السلطات المصرية تتدخل لترشيد الخطاب الديني ومنع توظيفه السياسي

الاثنين 2014/03/17
ثورة 30 يونيو أدت إلى إعادة صياغة المشهد السياسي والديني

القاهرة - العرب - بعد أن قررت السلطات المصرية، في الأسابيع الفارطة، توحيد خطبة الجمعة في كافة المساجد المصرية، واصلت وزارة الأوقاف جهودها لقطع الطريق أمام دعاة الفتنة في المساجد والجوامع والزوايا الأهلية. فبعد أن أصبحت بيوت الله أوكارا للمتشددين ولاجتماعات خلايا جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، قررت الوزارة ضم جميع المساجد والجوامع والزوايا وكافة الفضاءات الدينية الإسلامية لها، ليس فقط في إطار القضاء على الإرهاب، بل أساسا لمكافحة ظاهرة تسييس المساجد والدعوة لغير الله فيها.

أكّد العديد من العلماء أن القرار الذي اتخذته وزارة الأوقاف، هو ضرورة حتمتها ظروف الواقع، فقد أضحت المساجد منذ قدوم جماعة الإخوان إلى السلطة (أو أثناء الانتخابات) منابر للدعوة السياسية ونقاش شؤون الحكم والسلطة، بشكل يدفع إلى التفريق بين المواطنين وإثارة الحقد والفتنة بين الناس بما يتناقض وتعاليم الإسلام. فقد صرّح عبدالحميد الأطرش رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر الشريف لـ“العرب”، أن “خطوة وزارة الأوقاف جريئة، فمدرسة من دون معلم لا فائدة منها، ومستشفى من غير طبيب لا فائدة منه، وأيضا مسجد من دون إمام لا فائدة منه”.


قرار صائب


ويعتبر كثيرون أن تدخل الأزهر الشريف في مثل هذه الحالات، من شأنه فعلا أن يحد من الأزمة، وأن يتصدى للجماعات الإسلامية التي تمارس خروقات في قانون المساجد. فالمعروف دائما عن علماء الأزهر وأئمته، أنهم أصحاب خلفية دينية وسطية تعلي دائما مصلحة الوطن.

ويضيف عبدالحميد الأطرش في هذا الإطار، ضمن تصريحه لـ“العرب”، أنّه إذا كانت وزارة الأوقاف “قد اتخذت تلك الخطوة لتضع في كل زاوية أو مسجد أهلي إمامًا أزهريًا، فهذا يُعدُّ نشرًا لوسطية الإسلام، وبالتالي فإنّ هذا قرار يُعدُّ من أحسن القرارت التي اتخذتها الوزارة في تاريخها. قرارٌ سيمكن الأوقاف من وضع يدها على المساجد وحفظها، لأن هناك بعض الخلايا المتشددة، تتخذ من تلك المساجد الأهلية والزوايا أمكنة لاجتماعاتها”.

ويأتي القرار الذي أعلنه الدكتور مختار جمعة وزير الأوقاف، الثلاثاء المنصرم، في إطار سعي الحكومة نحو ترشيد الخطاب الديني وضبطه، بعد أن واجهت انتقادات كثيرة خلال الفترة الأخيرة، بشأن الفوضى التي يُوصف بها مجال الدعوة الإسلامية. فقد اعتبر العديد من المراقبين وحتى السياسيين والدعاة الأزهريين أنّ مجال الدعوة الإسلامية أصبح مستباحا من جانب بعض القوى السياسية الإسلامية، وخاصة الإخوان، وذلك بتوظيف المساجد في إطار الصّراع السياسي في مصر عبر الخطب والفتاوى والتحريض تحت غطاء ديني.

تدخل الأزهر الشريف من شأنه أن يحد من الأزمة وأن يتصدى للجماعات الإسلامية التي تمارس خروقات في قانون المساجد

ومن جهته، وصف أحمد كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر القرار بأنه “قرار صائب لكنّه جاء متأخرا، وكان يفترض أن يكون هناك إشراف كامل من قِبَلِ الأوقاف، لأنّه لايمكن أن يعتلي المنابر سوى من كان مُتخصّصا في الدراسات الشرعية في الأزهر الشريف”.

ويأتي كلام أحمد كريمة في سياق التنبيه إلى خطورة الدعوة السياسية في الفضاءات الدينية، التي تلتهب نارها خاصة في المناسبات الانتخابية. فقد اعتاد مؤيّدو الرئيس المخلوع محمد مرسي، المدان في جرائم إنسانية مُورست في حق الشعب المصري وتهديد سيادة دولة مصر، أن يستخدموا المنابر والمساجد وخطب الجمعة للتنديد بما يسمونه “انقلابا” على الشرعية الّتي ظهر زيفها في ثورة يونيو، وللتعبير عن مواقفهم السياسية، وذلك في اعتداء صارخ على حرمة المساجد وقيمها الدينية والروحية كفضاء للتعبد. وهي المناسبة الثانية الأبرز التي يستعمل فيها الإخوان المساجد لأغراضهم السياسية الخاصّة وأجندتهم الضيقة، بعد أن استخدموها في السابق للترويج بكثافة لمرشحيهم في الانتخابات الّتي تلت ثورة يناير 2011.

