السلطات التونسية تلتزم الحذر إزاء عملية اغتيال الزواري

عكس المؤتمر الصحافي الذي عقده وزير الداخلية التونسي مساء الاثنين، الحذر الشديد الذي تتوخاه السلطات التونسية التي رفضت توجيه اتهامات مباشرة لأي جهة في ما يتعلق بعملية اغتيال محمد الزواري.
الأربعاء 2016/12/21
مطالب بكشف الحقيقة

تونس - اختارت السلطات التونسية الرسمية التزام الحذر في تعاملها مع عملية اغتيال المهندس الطيار التونسي محمد الزواري العضو في “كتائب القسام” الجناح العسكري لحركة حماس الفلسطينية، التي مازالت تتفاعل سياسيا وأمنيا وشعبيا، وسط اتهامات للحكومة الحالية برئاسة يوسف الشاهد بـ”التقصير” في حماية سيادة البلاد من الاختراقات الأمنية الأجنبية.

ورغم أن كل المؤشرات والدلائل تدفع باتجاه توجيه أصابع الاتهام إلى جهاز المخابرات الإسرائيلي “الموساد”، بتدبير وتنفيذ عملية الاغتيال التي تمت الخميس الماضي في مدينة صفاقس التونسية، فإن السلطات التونسية الرسمية امتنعت عن ذكر الجهة التي تقف وراء تلك العملية واكتفت بالقول إن “جهات أجنبية قد تكون تورطت فيها”، وذلك في موقف عكس حذرا شديدا.

وبدا هذا الحذر واضحا خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده مساء الاثنين، وزير الداخلية التونسي الهادي المجدوب لتوضيح ملابسات عملية الاغتيال المذكورة، وذلك بعد أربعة أيام من حدوثها، حيث تفادى توجيه الاتهام لأي جهة محلية كانت أو أجنبية.

واكتفى الهادي المجدوب خلال مؤتمره الصحافي بتقديم النتائج الأولية للتحقيقات في عملية الاغتيال، ومعلومات إضافية عن المهندس محمد الزواري الذي اغتيل في مدينة صفاقس، مؤكدا أنه انتمى في العام 1989 إلى حركة الاتجاه الإسلامي، أي حركة النهضة الإسلامية برئاسة راشد الغنوشي.

وعلى عكس ما ذهبت إليه حركة النهضة الإسلامية التي تنصلت من محمد الزواري (49 عاما)، ونفت أن يكون قد انتمى إليها، أكد الهادي المجدوب أن الزواري تمت محاكمته غيابيا في عدة قضايا من أجل نشاطه ضمن حركة الاتجاه الإسلامي، لكنه تمكن من الفرار نحو ليبيا ، ثم السودان وبعدها إلى سوريا، لافتا إلى أنه عاد إلى تونس في العام 2011، أي بعد سقوط نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011.

ولكنه أقر بأن الأجهزة الأمنية التونسية “لم تسجل أي تحركات مشبوهة له لتدفعها إلى التحرك لحمايته أو لمساءلته أو مراقبته”، مضيفا أن الزواري محدود العلاقات ومعروف بتكتمه الكبير إلا في بعض الحالات التي يبدي فيها حماسا للقضية الفلسطينية لا تتجاوز ما هو معتاد عليه لدى عموم الناس.

الأزهر العكرمي: حذر الحكومة مبرر لأن مواقف الدول تبقى محكومة بواجب التحفظ

ومن جهة أخرى، قال وزير الداخلية التونسي إن عملية اغتيال الـزواري تم تنفيذها يوم 15 ديسمبر حيث تعرض لطلق نـاري بطـريق “منـزل شـاكر”، وبتنقل الوحدات الأمنية إلى مسرح الجريمة تم العثور على عدد من الرصاصات في جسده، بالإضافة إلى 3 أجزاء تابعة لرصاصة سلاح 9 ملم، وعلى حقيبة بها مسدسان من نوع Cz عيار 9 ملم.

