجل محمد حسنين هيكل في الكتاب الثاني من ثلاثية “المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل”، أن بطرس غالي عاد من زيارة إلى إسرائيل، وتوجه مباشرة إلى رئيس الوزراء، وروى له تفاصيل ما سمعه في عشاء أقامه له وزير خارجية إسرائيل موشي ديان، إذ أبلغه باتخاذ رئيس الوزراء مناحيم بيجن “مواقف قاطعة لا يحيد عنها”، وإنه ناقشه قبل يومين في أمر المفاوضات مع مصر، فقال له بيجن “اسمع، أنا لن أبيع سيادة إسرائيل مقابل ماء النيل”. وقال غالي إنه حاول “برقّة” استقصاء الأمر من ديان، ثم عرف أن بيجن تلقى من السادات “عرضا سريا.. باستعداده لإقامة خط أنابيب من مياه النيل يصل إلى النقب لري أراضي مستعمرات يمكن نقلها من الضفة الغربية إلى هناك”، إذا تم التوصل إلى اتفاق بشأن الضفة الغربية.

يمكن في ضوء حلم إسرائيل بمياه النيل تفسير بدء بناء نظام دفاعي صاروخي إسرائيلي حول سد النهضة، في مايو 2019، وقال موقع ديبكا الاستخباراتي الإسرائيلي إن إثيوبيا اشترت النظام الإسرائيلي المضاد للطائرات بعد تتبع أدائه

أدرك رئيس الوزراء خطورة ما نقل إليه غالي، فذهبا للقاء السادات، وروى غالي للرئيس ما سمعه نقلا عن ديان، “وكانت المفاجأة للاثنين أن السادات استمع إلى ما قيل له بهدوء”، ثم قال “وماله”؟ واستطرد السادات “حتى بعد بناء السد العالي فنحن مازلنا نرمي بكميات من النيل إلى البحر.. وأي ضرر يحدث لنا إذا أعطيناهم هذه المياه لنحلّ المشكلة؟”. وشرح له رئيس الوزراء أن هذه المياه قليلة، وهي مهمة لتشغيل محطات السد العالي، ولخدمة الملاحة النيلية في غير موسم الفيضان، فقاطعه السادات “خلاص.. نديهم الميّه دي”. أوضح الرجل مرة أخرى “لا نستطيع أن نعطيهم هذه المياه لأننا سوف نظل دائما مضطرين إلى إطلاق مياه من السد العالي لأغراض الملاحة والكهرباء”. رد الرئيس إنه “بعث بعرضه فعلا إلى بيجن، ولابد من إعادة النظر في الموضوع بما يسمح بتنفيذ وعده”.هكذا أعطى من لا يملك وعدا لمن لا يستحق، دون علم رئيس الوزراء ووزراء الزراعة والري والخارجية.

ولإقناع الرئيس بالعدول عن وعده لبيجن، شكل رئيس الوزراء لجنة تضم وزير الري وعددا من الخبراء، ومعهم غالي ومستشارون قانونيون من الخارجية. وعاد إلى الرئيس لعرض ما توصلت إليه اللجنة، واستعرض غالي الزاوية القانونية التي لا تغفل حقائق أولها أن اتفاقية مياه النيل بين دول حوض النهر، لا تسمح لأي دولة بإعطاء طرف ثالث أي كمية من المياه، إلا “بموافقة كل دول الحوض”، وإذا حصل طرف ثالث على أي كمية من المياه لمدة سنة واستزرع عليها أرضا فيترتب لهذا الطرف، بموجب القانون الدولي، “حق ارتفاق دائم على هذه المياه”، وإن دول الحوض وقعت 12 معاهدة، وإذا طالبت مصر بإعادة الاتفاق على توزيع المياه، فالتوزيع الجديد للحصص لن يكون في مصلحتها، “لأننا نأخذ بالفعل أكثر من حصتنا… فإذا جئنا الآن وأعطينا لإسرائيل مياها قلنا إنها زائدة عن حاجتنا، فإننا بذلك نفتح الفرصة لكل دول الحوض أن تنقض معاهدات توزيع حصص المياه”.

استمع السادات إلى الحجج القانونية، وقال “نستطيع أن نقول للأفارقة إننا سوف نعطي مياه شرب للعرب الفلسطينيين”. فتدخل خليل بانفعال “إنني رئيس وزرائك، ومن واجبي تجاهك، فضلا عن واجبي تجاه البلد، أن أحمي صورتك أمام الناس. وأنا لا أستطيع بضمير مستريح أن أمدّ أنبوبة قطرها بوصة واحدة إلى إسرائيل”، لأسباب منها أن هذه المياه غير فائضة وأننا نستعير جزءا من حصة السودان، وأن إيراد النيل متذبذب ولولا السد العالي لوقعت بمصر كارثة.

أنصت السادات وصمت. ثم جاء عزرا وايزمان ليمهد لزيارة بيجن، وتجنب مقابلة رئيس الوزراء المصري في القاهرة متجها إلى أسوان للقاء السادات الذي استدعى رئيس وزرائه لاجتماع لمجلس الأمن القومي، بعد أن قابله وايزمان. وكانت المفاجأة أن السادات أثار ثلاث قضايا: توصيل مياه النيل إلى إسرائيل وكان خليل تصور انتهاء هذا الأمر. وتزويد إسرائيل بالبترول بسعر تمييزي. وإلغاء جامعة الدول العربية. ثم اجتمع بهم السادات في اليوم التالي، وأثار النقاط الثلاث، وتوسع في أمر جامعة الدول العربية، قائلا إنها “لم تعد لها فائدة… إذا أرادت بقية الدول العربية أن تتمسك بها، فليأخذوها بعيدا عن مصر”. أوضح رئيس الوزراء أن مصر لا تمتلك وحدها قرار الإلغاء، وإنما تمتلك الانسحاب من الجامعة ووافقه أغلبية الحضور فازداد السادات توترا، وأعلن انتهاء الجلسة التي كانت نهاية وزارة مصطفى خليل.

يبدو أن وعد السادات لا يزال ساريا، وتدل عليه جملة في نهاية كتاب “ستون عاما من الصراع في الشرق الأوسط.. شهادات للتاريخ”، وهو محاورات أدارها أندريه فيرساي بين بطرس غالي وشيمون بيريز الذي قال إن التصحر هو عدو العرب وإسرائيل، وإن مساحة العالم العربي 13 مليون كيلومتر مربع، منها 89 بالمئة أرض صحراوية، “ويجب أن ننظم عملية ري مناسبة، ويجب أن تكون إقليمية. ولذلك يصبح علينا من الآن إقامة علاقات سلمية سريعة.. حتى يمكن أن نحقق التعاون في تنفيذ سياسة تخطيط وتقسيم منصف للمياه”.

أي مياه تملكها إسرائيل، وتقبل التقسيم أو التقاسم؟ ربما كانت هذه الجملة لما وصفه موقع ديبكا الاستخباراتي الإسرائيلي، في يوليو 2019، بأن هذا النظام المضاد للطائرات حول السد، هو الوحيد في العالم القادر على إطلاق نوعين مختلفين من الصواريخ من قاذفة واحدة يتراوح مداها بين 5 و50 كيلومترا.

9