السلطات الإيرانية تلعب بالنار

النظام في إيران وصلت به الجرأة إلى حد قيامه مؤخرا بالتعدي الصريح والواضح على واحدة من أكبر المرجعيات الدينية الشيعية في العالم ألا وهي المرجعية الشيرازية وذلك باعتقال السيد حسين الشيرازي.
الثلاثاء 2018/03/13
التهمة: انتقاد استبداد النظام الإيراني

تفاجأ الكثير من المتابعين لتطوّرات الأحداث في إيران بالجرأة التي وصل إليها نظام الحكم بقيامه مؤخرا بالتعدّي الصريح والواضح والعلني على واحدة من أكبر المرجعيات الدينية الشيعية في العالم ألا وهي المرجعية الشيرازية، وذلك باعتقال السيد حسين الشيرازي نجل المرجع صادق الشيرازي، وتغييبه القصدي عن عائلته وطلابه ومجالس درسه لا لشيء إلا لأنه مارس حقه الذي أباحته له كل النواميس والأعراف والقوانين الإنسانية بإبداء الرأي السلمي بقضية عامة لا زالت محلّ جدل ونقاش كقضية ولاية الأمة.

التعبير عن موقف سلمي -أيضا- يرتبط بتصرّفات نظام الحكم، التي لا تنعكس نتائجها على القائمين بها فقط، بل هي تنعكس سلبا أو إيجابا على المحكومين من الناس، وهم العشرات من الملايين، مما يعطيهم الحق الإنساني والدستوري في بيان قبولهم بالصالح منها، وإعلان رفضهم الصريح بالطالح والمنحرف، فهذا هو ديدن الشعوب الحرة، وهذا المنهج مقبول ومرحّب به من قبل الحكومات التي تحترم حقوق الناس وحرياتهم، بل هذا ما يفترض أن يعمل به النظام الحاكم الذي يزعم أنه يستمد شرعيته الوجودية ومشروعيته الدستورية من الانتساب إلى منهج الرسول وأهل بيته الكرام.

ولكن يبدو أن القوى السياسية تتخذ من العترة الطاهرة مجرد غطاء يخفي وجها بشعا من الطمع، والاستئثار بالسلطة، والاستهانة بأبسط حقوق الناس وحرياتهم، فقد راقبنا ردود الأفعال الصادرة من السلطة الإيرانية، وتلك الصادرة من أتباع المرجعية الشيرازية، فوجدنا أن معظم ردود السلطة المبرّرة لعملها تقتصر على أمرين: الأول، أن السيد حسين الشيرازي أساء لنظام الحكم في إيران عندما انتقد سلطويته واستبداده وأفقه الضيق مع المعارضة السياسية. والثاني، أن المرجعية الشيرازية مرجعية تقليدية تبالغ بالطقوس، أو ما يودّ تسميته بالخرافات، وأنها مرجعية بريطانية.

أما ردود أفعال أتباع المرجعية الشيرازية -باستثناء قلة محسوبة عليهم- فلا تتعدى محاولة إثبات حقهم الدستوري والشرعي والإنساني في التعبير السلمي عن الرأي، وعدم قبول الإزاحة الوجودية لهم من قبل تيار سياسي وديني يعتقد أنه فقط من يمتلك الحق في تمثيل شيعة العالم وفرض تصوّراته السياسية عليهم، فهم شيعة أيضا ومن حقهم أن تكون لهم طريقتهم في الحياة والاجتماع والسياسة تتناسب مع اجتهاداتهم وتصوّراتهم.

وعند وضع حجج السلطة الإيرانية في الميزان للحكم عليها سنجد ما يلي:

* لقد خرجت السلطة عن ميدان الاحترام للحقوق والحريات الإنسانية، لكونها صادرت أبسط حقوق الإنسان في حرية الرأي والتعبير، ومن يصادر هذه الحقوق الابتدائية لا يستطيع أن يزعم احترامه للحقوق الأخرى كحق الحياة وحق الملكية وحق التنقل وحق التجمّع والاجتماع وما شابه.

* لا يمكن لهذه السلطة أن تدّعي حكمها وفقا لمنهج الرسول وأهل بيته عليهم السلام، فمنهج العترة الطاهرة مع المعارضة السياسية واضح ومعلوم، وليس فيه مصادرة للرأي أو حكم بالظنّة، أو إرهاب وتخويف للآخر.

* عدم استقرار السلطة وشعورها بالتهديد، فتضايقها واستعجالها في اتخاذ المواقف غير المحسوبة، يدل على اشتداد أزمتها الداخلية، وهي أزمة ستعاود الظهور مرة بعد أخرى بتحركات اجتماعية متمرّدة، ومواقف حكومية متهوّرة قد تنتهي بالنظام إلى السقوط.

* نزع لباس تمثيل الشيعة من هذه السلطة، إذ كيف يستطيع شيعة إيران وغيرهم من شيعة العالم الشعور بالأمان تحت حكم يهين المراجع وأبناء المراجع الذين حافظوا على علوّ مقامهم بين أتباع هذا المذهب، فما بالك بالمواطن البسيط الذي قد لا يُحسن التفكير والسلوك عندما يعبّر عن حاجاته ومطالبه، فهو بحكم سلوك السلطة محكوم عليه بالخضوع والطاعة الأبدية سواء أحسنت السلطة أم أساءت، وهذا بالفعل جحيم سياسي يساوي بين الموت والحياة، ويحكم على شجرة الحرية بالأفول بقرار من الحاكم.

* اعتقاد السلطة بأن طقوس الناس وشعائرهم، وخياراتهم لا بد أن تتطابق مع طقوسها وخياراتها يمثّل اعتقادا غير سليم، ومنهجا في الحكم عفّى عليه الزمن، فالحكومات في الدول الحديثة بحاجة إلى توسيع أفقها، وسماع الرأي الآخر، بل والتنازل لهذا الرأي عن السلطة في مرحلة ما، عندما ينال قبول ورضا الناس. في عصر الإنترنت تستطيع الشعوب إسقاط حكوماتها برسالة تتناقلها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وتستطيع أيضا مدّ الجسور بينها لكسر احتكار السلطة للمعلومات، والقمع لم يعُد سبيلا حكيما للحكومات الراغبة بالحفاظ على مصالحها ومصالح شعوبها.

* نزع عباءة الدين وعدم جعلها قميص عثمان الذي تستباح فيه الكرامات، فالحكم اليوم بيد بشر قد يصيبون وقد يخطئون، ومن يحكم على سلوكهم ليس اجتهاداتهم وأحكامهم المستنبطة، إنما تحكم عليهم شعوبهم التي تمنحهم الحق في البقاء في الحكم من عدمه، والشعوب لا تقبل بسلطة تصادر حقوقها وحرياتها، كما لا تقبل بسلطة لا تجلب السعادة والرفاه لها سواء طال بقاء هذه السلطة في الحكم أم قصر.

6