السلطان جنى على نفسه

السلطان جنى على نفسه وعوض “التطاوس” على الإعلاميين وإلقاء اللوم عليهم كان عليه رفع القبعة لأبناء وطنه، واقتطاع تذكرة إلى روسيا لتشجعيهم بدل الوقوف على الأطلال والبحث عن دور لم يعد يناسبه.
الأحد 2018/06/10
الصورة إلى حد الآن واضحة، لكن فصول القصة لم تكتمل بعد

المنتخب السويدي ضمن المشاركين في المونديال وزلاتان إبراهيموفيتش ذلك النجم الأسطوري والتاريخي في السويد خارج دائرة الاهتمامات، سيتابع الحدث من شاشات التلفزيون، رغم أنه كان يطمح ويحلم بأن يكون ضمن حلقة النجوم العالمية في العرس المونديالي.

لو تسأل أي متابع للكرة العالمية عن أسماء لاعبي المنتخب السويدي ربما ستكون إجابة أكثر من تسعين بالمئة من المستجوبين هي إبراهيموفيتش، لا أحد معروفا غيره ضمن منتخب هذا البلد الأسكندنافي الذي تأهل للمونديال على حساب إيطاليا، لكن رغم ذلك فالسلطان زلاتان خارج الحسابات.

زلاتان ما زال ينشط ويركض ويقدّم مستويات محترمة رغم أنه غادر نادي مانشستر يونايتد العريق واتجه صوب فريق غالاكسي الأميركي، زلاتان ما زال في جرابه الكثير وبمقدوره تقديم عروض مبهرة ومساعدة منتخب بلاده من خلال توظيف خبراته الكبيرة مع عدد من أعتى الأندية في العالم مثل أياكس وإنتر ميلان والميلان واليوفي وبرشلونة وباريس سان جيرمان ومانشستر يونايتد.

صحيح أنه بلغ من العمر عتيا وشارف على سن السابعة والثلاثين، لكنه رغم ذلك لا يزال قادرا على مواصلة ألقه وسطوته بفضل قوة شخصيته التي صنعت منه نجما خالدا في سماء الكرة الأوروبية والعالمية.

إبراهيموفيتش هو اللاعب التاريخي للمنتخب الأزرق والأصفر، كيف لا وهو حامل الرقم القياسي في عدد الأهداف الدولية في السويد برصيد 62 هدفا في 116 مباراة، لكنه سيغيب عن الحفل الروسي.

كل هذه الدوافع تفرض منطقيا على أي مدرب دعوة لاعب بمثل تأثير “السلطان” للمشاركة في هكذا حدث، لكن مدرب المنتخب السويدي، يان أندرسون، تجاهله ولم يفكر البتة في إحياء مسيرة زلاتان الدولية واختتامها بمشاركة مونديالية جديدة.

حتى إبراهيموفتيش نفسه استغرب واستنكر هذا الإبعاد وقال بالحرف الواحد “أعتقد أنه أكبر عرس كروي في العالم (المونديال)، أفضل اللاعبين موجودون هناك، لكن زلاتان ليس هناك على الرغم من أنه كان يجب أن يكون”.

أليس في الأمر غرابة؟ ألا يدعو هذا التجاهل في وقت الحاجة إلى لاعب قائد بمقدوره لعب دور الملهم، إلى إلقاء عدة أسئلة على المدير الفني لمنتخب السويد بخصوص إصراره على عدم الالتفات بالمرة إلى صانع أفراح هذا المنتخب في العشرية الماضية؟

ربما يبدو القرار في الوهلة الأولى بمثابة “الظلم” المتعمد تجاه السلطان، لكن بعض الحقائق قد تكشف العكس وتوضح أن في الأمر لبسا وجبت إزاحته، حتى يأخذ كل ذي حق حقه.

ولمعرفة خفايا هذا الإبعاد وحتى تكتمل الصورة ربما تتوجب العودة بعض الخطوات إلى الوراء وتحديدا إلى شهر يونيو من سنة 2016، ففي تلك الفترة شارك زلاتان مع منتخب بلاده في نهائيات أمم أوروبا بفرنسا، لقد قرّر آنذاك أن يعتزل اللعب دوليا نهائيا ويركز على إنجاح بقية مسيرته كلاعب ضمن الأندية الأوروبية.

زلاتان أصرّ على الرحيل وأكد أنه لا مجال للعودة إلى الوراء، تحدث عن ضرورة منح الفرصة للاعبين الشبان الجدد، أشاد أيضا كثيرا بأرقامه الدولية ومساهمته الفعالة في أغلب مشاركاته مع منتخب بلاده، ذكر أيضا أنه لم يعد بمقدوره التوفيق بين تحقيق طموحاته الشخصية مع الأندية واللعب لفائدة منتخب السويد.

الصورة إلى حد الآن واضحة، لكن فصول القصة لم تكتمل بعد، فرغم هذا القرار الشخصي باعتزال اللعب دوليا إلاّ أن القائمين على شؤون منتخب السويد لم يغلقوا أمامه الباب نهائيا، بل حاول البعض منهم إقناعه بالعدول عن قراره ومساعدة منتخب “الأزرق والأصفر” في تصفيات المونديال.

بيد أن السلطان لم يتراجع بالمرة، لقد بحث عن مجده الشخصي وأراد أن يقوم “بجولة” قياسية مع الأندية الأوروبية العريقة، فبعد أن لعب مع الثلاثي القوي في إيطاليا أي اليوفي والإنتر والميلان وقبلهما مع أياكس ثم مع برشلونة، ركز كل جهوده على أن يتعاقد مع فريق آخر يكون من صفوة أوروبا إثر تجربته الفرنسية مع باريس سان جيرمان.

تحقق له ما أراد وظفر بصفقة “آخر العمر” عندما انتقل إلى صفوف “الشياطين الحمر” أي مانشستر يونايتد، كل هذا الأمر حدث في الوقت الذي أغلق خلاله نهائيا الباب أمام عودة محتملة للعب دوليا.

ربما كان الدافع الآخر الذي جعله ينسى أمر منتخب بلاده، أنه كان يشعر أن منتخب السويد الذي تغيرت ملامحه وتركيبته وبات يعوّل على لاعبين شبان تعوزهم الخبرة، لن يكون بمقدوره ضمان التأهل إلى المونديال بعد أن أوقعته القرعة في مجموعة قوية للغاية ضمت منتخبي فرنسا وهولندا.

لكن حسابات إبراهيموفيتش الذي لم يخطأ في السابق إلاّ نادرا في كل تنقلاته بين الأندية لم تكن دقيقة، فالمنتخب السويدي الشاب حقّق الإنجاز الصعب ليضمن اللعب في الملحق الأوروبي قبل أن يتأهل إلى النهائيات بعد أن أجبر المنتخب الإيطالي على التخلف عن كأس العالم بعد حضور دائم لأكثر من نصف قرن.

تحقّق هذا الإنجاز دون مشاركة زلاتان الذي بدا مندهشا بما حقّقه منتخب بلاده “قليل الخبرة”، واليوم جاء ليطالب بحقه في أن يكون ضمن صفوة اللاعبين الموجودين هناك، مدعيا أن وسائل الإعلام السويدية جنت عليه وتسببت في إبعاده من المشاركة.

الصورة اكتملت الآن، فالسلطان جنى على نفسه وعوض “التطاوس” على الإعلاميين وإلقاء اللوم عليهم كان عليه رفع القبعة لأبناء وطنه، واقتطاع تذكرة إلى روسيا لتشجعيهم بدل الوقوف على الأطلال والبحث عن دور لم يعد يناسبه.

23