السلطان التركي يستحضر طقوس الخوف والطاعة

السبت 2016/05/21

يقترب وزير النقل التركي بن علي يلديريم من تولي منصب رئاسة الوزراء خلفا لأحمد داود أوغلو الذي كان قد أعلن استقالته من رئاسة حزب العدالة والتنمية، ومن ثم من رئاسة الوزراء في وقت سابق من الشهر الحالي. وتشير استقالة شخصية بارزة، مثل داود أوغلو، إلى الدرجة الكبيرة التي بلغها حجم تركز السلطات بين يدي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لكنها تظهر أيضا تزايد أعداء السلطان، وذلك بعد أن تحول من شخصية براغماتية تستمد قوتها من الإجماع الذي يحيط بها، إلى شخصية مهيمنة تستمد القوة من مواصلة الاستحواذ على المزيد من السلطات.

طالما كان أردوغان الرجل الأقوى في النظام السياسي التركي خلال العقد الماضي، ولكنه كان متعايشا مع قدر واسع من التنوع السياسي والطائفي والعرقي في تركيا. كان يسعى إلى ممارسة السلطة بأغلبية ضئيلة دون الاكتراث بالنقد والهجاء اللذين أحاطا به دوما، لكنه اليوم يسعى إلى خلق نسخة جديدة من القيادة يكون فيها زعيما مطلقا، يضيق ذرعا بكل تنوع أو اختلاف مهما تدنت درجته.

لا تقتصر رغبـة الرئيس التركي اليوم على مجرد ممارسة السلطة، بل على ممارستها في ظل كتم الأصوات المعارضة. وتبدو مغادرة أحمد داود أوغلو أفضل مثال على ذلك، إذ يمكن أن تؤثر مغادرة رجل بحجم داود أوغلو سلبا على صورة الحزب أمام الناخبين فضلا عن تماسكه، ولكن أردوغان لا يكترث، اليوم، بصورة الحزب بقدر اكتراثه بصورته الشخصية باعتباره الزعيم القوي الذي يطيعه أعضاء الحزب والقادر على نفي من يخرج عن طاعته أو حتى من يخالفه.

يبدو الرئيس التركي كما لو أنه أصبح شغوفا بإحياء طقوس الطاعة للسلطان، وراغبا في أن يظهر الجميع له ما يفوق الاحترام، أن يظهروا الخوف والطاعة العمياء. ولا يقتصر ذلك على أعضاء حزبه، بل يمتد ليشمل المعارضة وعموم الشعب التركي. ويتضح ذلك من سلسلة المحاكمات التي يلاحق بها الصحافيين المعارضين أو الناقدين له في تركيا، بل إن الحكومة التركية تركت كل مشاغلها وحربها مع حزب العمال الكردستاني، واستدعت السفير الألماني في أنقرة للتنديد بأغنية تسخر من الرئيس التركي، فيما يشير تقرير للجنة الدولية لحماية الصحافيين إلى “مطاردات الصحافيين واضطهادهم ومحاولة الحكومة تنفيذ سياسة تخلق جوا من الرقابة الذاتية داخل المجال الإعلامي”. وينتهي التقرير إلى أن حكومة رجب طيب أردوغان تشن واحدة من “أكبر الحروب على حرية الصحافة في التاريخ الحديث”.

بالفعل هي حرب ضد الإعلام والصحـافيـين في محـاولة لـوقف عمليـة كشف المستـور، سـواء المتعلق بقضايا الفساد أو بمحاولات أردوغان إعادة تشكيل الدولة التركية بما يناسب استمرار حكمه. وفي سبيل ذلك يعمد السلطان التركي في أثناء خطاباته إلى استخدام اتهامات ديماغوجية عجيبة، تبدأ باتهام الصحافيين وأساتذة الجامعـات المخالفين له بإهانة الـدولة التركية والشعب، مرورا بالتجسس وخدمة مصـالح العدو الأجنبي، وانتهاء بالتعاون مع الإرهاب، وهو هنا لا يقصد الدولة الإسلامية وإنما حزب العمال الكردستاني.

في الوقت الحالي، لا يستطيع أردوغان أن يتخلى، بصورة نهائية، عن الديمقراطية ويضرب بها عرض الحائط، وهو الأمر الذي بدا واضحا في خضوعه لنتائج الانتخابات البرلمانية الأولى، قبل نحو عام من اليوم، التي لم يتمكن فيها حزبه من تحقيق الأغلبية المطلوبة لتشكيل حكومة بلون واحد. حاول، بعد ذلك تشكيل ائتلاف سياسي، لكنه آثر لاحقا إعادة الانتخابات، وذلك بعد أن افتعل حربا طاحنة ضد حزب العمال الكردستاني، ليربحها. تشير تلك التجربة إلى استمرار سريان اللعبة الديمقراطية في تركيا، غير أن الرئيس التركي يحاول تحويلها إلى دكتاتورية الأغلبية. فبذريعة حيازته على أغلبية الأصوات، وهي أغلبية نسبية لم تصل إلى 50 في المئة في أي انتخابات، يشن حربا عسكرية على الأكراد، وحربا سياسية على المعارضين.

وفي أحدث خطوات سياسة الترهيب والطاعة حصل حزب العدالة والتنمية على تأييد مبدئي في البرلمان لتعديل دستوري قد يسمح بمحاكمة النواب الموالين للأكراد وغيرهم ممن يتوقع أن يقفوا في وجه إعادة تشكيل الدولة التركية. كما يسعى أردوغان إلى استكمال مخططه وذلـك بتعـديل دستوري يكرس دكتاتورية الأغلبية بصورة دستوريـة، وذلك بتحويل البلاد إلى نظام حكم رئاسي بدلا من النظام البرلماني القائم حاليا.

في النظام البرلماني الحالي يحتاج حزب العدالة والتنمية إلى أغلبية كبيرة من الأصوات حتى يشكل الحكومة منفردا. أما في النظام الرئاسي فكل ما يحتاجه هو أغلبية ضئيلة، حتى لو بفارق صوت واحد عن أقرب منافسيه، وهو ما نجح فيه الحزب طوال فترة حكمه منذ نحو 14 عاما. في ظل تزايد حدة الاستقطاب على أساس مذهبي وعرقي في تركيا، فإن مساعي الرئيس التركي لتأبيد سلطته وتحويلها إلى حكم مطلق هي أفضل وصفة للكارثة.

كاتب فلسطيني سوري

8