السلام والإرهاب في زمن الإطفائي‎

الثلاثاء 2017/01/10

أيام قليلة تفصلنا عن بداية زمن حكم الإطفائي دونالد ترامب القادم إلى عرش الولايات المتحدة الأميركية، وحين نتحدث عن الولايات المتحدة فنحن نتحدث عن البوصلة التي تقود نصف العالم ولا يخالف اتجاهاتها النصف الآخر.

كثرت الحرائق المشتعلة الملتهبة في العالم العربي، واشرأبت الأعناق نحو إطفائي يخمد هذه النيران التي أكلت الأخضر واليابس وكان وقودها البشر والحجر.

هذا الإطفائي تاجر يتقن لغة البيع والشراء، ونصف فنون السياسة قائمة على البيع والشراء والمساومة، ويتقن فن التعامل مع الإعلام ويعرف كيف يسخّرُ وسائل التواصل الاجتماعي لخدمه أهدافه، وقد تجلى هذا إبان الحملة الانتخابية الرئاسية.

مطلوب من هذا الإطفائي أن يخمد حريقا واحدا ليُمنح وسام الشجاعة والإقدام فهل سيبدأ بإخماد تلك النيران المشتعلة في صعدة والممتدة نحو المملكة العربية السعودية، أم سيبدأ بألسنة اللهب المتطايرة من ح،. أم يفكر في اتباع نهج أسلافه الديمقراطيين الذين ما أن وطئت أقدامهم المكتب البيضاوي حتى قرعوا طبول الحرب، ابتداء بالرئيس أبراهام لنكولن الذي خاض الحرب الأهلية التي قتل فيها ما يزيد عن مليون شخص، ثم جاء في ثمانينات القرن الماضي رونالد ريجان، وتبعته فضيحة إيران كونترا، حين دعمت الولايات المتحدة إيران بالأسلحة عبر تل أبيب إبان الحرب العراقية الإيرانية، وفي عهد جورج بوش الأب كانت حرب أميركا على العراق إبان أزمة الكويت، وكان العراق على موعد آخر مع الجمهوري جورج بوش الابن الذي ما إن وصل إلى سدة الحكم بغنائم الحرب على العراق حتى شن حربه على أفغانستان وأتبعها بحرب احتلال العراق، فكان أرعن رئيس جمهوري كما قال عنه الرئيس صدام حسين. وتاريخ الديمقراطيين لا يقل دموية عن الجمهوريين، ولكنهم يمتازون بشيء من العقلانية وتغليب لغة الدبلوماسية، وإن كان الرئيس هاري ترومان شذّ عن هذه القاعدة وأعطى الضوء الأخضر بمسح هيروشيما من خارطة الإمبراطورية اليابانية بالقنبلة الذرية، ثم سار على نهجه الرئيس ليندون بينيس جونسون الذي زَجَّ بنصف مليون مقاتل أميركي في فيتنام وتكبدت أميركا في عهده خسائر بشرية فادحة.

فهل سنرى القادم إلى البيت الأبيض يعتمر قبعة الإطفاء أم سيرتدي بزة المحارب، أم سيكون سارقا لقوت الجياع بناء على نظرية الرئيس دوايت أيزنهاور الذي قال “من كل بندقية تصنع وكل سفينة حربية تدشن، وكل صاروخ يطلق، تتم عملية سرقة للقمة العيش من فم الجياع ومن أجساد الذين يرتجفون من شدة البرد ويحتاجون إلى الكساء”.

كم هم اليوم الذين تسرق من أفواههم لقمة العيش بل لا يجدونها أصلا، وكم يموت من لاجئين مشردين تحت الصقيع ولا يجدون مأوى ولا كساء يقيهم برد الشتاء، بعد أن دمرت منازلهم بالقنابل وقتل ذووهم بالرصاص ومسحت بلدانهم بالطيران الحربي والبوارج العسكرية التي جاءت من وراء المحيطات لتعلمهم فنون الديمقراطية الأميركية بالدماء، وتلقنهم معاني الحرية بالأشلاء وتنشر مبادئ الرأسمالية بلغه التهجير والفناء.

