السلطات السودانية تلعب ورقة الذهب لاسترضاء ولايات الهامش

مغازلة أبناء الهامش تأتي بعد إقرار الحكم الفيدرالي وبدء التجهيز لمؤتمر الحكم الإقليمي.
الأحد 2021/03/21
مازال هناك إهمال بالأطراف

الخرطوم - انتبهت السلطة السودانية إلى ضرورة توظيف الموارد والثروات التي تتمتع بها ولايات الهامش، وخاصة الذهب، وبدأت تتعامل بالمزيد من الجدية مع الأوضاع المعيشية الصعبة التي تشكل أحد أبرز تهديدات المرحلة الانتقالية وتعزز حضورها السياسي هناك.

وشارك رئيس الحكومة عبدالله حمدوك، الجمعة، في الملتقى الأول للولاة المدنيين المعينين في نهاية يوليو الماضي، ودعا خلاله إلى ضرورة الوصول إلى طريقة مثلى للاستفادة من خام الذهب، وأبدى عدم رضاه عن غياب التنظيم في تلك المسألة.

واعتبر أن التفاعل بين المركز والأطراف بات ضرورة تنموية فاعلة تسهم في عملية الاستقرار، ووسيلة لدعم تجربة الحكم المحلي وإشراك المواطنين في الحكم والإدارة.

عبدالواحد إبراهيم: الحكومة تباطأت في النظر إلى حاجيات الولايات المهمشة
عبدالواحد إبراهيم: الحكومة تباطأت في النظر إلى حاجيات الولايات المهمشة

يعد السودان أحد أهم البلدان المنتجة للذهب في أفريقيا، غير أن التنقيب غير المنظم أضر به ومنح قطاعات فردية فرصة الاستحواذ على أغلبية الإنتاج.

ولا يتجاوز الإنتاج الرسمي 25 طنا سنويا عبر شركات معالجة المخلفات والتعدين الصغير وشركات الامتياز الكبيرة، وهذا يساوي ربع إنتاج الذهب الحقيقي في البلاد. ويقدر سعر طن الذهب يحوالي خمسين مليون دولار.

وتواجه الحكومة عدة مصاعب في الاستفادة من عوائد الذهب، ولئن تسلمت وزارة المالية منجم “جبل عامر” الذي كان بحوزة قوات الدعم السريع في أكتوبر الماضي فإنها لا تزال تجابه تحديات ترتبط بقدرتها على فرض هيمنتها على عملية التعدين وتحاول الخروج من حالة الجمود عبْر تدعيم صلاتها بالمواطنين الذين عانوا من التهميش.

وتمضي السلطة الانتقالية في مغازلة أبناء الهامش بعد إقرار الحكم الفيدرالي وبدء التجهيز لمؤتمر الحكم الإقليمي الذي من المتوقع أن يشهد نقاشات واسعة بشأن كيفية توزيع الثروات وتعظيم الاستفادة منها، بما يحقق معادلة صعبة ترتبط بضمان لامركزية الحكم في السلطة مع عدم تجاهل حقوق السلطة الاتحادية.

وقضى اتفاق السلام الموقع بين السلطة الانتقالية والجبهة الثورية، التي تضم في عضويتها حركات مسلحة وتنظيمات سياسية، بتمتع ولايات الهامش بنسبة 40 في المئة من مواردها لمدة عشر سنوات، على أن تؤول نسبة الـ60 في المئة إلى السلطة المركزية.

واعتبر المحلل السياسي عبدالله آدم خاطر أن اتفاق جوبا من المفترض أن يحوّل الولايات إلى مراكز تنموية مختلفة، وأن هناك حاجة ماسة إلى حدوث ذلك في الوقت الحالي بعد أن أضحى الاتفاق مسنودا دستوريّا، وأن تحركات الحكومة تستهدف تعريف المواطنين بالحقوق والواجبات تمهيدًا لحصول الأقاليم الفيدرالية على حقوقها، مقابل تعزيز استفادة المركز من تلك الموارد.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن “المشكلة التي تجابه السلطة تتعلق بالوقت لأنها لن تتمكن في يوم وليلة من بناء جدار الثقة واستعادة الموارد غير المستغلة، فالأمر بحاجة إلى التمهل وإقناع المواطنين بأن هناك بلدا فيدراليا موحدا يستفيد الجميع من ثرواته، وأن الوضع يختلف عما كان عليه في السابق، وبالتالي سوف تتطلب سياقات البناء جهودا مضاعفة من هياكل السلطة الحاكمة”.

