السلطة الجزائرية تتأثر بتوتر العلاقة بين بوتفليقة وأويحيى

تساؤلات تدور حول علاقة الرجلين والخلفيات التي تحملها تدخلات رئيس البلاد في ملفات حساسة بما يناقض خيارات حكومته.
الأحد 2018/05/13
الانسجام غائب

الجزائر - بات عدم الانسجام بين مؤسستي الرئاسة والحكومة في الجزائر ظاهرا للعيان، في ظل تكرر مواقف تدخل الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة عكس توجهات حكومة أحمد أويحيى. ويطرح ذلك عدة تساؤلات حول علاقة المؤسستين والرجلين، وأيضا الخلفيات التي تحملها تدخلات رئيس البلاد في ملفات حساسة بما يناقض خيارات حكومته.

 وبررت جهات مقربة من السلطة في الجزائر قرار مؤسسة الرئاسة بإرجاء انعقاد اجتماع الوزراء، الذي كان مقررا الأربعاء الماضي، إلى موعد آخر خلال الأسبوعين القادمين بدعوى رفض الرئيس بوتفليقة للبعض من محاور قانون المالية التكميلي المسرب عن الحكومة، لا سيما في ما يتعلق بالضرائب وفتح العقار الزراعي المملوك للدولة أمام المستثمرين الأجانب.

وذكرت مصادر سياسية موالية للسلطة بأن “إرجاء انعقاد اجتماع الوزراء، قد تم بإيعاز من الرئيس بوتفليقة، بعدما أبدى عدم رضاه عن البعض من النقاط الواردة في مشروع قانون المالية التكميلي للعام 2018”. وكان أويحيى ينوي عرض مشروع القانون على اجتماع وزاري قبل إحالته إلى البرلمان، بحسب المصادر التي تقول أيضا إن “رئيس الجمهورية يريد قراءة ثانية للمشروع، قبل عرضه على المؤسسات المعنية”.

وكان مشروع قانون المالية التكميلي قد أثار مخاوف لدى الشارع الجزائري والطبقة السياسية، بسبب تضمنه للمزيد من الإجراءات التقشفية التي تثقل كاهل الطبقة الاجتماعية الهشة، ومن بينها فرض ضرائب جديدة على البعض من المعاملات الإدارية، فضلا عن فتح الأراضي الزراعية المملوكة للدولة أمام الاستثمارات الأجنبية.

وعلل المشروع توجه الحكومة للرأسمال الأجنبي برغبتها في النهوض بالقطاع الزراعي وتحقيق الأمن الغذائي والتقليص من فاتورة الواردات، لكن الخطوة غير المسبوقة، منذ قرار تأميم الأملاك الشاغرة غداة استقلال البلاد في 1962، أثارت مخاوف الشارع الجزائري مما سمي بـ”تقنين عودة الاستغلال الأجنبي للثروات الوطنية واستحضار زمن تشغيل الجزائريين كأجراء في أرضهم أثناء حقبة الاستعمار الفرنسي (1962-1830)”.

وكرس تدخل الرئيس بوتفليقة مجددا لوقف واحد من خيارات حكومة أحمد أويحيى تقليدا جديدا في علاقة مؤسستي الرئاسة والحكومة، ينطوي على غياب الانسجام والتواصل بينهما أو على تصفية حسابات سياسية باعتبار أن كل القرارات المجمدة “غير شعبية” وعلى صلة وثيقة بالاستحقاق الرئاسي المنتظر في ربيع العام القادم.

وبالتزامن مع الغموض بشأن مرشح السلطة في الانتخابات الرئاسية القادمة، رغم الحملة الدعائية المبكرة التي أطلقها في الأسابيع الأخيرة حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم لاستمرار بوتفليقة في السلطة، دخلت الجبهة الاجتماعية كورقة رابحة في ضمان الدعم الشعبي للرئيس القادم، ولذلك تحولت إلى لغم تتقاذفه الجهات الضاغطة بين راغب في التفجير وبين حريص على تفكيكها.

إرجاء انعقاد اجتماع الوزراء تم بإيعاز من بوتفليقة لعدم رضاه عن نقاط واردة في مشروع قانون المالية التكميلي للعام الحالي والذي أعدته الحكومة

وبرزت تجاذبات المرحلة على أداء رئيس الوزراء أحمد أويحيى، فمنذ تنصيبه في شهر أوت الماضي خلفا لعبدالمجيد تبون ظهر في موقف ضعيف يتجلى من خلال غياب الكاريزما القيادية للطاقم الحكومي والافتقاد للانسجام وحتى التناقض في نشاط وتصريحات الوزراء.

كما يرى البعض أن هناك “تقييدا وتهميشا ممارسين على أويحيى في قصر الحكومة”، حيث بات البعض من الوزراء أكثر منه ظهورا منه ومن بينهم وزير الداخلية نورالدين بدوي. ويتعرض أويحيى باستمرار للانتقاد من واحدة من الشخصيات المحسوبة على السلطة والمقربة من بوتفليقة وهو وزير الطاقة الأسبق شكيب خليل.

وكان التعديل الحكومي الأخير قد أسقط البعض من الوزراء وأبقى أويحيى في منصبه، لكن استمرار انفلات أغلب الملفات من بين يديه لصالح وزراء آخرين إلى جانب تدخل بوتفليقة لوقف البعض من خياراته يبقيان المخاوف لدى هؤلاء من استهداف غير معلن للرجل بإظهاره للرأي العام في ثوب المعادي للطبقات الاجتماعية. وساهم هذا الأمر في حرق أوراقه الشعبية مبكرا في حال تقدم لخوض الاستحقاق الرئاسي.

ولم يشفع لأويحيى ترحيبه بدعوة جبهة التحرير الوطني، الغريم السياسي للتجمع الوطني الديمقراطي الذي يترأسه أويحيى، الرئيس بوتفليقة للترشح للانتخابات القادمة الخروج من دائرة الحصار غير المعلن والمراجعة الاضطرارية لقراراته، رغم أن الحكومة التي يقودها هي حكومة رئيس الجمهورية وتنفذ برنامجه السياسي طبقا للنظام الرئاسي الذي كرسه بوتفليقة في التعديلات التي أدرجها في دستور البلاد.

وسبق لبوتفليقة أن تدخل لمراجعة قرار مماثل اتخذه رئيس وزرائه وتعلق بمضمون الاتفاق الموقع في ديسمبر الماضي بين الحكومة ومنظمة أرباب العمل والمنظمة العمالية، يقضي بخصخصة مؤسسات الدولة في إطار ”الشراكة العمومية الخاصة”، وشدد حينها بوتفليقة على حصرية حسم الرئاسة في أي مشروع يتعلق بتدخل الاستثمار الخاص في أي مؤسسة حكومية.

وكان غياب أويحيى عن الخروج الميداني الأخير للرئيس بوتفليقة إلى العاصمة، قد أثار جدلا واختلفت القراءات بين من يقول إن هناك توترا بين الرجلين وبين من يقول إن أويحيى لم يعد مرغوبا فيه.

لكن هناك من يعتبر المسألة مجرد تبادل أدوار بين بوتفليقة وأويحيى، في ظل بحث رئيس البلاد عن دعم شعبي تحسبا للمرور إلى ولاية خامسة، وهي الخدمة التي لا يمكن أن يقدمها إلا أويحيى الفخور بكنية “رجل المهام القذرة” التي ينعت بها وبكونه “خادم” الدولة، ولا يمكن أن يكون إلا فيها.

2