عالمنا اليوم بحاجة ماسة إلى السلام، وهناك مؤشرات إيجابية تجلت في تقارب وجهات النظر بين الإطفائي ترامب وبين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وإن كان هذا التقارب أزعج الرأي العام الأميركي لأنهم عاشوا عقودا في ظل الحرب الباردة وعقودا من عدم الثقة، لكن ترامب يترجم مقولة فرانكلين روزفلت “يمكننا أن نجد الحقيقة حين نجد رجالا حقيقيين في البحث عنها”.

إن ما تحتاجه بؤر الإرهاب في الشرق الأوسط هو، تماما، ما يتم أثناء التعامل مع الحرائق، حيث تحتاج بؤر الإرهاب إلى تجفيفها من الأوكسجين الذي يساعد على اشتعال النيران وأوكسجين الإرهاب فكر ومال، فمتى ما تم تجفيف منابع الفكر وتم تجفيف منابع التمويل المالي سنري الإرهاب يتلاشى ويخمد كما هي ألسنة اللهب حين تحرم من ملامسة الأوكسجين.

إن الإرهابيين الذين تمت زراعتهم في عالمنا العربي، وخصوصا تنظيم داعش ومن معه من القاعدة والنصرة وجند الفتح وجند الإسلام وغيرها من مسميات ينطبق عليها قول الشاعر:

ألقاب مملكة بغير موضعها *** كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد.

جُمعَ هؤلاء الإرهابيون في رقعة جغرافية وعرة وغنية في ذات الوقت بالبترول الذي يشكل مصدر تمويل بالغ الأهمية، كما أنها غنية بالمحاصيل التي توفر الأمن الغذائي لهذه الجماعات الإرهابية التي تصنفُ إلى ثلاث فئات:

الفئة الأولى وهي الأشد خطر وإجراما وتتقن فنون الإرهاب باحترافية، هم المرتزقة الذين تم تدريبهم بحرفية ومهنية عالية وجندوا لتنفيذ خطط دول وحكومات لها أجندات خاصة. ولذلك اعتمدت الأمم المتحدة في الرابع من ديسمبر 1989 الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم، وجرمت كل مرتزق وكل من يقوم بتجنيد أو استخدام أو تمويل المرتزقة، كما حظرت على الدول تجنيدهم واستخدامهم، إذ لا يتمتع المرتزق بوضع المقاتل أو أسير الحرب ويمكننا أن نقول إن المرتزقة هم جنود مستأجرون ليحاربوا من أجل أهداف دول أخرى غير بلدانهم، لتلبية مصالحهم الخاصة بعيدا عن المصالح السياسية أو الإنسانية أو الأخلاقية.

الفئة الثانية وتنقسم إلى فريقين؛ الأول يمثله المتشددون دينيا ممن تم تلقينهم الدين بعنصرية وطائفية مقيتة لا تمت إلى سماحه الأديان بصلة، وعلى مر التاريخ رأينا كيف ارتكبت المجازر بحق الإنسانية تحت رايات المتشددين دينيا والمتعصبين طائفيا، ونسي هؤلاء أن الرب محبة وسلام.

الفريق الثاني من الفئة الثانية هم ممتهنو الإجرام، وهؤلاء يفرون من سلطة القانون وأحكامه الرادعة، إلى بؤر يغيب عنها القانون وهيبة الدولة ويسود فيها انفلات أمني يجدون فيه ضالتهم ويمارسون إجرامهم من سرقة ونهب وقتل واغتصاب بلا حسيب ولا رقيب، بل ينالون عليه أجورا ومغريات.

الفئة الثالثة الأقل خطرا، وتتكون بدورها من فريقين؛ الأول هم المهمشون الذين عانوا تهميش المجتمع واكتووا بناره ونهشتهم آفاته من فقر وبطالة وجهل وعبودية وتهميش وظلم، فنتج عن ذلك مهمشون حاقدون على المجتمع وناقمون على ميزان العدالة الاجتماعية فسهل على التنظيمات الإرهابية استقطابهم.

والفريق الثاني من الفئة الثالثة هم المرضى النفسيون، ومدمنو المخدرات الذين وجدوا ضالتهم في وحشية هذه التنظيمات، وتوفرت لهم المخدرات وحبوب الهلوسة والإدمان في ظل غياب تام للقانون والسلطة.

في ظلمة حرائق الإرهاب تزداد حاجة العالم إلى إطفائي يمتهن سياسة السلام ويتقن الحوار ويستبدل كلمة أنا بكلمة نحن.

مؤسس ورئيس منظمة سلام بلا حدود الدولية

9