وأكد الدكتور كريمة في تصريحه لـ“العرب” على “ضرورة منع الجمعيات الثقافية ومنع ‘الطارئين’ والدخلاء علي الدعوة الإسلامية، لأنّ مجال الدعوة له علماؤه، وهذا أمر من المسلّمات ومن الوظائف الدينية التي لانقاش فيها”.

وبسؤاله عن الحلول التي يراها مناسبة للحد من ظاهرة توظيف المساجد في الدعاية السياسية والتحريض، اقترح أحمد كريمة أن “تقتصر خطب الجمعة والمناسبات علي المساجد الكبرى، كأمر ضروري في الفقه الإسلامي، أما باقي الزوايا الصغيرة والجوامع فتكون للصلاة فقط ، وأن تتم الاستعانة بالأزهرين والعاملين بالمعاهد الأزهرية والمتقاعدين من الذين نالوا قسطا من التعليم الأزهري في هذه الجوامع”.


مقاومة الإرهاب


وبالعودة إلى نشاطات جماعة الإخوان المسلمين منذ بداية خوضها في المجال السياسي، فإن الفضاءات الإجتماعية والدينية التي تتحرّك داخلها غالبا ما تكون حميميّة وقريبة من المواطنين ليسهل على هؤلاء الوصول إليهم، إذ غالبا ما تكون دعوتهم داخل المساجد والجوامع، وتقام حلقاتهم الدعوية داخل بيوت الله ليتسنى لهم الإقناع تحت أغطية دينية مخيفة ترهب الناس وتسوق لهم أفكارا مغلوطة عن الناشطين الإخوان، بإضفاء هالة من القداسة على أفكارهم المتعصبة.

وفي هذا السياق، يؤكد إسلام الكتاتني، القيادي المنشق عن جماعة الإخوان المسلمين، أنه مرحب بقرار وزارة الأوقاف الّذي يقضي بضمّ جميع المساجد والجوامع تحت تصرفها، وقد أكد في تصريحه لـ“العرب” على أن “الزوايا والمساجد الأهلية كانت تمثل مدخلًا رئيسيًا للتطرف والإرهاب، مشيرًا إلى أن القرار لا يعكس أية نوايا من الدولة للسيطرة بشكل شمولي على المساجد”، قائلا:”نحن نريد أن نواجه الإرهاب عبر شرعية الدولة، وبذلك على المؤسسات أن تتمكن من معرفة من يعتلي المنبر، حتى لايكون مطية لكل من هب ودب، وهو لايفقه في الدين شيئًا”.

وأضاف الكتاتني أنّ “البلد في حالة حرب داخلية مع الإرهاب، ذلك الإرهاب الذي تقوده وتوجهه جماعة الإخوان والجماعات التّكفيريّة. وفي سبيل هذه الحرب، فإنّ الدّولة تأخذ كافة الإجراءات لحماية البلد من سيناريو الحروب الأهلية، أو من تحولها إلى سوريا أخرى”.

تسعى الحكومة المصرية إلى ترشيد الخطاب الديني، خاصة أنها تتعرض إلى انتقادات في هذا الشأن في المدة الأخيرة


تباين ردود السياسيين


فيما يُلاقى قرار وزارة الأوقاف القاضي بضمّ الفضاءات الدينية الإسلامية لها بترحيبٍ واسعٍ في الدوائر السياسية في مصر، فإنّ حزب النور السلفي يُعرب عن عدم رضاه عن هذا القرار. فقد أكد شعبان عبدالعليم، عضو الهيئة العليا لحزب النور السلفي، على اعتراضه عن قرار وزارة الأوقاف، مصرحا للـ”العرب” بأنّه “قرار غير واضح”، رابطاً بينه وبين الصراع السياسي الدائر الآن في مصر مع جماعة الإخوان المسلمين، لافتاً إلى أنّ القرار يأتي في إطار ما أسماه بـ“سياسة الإقصاء”.

ويشير الكثير من السياسيين إلى أنه من الضروري جداً، قبل بدء الانتخابات الرئاسية والنيابية في مصر، أن تصدر مثل هذه القرارات، خاصّة وأنّ تجربة الانتخابات السابقة لا تزال في أذهان جميع السياسيين الّذين عانوا من سياسة تعبئة الإخوان لمرشّحيهم من خلال المساجد. معتبرين أن إجراء السلطات قد جاء من أجل الحيلولة دون استخدام وتطويع الدين للدعاية الانتخابية.

ووصف الناشط السياسي محمد أبوحامد من خلال حسابه الشخصي علي “تويتر”، القرار الصادر، بـ“الإيجابي”، قائلا: “قرار وزير الأوقاف القاضي بضم جميع المساجد إلى الوزارة، قرار إيجابي، وهو بداية لتحرير المساجد والخطاب الديني من الجماعات المتطرفة”.

13