السلطة الافتراضية وتدمير المركزية

الخميس 2015/04/02

تفترض المكتشفات تعاطيا جديدا معها، لأنّها تخلق ظرفها ووسائل مسايرتها أو استثمارها، وينعكس الأمر على مختلف الجوانب، بحيث يجد المثقف نفسه وجها لوجه أمام تحدّيات جديدة كلّ مرّة. في المراحل السابقة كان المثقف بحاجة إلى حامل أيديولوجي أو حزبي أو مؤسساتي، للعناية به وتصديره والتسويق له وتقديم نتاجه إلى الآخرين، وكان كلّ طرف يحرص على تقديم وجوه مناسبة تمثله، أو تعرف عبره، لأن الإحالة ستكون إليه، وسيساهم بقليل أو كثير في الدفاع عن الجهة التي قدمته وكوّنت له اسما، وشكلت له شخصية اعتبارية تستمدّ اعتباريتها من الجهة السياسية أو الحزبية أو الثقافية التي تدعمه.

لا يزال هذا الأمر مستمرا وفعالا في معظم الدول والأحزاب والمؤسسات، سواء بهذه النسبة أو تلك، إلا أن هناك ما استجدّ وكسر تلك المركزية في عالم اليوم، وهو أن الأيديولوجيا لم تعد كافية لتصدير كاتب ما أو نتاجه إلى القراء والمتابعين والمهتمين، بل تراجعت الأيديولوجيا في ظل تصدر التكنولوجيا الاهتمام والتأثير، حتى لكأنها أصبحت بذاتها مؤسّسة توحّد بين الوسيلة والغاية في الابتكارات ووسائل التسويق والتصدير.

أفسحت التكنولوجيا المجال لأي كان للتعبير عن نفسه، ونقل أفكاره وآرائه وتصوراته إلى الآخرين، منحته الجسر الذي مكنه من الوصول إلى الآخر بعيدا عن سلطة المؤسسة الحزبية أو السياسية، وهذا بدوره ساهم بالتعريف به كمبدع يبحث عن ذاته، يعبر عن هواجسه وهمومه وأفكاره، يوصلها إلى الجميع من دون أي احتكار، ومن دون أن يضطر لتقديم تنازلاتأو محسوبيات أو ولاءات.

ومع إفساح التكنولوجيا هذا المجال للجميع، فقد كسرت المركزية بالنسبة لمنظومات برمتها، وتكاد تتحول بنفسها إلى منظومة عالمية متداخلة، ويكتسب هذا المجال واقعيته من تأثيره والفضاءات غير المحدودة التي يمنحها للمستخدمين، والمساهمة في خلق نجوم في العالم الافتراضي يحققون مكاسب واقعيّة.

كما أن المؤسسات والحوامل السابقة، التقليدية أو الكلاسيكية، إذا جاز توصيفها، وفرت مساحات كبيرة للتحرك والتأثير، وخلقت أرضية فكرية وثقافية وقدمت وجوهها التي تمثلها في جوانب معينة، وتخدمها في بعض الحالات، تتقدم وسائل الاتصال والتواصل بدورها مانحة هذه الهوامش، وأكثر من ذلك، خالقة فضاءات غير محدودة، لا سلطان عليها، وهذا في حدّ ذاته، وإن كان يعتبر نقطة قوة من حيث توفير نسبة الحرية في التعبير والممارسة، إلا أنه لا يخلو من مخاطر جسيمة، كأن تغدو وسيلة لتدمير شرائح أو مجتمعات، أو تساهم ببث الفتن وخلق العداوات، أو كما يجري في حالة الإرهابيين وداعميهم من نشر لأفكارهم المسمومة وتجنيد للبعض من مختلف الأمكنة.

كاتب من سوريا

15