وقالت وزيرة ديوان الحكم الاتحادي بثينة دينار إن “الملتقى الأول للولاة أوصى بضرورة مراجعة سياسات الاستفادة من التعدين ومراجعة حصص الولايات من السلع الإستراتيجية، فضلا عن ضرورة عدالة التوزيع للسلع الإستراتيجية (الوقود والغاز والدقيق) وتفعيل القوانين الخاصة بالجوانب الاقتصادية لرفع الكفاءة التنفيذية في الولايات، مع الإسراع في إنزال بنود اتفاق جوبا للسلام على المستوى التنموي لخدمة توطيد العلاقة بين المركز والهامش”.

Thumbnail

ويرى مراقبون أن الحكومة المركزية يتوجب عليها تشجيع أبناء الهامش في العاصمة الاتحادية للعودة مجددا إلى ولاياتهم الأصلية وحثهم على العمل في مشروعات تستهدف استكشاف الثروات وإعطاء أولوية لدعم الإنتاج المحلي، على أن يُصطحب ذلك بإجراءات أمنية صارمة واستغلال توقف الحروب الطويلة للتوجه نحو التنمية والعمران.

وتصطدم خطط السلطة الانتقالية لدعم مشروعات التنمية في الهامش بأزمة عدم اقتناع أصحاب المصلحة في الولايات باتفاق جوبا للسلام، خاصة في الولايات التي لديها اعتراضات عديدة على عدم حصول قياداتها على مناصب في هياكل السلطة الحاكمة.

كما أن التحركات السياسية لا يقابلها حضور أمني للقوات الحكومية في تلك المناطق. وقد استمرت هيمنة بعض شيوخ القبائل وقادة الميليشيات، الذين وظفهم نظام الرئيس السابق عمر البشير في حربه ضد حركات المعارضة في الهامش، على الجزء الأكبر من الثروات التي لم تدخل خزينة الحكومة المركزية أو سلطة الولايات.

عبدالله آدم خاطر: السلطة لن تتمكن في يوم وليلة من بناء جدار الثقة

وقد لا يكون للحضور السياسي في الأطراف أثر على الأرض طالما لم يتم تنفيذ ما جاء في ملف الترتيبات الأمنية ولم تشكل بعد القوات المشتركة، إضافة إلى غياب الدعم اللوجستي الذي تسبب في تأخر الشروع في التنفيذ ويرتبط أساسا بغياب الدعم الأممي لعملية الدمج والتسريح، ما يجعل الحكومة مرغمة على توفير ميزانيات من مواردها لتأكيد جديتها في تنفيذ بنود اتفاق جوبا.

والتقى نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) الجمعة بالقيادات الأهلية في ولاية وادي النيل أثناء زيارته لمنطقة طيبة الخواض. وقال إن “اتفاقية السلام مفتوحة لمن رأى أنه مظلوم”، ما يوحي بإمكانية تعديل بنود مسار الشمال بشكل يقضي بتمثيل قياداته في هياكل السلطة الانتقالية.

وتفسر تحركات السلطة الانتقالية، بمكونيها المدني والعسكري، بحاجتها إلى الدخول على خط الأصوات المتصاعدة التي تنادي بأن يكون لها نصيب من الثروة والتنمية سواء أكان ذلك متمثلاً في الحركات المسلحة أو القبائل والعشائر الموجودة في الهامش أو على مستوى المواطنين العاديين الذين لديهم قناعة بأن تلك الثروات من حقهم بعد أن استمرت لسنوات طويلة تحت سيطرة المركز.

وأشار المحلل السياسي عبدالواحد إبراهيم إلى أن السلطة السودانية تباطأت في النظر إلى الولايات من حيث حقوقها في التنمية والخدمات، وما زال هناك إهمال للأطراف، بالتالي فإنها تحاول أن تضع أسسا للتصرف في الموارد وتوزيعها.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن “المركز بصدد إعادة تنظيم واستكشاف الثروات، وهو بالدرجة الأولى يعتمد على الذهب في دعم موارد الدولة، ما يجعل خطوة تعويم الجنيه أخيرا بحاجة إلى إنشاء بورصة للذهب، وحصار مهربي الدعم، واستفادة البنك المركزي من الأموال عبر الضرائب وعوائد الصادرات”.

وأصبحت الظروف مهيأة الآن لإعادة تنظيم الموارد بعد أن كانت تذهب إلى المجهود الحربي الخاص بمواجهة الميليشيات النافذة في الهامش، والآن ليست هناك شرعية لحمل السلاح ولم تعد الحرب غاية رئيسية سواء للسلطة أو لحركات المعارضة.

1