"السلطان" أردوغان مصاب برهاب الانقلابات العسكرية

الأحد 2013/08/25
أردوغان انقلب على تراث أتاتورك ليعيد مجد العثمانيين، لكن لم يكسب سوى الوهم

لم يتوقّع رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، أن ينتهي حلم الزعامة الإقليمية فجأة وبهذه الطريقة. وهو الذي كان يأمل أن يكون رئيس الجمهورية العثمانية الأولى وأن يعيد فتح مقام الباب العالي الذي ظلّ سلاطينه لقرون طويلة يقودون البلاد العربية ومعظم العالم الإسلامي تحت لواء دولة الخلافة العثمانية.

تركيا التي طالت بها الطريق، نحو تحقيق حلمها بأن تصبح عضوا في الاتحاد الأوروبي، لم تجد طريقا تسلكها أفضل من العودة إلى الشرق، وتحويل الدّفة إلى "الماضي"، وإلى التاريخ المشترك مع العرب والمسلمين. وجاءتها الفرصة مع رياح "الربيع العربي"، فراهنت على تيار الإسلام السياسي وحاولت تصدير نموذجها إلى الدول العربية. لكن رهانها كان خاسرا.

موقف أردوغان الأخير من مصر، الذي جاء بالتزامن مع تصاعد الغضب الشعبي ضدّ التيار الإسلامي عموما، وأد آمال العثمانيين الجدد في إمكانية استعادة أمجاد أسلافهم وحظوتهم عند العرب والمسلمين-على الأقل على مدى سنوات طويلة قادمة- بل العكس انقلب السحر على الساحر، وسجّل أردوغان هدفا ضدّ نفسه ليمنح الفوز لمعارضيه من الأتاتوركيين العلمانيين، لا فقط خارج تركيا، بل وداخلها أيضا. وما الاحتجاجات التي انطلقت شرارتها من ساحة تقسيم وانشرت في كامل تركيا إلا دليل على الفشل.

نجح أردوغان، خلال السنوات القليلة الماضية، في أن يكون "صانع حدث" ماهر على الساحة السياسية الإقليمية؛ في كل مرّة يبتكر حيلة تبقيه حديث الإعلام والسياسة لمدّة. البداية الحقيقية لشهرة رجب طيب أردوغان، على الصعيد الشعبي العربي، كانت مع حادثة منتدى دافوس الشهيرة سنة 2009. تلك الحادثة أسالت من الحبر الكثير حول "بطولة" السياسي التركي الذي "تحدّى" اسرائيل في شخص رئيسها شمعون بيريز حين وجّه إليه انتقادات حادة حول الانتهاكات الإسرائيلية في فلسطين ثم غادر دون أي اعتبار له.

اُستقبل أردوغان، استقبال الأبطال، لا في بلده تركيا، بل في الوطن العربي الذي كان وقتها يهيم عشقا بـ"لميس ويحي ونور ومهنّد"، أبطال المسلسلات التركية التي بدأت، فتوحاتها في الشاشة العربية.

بعد نجاح التجربة، أصبحت أنقرة واثقة كثيرا من نفسها. ولأول مرة، منذ عهد أتاتورك بدأ الأتراك بعرض علاقتهم التاريخية الوطيدة بالعرب بل ويشدّدون على هذه الروابط المتينة، ويسعون إلى «مد جسر جديد بين العالمين التركي والعربي». من جانبهم بدأ العرب ينظرون إلى الأتراك على أنهم «إخوة» لهم قواسم مشتركة في الدين والعادات والتقاليد والتاريخ والثقافة وجب توطيدها.

أعجب الزعيم الإسلامي التركي بهذا الزخم والجدل الذي أثارته حادثة دافوس، فما كان منه إلا أن استغلها ليفتح بها الطريق أمام تحقيق حلم السيطرة التركية على الإيالات العثمانية السابقة. لتتوالى بعد ذلك سلسلة من المواقف والتصريحات نجح أردوغان، إلى حد ما، في أن يجلب إليه الانتباه وتجعله يتصدّر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام. ليصبح رئيس الوزراء التركي بعد حادثة سفينة الحرية، التي تعرّضت لاعتداء إسرائيلي، "قائدا سياسيا" تتمناه الشعوب العربية.

ثورات "الربيع العربي" جاءت لتكون النقطة الفاصلة في تاريخ رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا. في البداية أوهمته أن الحلم بالجمهورية العثمانية الأولى، سيتحقّق، في عهد الجمهورية التركية الثالثة، وأنه سيكون القائد الأعلى للتنظيم الإسلامي الإخواني بعد أن يتمكّن أنصاره من إحكام قبضتهم على جزء كبير من البلاد العربية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. خاصة وأنه منذ قيام ثورات الربيع العربي لجأت الدول العربية إلى إسطنبول لحل أزماتها الداخلية السياسية باعتبارها المنقذ الجديد في منطقة الشرق الأوسط الأمر الذي سمح لأردوغان أن يرى في دولته وفي نفسه أنه ملهم المنطقة والقادر على تغيير خريطتها وفق إدارة تركيا ورغبتها.

وكان رئيس اتحاد الشباب التركي إلكير يوجيل، اتهم رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان بأنه "عميل" لأميركا ويعمل على تنفيذ مخطط الشرق الأوسط الجديد.

الحلم الأردوغاني بالقيادة العثمانية أضحى كابوسا بعد أن انهار البناء الذي حاول تشييده على أنقاض أنظمة عربية سقطت وأخرى في طريقها إلى السقوط. وانهيار الصرح الإخواني الهشّ أفشل مخطّطات الإسلاميين في تركيا لتصدير نموذجهم إلى البلاد العربية، وبالتالي توسّع نفوذهم خاصة بعد أن لفظتهم أوروبا وحالت دون انضمامهم إلى وحدتها.