وبعد أن استفاض في تقديم تفاصيل نتائج التحقيقات الأولية، أكد وزير الداخلية التونسي أن مخطط الاغتيال “تم الإعداد له بصفة مسبقة وهذا المخطط مرتبط بتكوينه الأكاديمي وارتباطه بتنظيمات إقليمية، وذلك في إشارة إلى عضوية الزواري في حركة حماس الفلسطينية.

وأكد أن التخطيط لهذه العملية تم خارج التراب التونسي، ولم يستبعد في هذا السياق إمكانية “ضلوع جهاز مخابرات أجنبي في عملية الاغتيال”، لكنه استدرك قائلا “وزارة الداخلية ليست لديها أي مؤيدات أو دليل قاطع حول ذلك”.

وأثار هذا الاستدراك حفيظة واستياء العديد من الأحزاب السياسية التي طالبت الحكومة باتخاذ موقف واضح وصريح باتجاه توجيه الاتهام مباشرة إلى جهاز المخابرات الإسرائيلي “الموساد”، باعتباره المسؤول عن هذه الجريمة.

ورغم أن الوزير التونسي أكد أن وزارة الداخلية شرعت في اتخاذ الإجراءات مع “الإنتربول” وكذلك في تعبئة الرأي العام العالمي ضد هذه الجريمة، فإن ذلك الاستياء تحول إلى ما يُشبه الاتهامات للحكومة برئاسة يوسف الشاهد بـ”التقصير”، في حماية السيادة الوطنية، و”التلكؤ” في تحميل إسرائيل مسؤولية هذه الجريمة، وما يستدعي ذلك من تحركات سياسية ودبلوماسية على الصعيدين الإقليمي والدولي لـ”فضح إسرائيل”.

غير أن الأزهر العكرمي الوزير المنتدب لدى وزير الداخلية السابق، رفض تلك الانتقادات، واعتبر في تصريح لـ”العرب” أن الحذر الذي اتسم به الموقف الرسمي التونسي “مُبرر لعدة اعتبارات أبرزها أن الدولة عندما تتناول مسألة من هذا النوع الخطير عليها الاستناد إلى قرائن ودلائل قاطعة، وليس إلى التخمينات”.

وقال لـ”العرب” إنه يتفهم تلك الانتقادات الصادرة عن الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، التي تأتي مواقفها مُتحررة من العديد من الضوابط، وبالاستناد إلى قراءات للوقائع، وذلك على عكس مواقف الدول التي تبقى محكومة بواجب التحفظ، وتخضع للاعتبارات السياسية مُرتبطة بمتطلبات الدولة، وما تُنتجه أجهزتها من قرائن ومؤيدات عبر التحقيقات المُعمقة”.

ولكنه اعتبر في المقابل أن ذلك لا يمنع من القول إن الأداء الرسمي إزاء هذه المسألة الحساسة “اتسم بنوع من الارتباك الواضح في البداية، ما أثار تساؤلات لدى الرأي العام، غير أن ذلك تم تداركه لاحقا”.

وتُجمع القراءات السياسية والأمنية على أن عملية اغتيال محمد الزواري التي أعادت إلى الأذهان حادثة اغتيال القائد الفلسطيني خليل الوزير (أبوجهاد) في العام 1988 في ضاحية سيدي بوسعيد بتونس العاصمة، كشفت عن إخلالات أمنية كبيرة تعاني منها المنظومة الأمنية التونسية، حتى أن رضا صفر الوزير التونسي السابق المكلف بالأمن لم يتردد في القول إن “هذا الاستهداف يُثبت وجود هشاشة.. فالمنظومة الأمنية بتونس تواجه عدة تحديات منها الإرهاب”.

وفيما دعا صفر إلى ضرورة “استخلاص العبرة ” من عملية الاغتيال المذكورة، أقر رفيق الشلي كاتب الدولة التونسي للأمن السابق، بأن جهاز مكافحة التجسس بوزارة الداخلية التونسية “تلاشى بعد الثورة وأنه تمت إعادة بنائه منذ سنة 2015”.

4