السلطات الجزائرية تلجأ إلى خصومها للتنصل من فشلها الاقتصادي

اضطرت الحكومة الجزائرية للبحث عن منافذ للهرب من أزماتها الاقتصادية المتفاقمة، بالبحث عن كبش فداء يتحمل معها مسؤولية فشل سياساتها، في وقت تتسع فيه الانقسامات داخل الأوساط السياسية والاقتصادية خوفا من تداعيات خطط الحكومة العشوائية.
الجمعة 2017/08/04
فشل جميع حسابات الحكومة الجزائرية

الجزائر - تشهد الجزائر هذه الأيام حالة من الانقسام بشأن مؤتمر للحوار الوطني تعتزم الحكومة إطلاقه، لبحث سبل معالجة تداعيات انهيار أسعار النفط على اقتصاد البلاد المتأزم.

ويقول خبراء اقتصاد إن الحكومة تحاول التنصل من المسؤولية حول الأوضاع الاقتصادية السيئة التي تمر بها البلاد التي تفاقمت منذ منتصف 2014 جرّاء تراجع عائدات النفط، بعقد هذا المؤتمر، معتبرين سياساتها عشوائية.

وكان رئيس الوزراء، عبدالمجيد تبون، قد أعلن منتصف الشهر الماضي، أن حكومته “تنتظر الضوء الأخضر من الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة لإطلاق نقاش وطني مع مختلف الشركاء حول سبل مواجهة آثار الأزمة الاقتصادية الناتجة عن انهيار أسعار النفط”.

وسيركز المؤتمر، الذي لم يتحدد موعده بعد، على ملف أموال الدعم الاجتماعي، أي طرق الدعم المباشر وغير المباشر، الذي تقدمه الحكومة للفئات الفقيرة، مثل دعم مواد غذائية أساسية وأسعار الوقود وإعانات أخرى تكلّف الخزينة 21 مليار دولار سنويا.

وقال نعيم زايدي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الجزائر العاصمة، إن “الحكومة تريد من خلال هذه الخطوة إعادة صياغة توجهها في ما يخص سياسة الدعم المطبقة حاليا”.

واعتبر أن ملف الدعم أو السياسة المرتبطة به عشوائية حيث يستفيد منها من هو في حاجة إليه ومن هو ليس في حاجة إليه.

وأوضح أن هذا الأمر يضع الحكومة أمام إشكاليتين، الأولى اقتصادية مالية في ظل ندرة الموارد، والثانية ذات بعد اجتماعي تتعلق بالعدالة في توزيع الموارد المدعومة، مشيرا إلى أن “الوظيفة التوزيعية للقيم المادية والمعنوية من المهام الرئاسية لأي نظام سياسي”.

عبدالمجيد تبون: ننتظر الضوء الأخضر لمناقشة جماعية لسبل مواجهة آثار الأزمة الاقتصادية

ومنذ سنوات، يردد مسؤولون جزائريون أنه يجب إعادة النظر في هذا الدعم لأن جزءا كبيرا منه يذهب إلى غير مستحقيه، بينما تعاني البلاد من أزمة اقتصادية خانقة جراء ما يطلق عليه البعض “الصدمة النفطية”.

وتحظى مبادرة الحكومة بدعم من أحزاب الموالاة خاصة حزب التجمع الوطني الديمقراطي، ثاني أكبر الأحزاب المحسوبة على السلطة الحاكمة بعد حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم، إذ دعا مرارا إلى مراجعة سياسة الدعم الاجتماعي.

كما أعلنت حركة النهضة (حزب إسلامي معارض)، الشهر الماضي، دعمها لدعوة رئيس الوزراء إلى مؤتمر حوار حول سبل مواجهة الأزمة الاقتصادية، مشددة على أنها تساند “كل خطوة من شأنها محاربة الفساد والحفاظ على المال العام”.

وقال عبدالرزاق مقري، الرئيس السابق لحركة مجتمع السلم، أكبر حزب إسلامي بالجزائر، إن هناك “ضجرا رسميا علنيا من التحويلات الاجتماعية، إلى حد جعل السلطة السياسية تنزل من كبريائها لتطلب من الأحزاب فتح حوار بهذا الخصوص”.

ورفض حزب جبهة القوى الاشتراكية المعارض اليساري المبادرة الحكومية، التي ينظر إليها على أنها مماطلة مفضوحة من قبل الحكومة لتغطية فشلها في تسيير شؤون الدولة.

وذكر الحزب في بيان الشهر الماضي أن “إطلاق مبادرات وحوارات صورية مشوهة مع الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين يهدف إلى المحافظة على الوضع السياسي الراهن، وربح الوقت”.

كما اتهم حزب الجبهة القومي، السلطة بالعمل على “توريط وإقحام الفاعلين السياسيين والاجتماعيين في برنامجها التقشفي، الذي يسعى إلى التراجع عن المكتسبات الاجتماعية”.

21 مليار دولار، قيمة الدعم الذي تخصصه الحكومة سنويا للفئات الفقيرة، وفق بيانات رسمية

ويعتقد الخبير الاقتصادي زايدي أن النظام السياسي في الجزائر والذي يمرّ بأزمة، يسعى من خلال الحوار الوطني إلى “وضع حد لسياسة غير معقولة لتسيير الموارد وتوزيعها ومن ثمّ السعي إلى توسيع قاعدته الاجتماعية التي هي أساسية لاستقراره”.

وتعاني الجزائر من تبعية مفرطة لإيرادات النفط ومشتقاته، التي تشكّل أكثر من 95 بالمئة من مداخيل البلاد من النقد الأجنبي، كما أن الموازنة العامة تعتمد على نحو 60 بالمئة من هذه المداخيل النفطية والغازية.

وتراجـع احتيـاطي النقـد الأجنبي للجـزائر بنحو 30 مليار دولار في عام، ليستقر عند حدود 114 مليار دولار نهاية العام الماضي، مقابل 144 مليار دولار بنهاية 2015، وفقا لمحافظ بنك الجزائر المركزي محمد لوكال.

كما رافق الأزمة النفطية انهيار في احتياطات الجزائر من النقد الأجنبي، إذ فقدت في ثلاثة أعوام أكثر من 80 مليار دولار، لتهبط من 193 مليار دولار، نهاية 2013 إلى 112 مليار دولار، نهاية فبراير الماضي.

وأعلنت الجزائر، العضو في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، في أبريل الماضي، عن نموذج جديد للنمو الاقتصادي حتى 2030، يركّز على إصلاح النظام الضريبي لتحقيق المزيد من الإيرادات وتقليص الاعتماد على صادرات الطاقة.

وأطلقت مشروعات اقتصادية في قطاعات السيارات والإسمنت والنسيج والوقود والحديد والصلب وغيرها من القطاعات الاستراتيجية، على أمل كبح فاتورة الواردات ونزيف النقد الأجنبي والتحوّل تدريجيا إلى التصدير خلال السنوات القليلة المقبلة.

10