السلطات الجزائرية تنقل أعباء الأزمة المالية إلى كاهل المواطنين

يقول مراقبون إن السلطات الجزائرية دخلت مغامرة خطيرة بخفض قيمة الدينار هذا الأسبوع، لأنها يمكن أن تفجر الاحتجاجات الكثيرة المنتشرة في البلاد. وأضافوا أن الحكومة تحاول التخلص من أعباء الأزمة المالية من خلال نقلها إلى كاهل الجزائريين.
الجمعة 2015/08/21
خفض قيمة الدينار سيضرب القدرة الشرائية للجزائريين

الجزائر - تقلصت الخيارات المتاحة أمام الحكومة الجزائرية، ولم يبق أمامها سوى الحلول القاسية، التي تهدد السلم الاجتماعي والاستقرار السياسي. وقد وجدت نفسها بين خيار التضحية بالقدرة الشرائية وتوسيع رقعة الفقر وبين استنفاد ما تبقى من احتياطاتها المالية.

وتبدو خياراتها الأخرى محدودة: العودة مجددا للاقتراض من المؤسسات المالية العالمية، أو إنفاق أموال صندوق ضبط الإيرادات، الذي استحدث في مطلع الألفية لحفظ فوائض الإيرادات النفطية.

وكان البنك المركزي قد خفض سعر صرف الدينار من 79.6 دينارا للدولار إلى 105.84 دينارا للدولار أي بنسبة تراجع تقدر بـ24 بالمئة. كما خفض سعره بنسبة مماثلة مقابل اليورو.

وتتطلع الحكومة لتشجيع الإنتاج المحلي وتنمية الصادرات خارج المحروقات واستقطاب الأموال الناشطة خارج المصارف، عبر الخفض التدريجي للعملة المحلية، رغم خطورة اشتعال تضخم الأسعار، بسبب اعتمادها شبه الكلي على الاستيراد.

وترى الحكومة في خفض قيمة الدينار بديلا للمجازفة باحتياطي العملة الأجنبية، الذي تراجع منذ سبتمبر 2014 إلى يونيو الماضي بنحو 50 مليار دولار.

ويتوقع المراقبون أن يستمر انهيار العملة المحلية إلى مستويات دنيا، قد تصل إلى سعرها في السوق الموازية، وهو ما يسمح للحكومة حينها باستقطاب الكتلة النقدية الناشطة خارج البنوك، ويرفع عنها حرج فتح مكاتب الصيرفة، رغم ما ينطوي عليه من مخاطر تهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

ويتوقع الخبير الاقتصادي والوزير السابق بشير مصيطفى، استمرار تراجع الدينار إلى النقطة التي يتم فيها توازن الميزانية من خلال موارد جديدة من خارج الطاقة. لكنه قال إن ذلك لن يحدث إلا بتحفيز الاستثمار وتشجيع الادخار وتحسين مناخ الأعمال وتحرير سوق رأس المال، ليتم امتصاص السيولة الزائدة والاقتراب من السوق النقدي المتوازن.

وأكد لـ”العرب” أن انخفاض سعر صرف الدينار ليس بالجديد، وأن العملة المحلية تشهد تدهورا منذ فترة، ولكن تدخل بنك الجزائر في إدارة سوق الصرف جعل من سعر الدينار سعرا إداريا وفوق قيمته الحقيقية.

24 بالمئة نسبة خفض البنك المركزي لسعر الدينار الجزائري مقابل الدولار

وأضاف أن دعم السياسة المالية لخدمة الجباية النفطية والاحتياطيات النقدية بدأ يأتي بنتائج سلبية، بعد تراجع احتياطي النقد الأجنبي، حيث بدأ الدينار يكشف عن حقيقته، ويعبر عن الوضعية الحقيقية للسوق النقدية، أي أن عرض الدينار أعلى بكثيـر من الطلب عليه.

ويظهر هذا التوجه إفلاس السياسات الاقتصادية للحكومات المتعاقبة للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، الذي كان إنعاش الاقتصاد أحد ركائز برنامجه الانتخابي عند ترشحه للرئاسة لأول مرة عام 1999. كما يدحض التصريحات الحكومية الأخيرة القائلة بعدم خروج انهيار الدينار المحلي عن السيطرة الحكومية، وأن الهدف هو تعويم السوق من أجل الحد من الاستيراد الذي قارب 60 مليار دولار خلال العام الماضي.

وقال مصيطفى “إن العرض غير المحدود بسبب ضخامة السيولة في السوق الموازية خارج البنوك والمقدرة بما يعادل 37 مليار دولار، في مقابل طلب محدود على الدينار نتيجة ضعف استثمار القطاع الخاص وضعف الادخار وانعدام الطلب على التمويل الخاص بالمؤسسات الصغرى، إضافة إلى لجوء المتعاملين الصغار للتخلص من الدينار بحثا عن الدولار واليورو، ضاعف من الطلب على النقد الأجنبي مما زاد من سعرها مقابل العملة المحلية”.

ولم يستبعد “لجوء الحكومة لتدابير أكثر راديكالية، في ظل احتمالات فشل استقطاب أموال السوق الموازية، مشيرا إلى إمكانية إعادة طبع العملة المحلية من أجل إرغام الجميع على التوجه للبنوك لإيداع أموالهم”.

واعتبر مصيطفى لجوء بنك الجزائر بأمر من الحكومة إلى خفض الدينار، جاء ليعوض تراجع العوائد النفطية نتيجة تراجع أسعار النفط، حيث بلغت مداخيل البلاد خلال العام الماضي 68 مليار دولار، بينما تتوقع الحكومة أن تبلغ هذا العام 34 مليار دولار.

بشير مصيطفى: اللجوء لخفض قيمة الدينار يستهدف الوصول لتعطيل نمو وتيرة الاستيراد

وأضاف أن العوائد قد تقل عن تلك التقديرات في وقت يتواصل فيه انخفاض أسعار النفط نحو حاجز 40 دولار للبرميل، وتوقعات قانون الموازنة التكميلي لسعر يبلغ 60 دولارا للبرميل بدل 37 دولارا كسعر مرجعي.

وانتقد الخبير الاقتصادي الذي شغل منصب وزير الإحصاء والاستشراف في إحدى الحكومات السابقة، قبل أن ينحى وتلغى وزارته من طرف الرئيس بوتفليقة، استمرار السلطة في انتهاج سياسة اقتصادية غامضة وموجهة، وتغييب الاقتصاد الذكي والتخطيط والاستشراف عن استراتجياتها، في إشارة للمخطط الذي وضعته وزارته من أجل احتكام كل القطاعات لقاعدة بيانات ومؤشرات وأرقام علمية، في إطار ما أسمته بـ”خطة الجزائر 2030” و”رؤية نمو 2019”، لتحقيق تنمية مستديمة تتراوح بين 7 و10 بالمئة.

وقال لـ”العرب”، إن الحكومة تسد العجز باللجوء لصندوق ضبط الإيرادات، وهو “أمر يهدد البلاد برهن أوراقها الرابحة كاحتياطي الصرف والمديونية الخارجية المنعدمة.

وأضاف أن مداخيل الصندوق معرضة للتآكل السريع، وقد تجد نفسها مضطرة للاستدانة مجددا بشروط قاسية. وقال إن اللجوء إلى خفض الدينار يهدف لتقليص الواردات، من خلال تقليص تنافسية المنتوج الأجنبي في السوق المحلية بسبب ارتفاع أسعاره، ويمنح ذلك فرصا للمنتوج المحلي في السوق المحلية.

10