تحضن إسطنبول التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها رجب طيب أردوغان، الذي أثارت مساندته المستميتة له الشكوك حول طبيعة المخططات التي يديرها مع التنظيم الإخواني. فمثلا تركيا لم تكن يوما ضد بشار الأسد لكن انقلبت ضدّه بمجرّد أن انتشرت شرارة الانتفاضة الشعبية وخرج الناس منادين بسقوط النظام، ليتحول بشار الأسد من صديقي حميم إلى عدو لدود يجب أن يسقط ويحلّ محلّه بديل إسلامي يحافظ على مكتسباتها.

خلال احتجاجات إسطنبول قتل خمسة أشخاص وفقد 11 بصرهم وجرح أكثر من 8.000 ممن عارضوا سياسيات أردوغان، إلا أن ذلك لم يؤثّر في رئيس الوزراء التركي بقدر ما أثّرت فيه أحداث فض اعتصامي النهضة ورابعة العدوية، ليخرج على جمهوره بـ"تقليعة" جديدة وهي "تقليعة رابعة"، التي تحوّلت إلى رمز يتبنّاه الإخوان وأنصارهم. وهذه التقليعة الأردوغانية الجديدة عبارة على يد ترفع علامة النصر بأربعة أصابع في إشارة إلى ميدان رابعة العدوية. وأعقبها أردوغان بخطاب حماسي تحريضي، لئن بدا في ظاهره قويا فإنه يعكس في باطنه قلقا وانكسارا بسبب خذلان إخوانه له. وجاء في تصريحه: "لقد تم استهداف الإنسانية في مصر وأنه يوم 15 أغسطس تلقت الديمقراطية والشعب مجزرة من قبل ضباط وجنود الشرطة باستخدام المدفعية الثقيلة في مواجهة المعتصمين السلميين"، وأضاف "لقد شاهدنا على شاشات التلفزيون أولئك الذين قاموا بالانقلاب العسكري كيف قاموا بذبح الشعب علنا أمام العالم، ونحن لا يمكن أن نقف صامتين في وجه الظلم".

هذا الظلم الذي يتحدّث عنه أردوغان، أصاب تركيا لا مصر، تركيا التي تواجه خسائر على كل الأصعدة بسبب مواقف رئيس وزرائها. ففي تقرير حديث أكّد خبراء اقتصاد أن تركيا هي الخاسر الأكبر في قرار تجميد اتفاقياتها مع مصر. وعلى المستوى السياسي فقدت تركيا حظوتها عند كثير من العرب. واللعنة الأردوغانية طالت حتى الدراما التركية، التي كانت ورقة الحظ التي خدمته كثيرا مثلما خدمت السياحة في بلاده. فقد قرّرت القنوات المصرية مقاطعة الدراما التركية.

بالرجوع إلى تاريخ تركيا وتاريخ أردوغان، يتوضّح أن هذا الأخير لديه حساسية ضد الانقلابات العسكرية، التي كانت السمة المميزة للمشهد السياسي التركي منذ انقلب كمال أتاتورك على السلطان عبد الحميد الثاني آخر خليفة عثماني.

وتجنّبا لمصير سابقيه جاهد رجب طيب أردوغان من أجل إجراء تعديلات على الدستور التركي خاصة أن العلاقة بينه وبين الجيش متوترة بعد أن نجح خلال الفترة الماضية في الحد من دور المؤسسة العسكرية التركية التي تعتبر اليد الحاكمة الفعلية في جمهورية تركيا منذ قيامها عام 1923. والدستور الحالي تم وضعه في أعقاب انقلاب عسكري العام 1980. كما شنّ حملة واسعة من الاعتقالات في صفوف الجيش وكبار الضباط النافذين.

والجيش في تركيا مدافع شرس عن نظام الدولة العلمانية ومنافس سياسي مستبد قوي أسقط على مدى الخمسين عاما الماضية العديد من الحكومات.

ويخشى أردوغان أن يلاقي مصير زعماء أتراك إسلاميين سبقوه، على غرار نجم الدين أربكان، الذي انقلب ضدّه الجيش وأدخله السجن. ويتشاطر أردوغان مع أربكان وغيره من الإسلاميين في تركيا كثيرا من "المبادئ"، حيث يعادي كلاهما النظام العلماني ويدعمان الانفتاح التركي العربي. لكن عكس أربكان كان أردوغان يؤمن بسياسة الكيل بمكيالين، فهو صديق وفيّ لأميركا وإسرائيل متى اقتضت الحاجة، وعدو لدود في أحيان أخرى؛ إسلامي متشدّد حينا ومنفتح أحيانا أخرى. صعد نجم أردوغان في تركيا مع تولي حزب العدالة والتنمية السلطة عام 2002 بعدما حقق فوزا ساحقا حيث قام الحزب بإجراء إصلاحات ديمقراطية ونجح في تقييد سلطة الجيش مما ضمن عدم قيام القوات المسلحة بتدخل كبير في الحياة السياسية.

لكن اللعبة الخطيرة التي حاولت تركيا الدخول فيها، كشفت الوجه الحقيقي الاستعماري للعثمانيين الجدد، وبدأ الصرح الأردوغاني يهوي وفقد رئيس الوزراء التركي حظوته عند نسبة كبيرة من الجماهير العربية التي انخدعت به ذات يوم.

9