السلطة الجزائرية تتهيأ للتخلص من ذراعها المالية

نفوذ رجال الأعمال في الجزائر يتلاشى تحت ضغط التغييرات المبهمة.
الأحد 2018/10/07
امتدادات أزمة البرلمان

انعكست الأزمات السياسية في الجزائر، التي بدأت بإجراء تعديلات على مستوى المؤسسة العسكرية لتنتقل إلى أروقة البرلمان عقب الجدل الذي رافق دعوة كتل برلمانية لرئيس البرلمان السعيد بوحجة إلى الاستقالة، على المؤسسات المالية النافذة والمقربة من الرئيس بوتفليقة بعد أن غاب أعضاء الحكومة عن حضور فعاليات منتدى رؤساء المؤسسات.

الجزائر - تحول مشروع التغييرات العميقة في مؤسسات الدولة، الذي بدأ بحركة عميقة في المؤسسة العسكرية، إلى أزمات داخلية تنتقل عدواها بين المؤسسات المدنية في الجزائر، فبعد الشلل الذي أصاب البرلمان على خلفية الصراع بين رئيس الغرفة الأولى والمعارضين له، دخل منتدى رؤساء المؤسسات المقرّب من الرئاسة في مرحلة شك غير مسبوقة.

واختصرت قيادة تنظيم منتدى رؤساء المؤسسات جامعتها الصيفية المزمع تنظيمها على مدار ثلاثة أيام، في مركز المؤتمرات الدولي بالعاصمة، في يوم واحد وفي مدينة وادي سوف الحدودية، وسط غيابات لافتة لأعضاء الحكومة والفاعلين في المشهدين السياسي والاقتصادي، وهو ما يوحي بدخول أكبر جمعيات رجال الأعمال النافذة في أزمة مبهمة.

علي حداد: منتدى رؤساء المؤسسات يساند ويدعم عهدة رئاسية خامسة للرئيس بوتفليقة
علي حداد: منتدى رؤساء المؤسسات يساند ويدعم عهدة رئاسية خامسة للرئيس بوتفليقة

ويمثل انصراف كبار مسؤولي الدولة عن المنتدى ومقاطعتهم غير المعلنة له، خطوة مبكرة تحسبا لأي سحب للبساط من تحت رجل المال والأعمال النافذ علي حداد، الذي تفاقم نفوذه داخل السلطة منذ الانتخابات الرئاسية التي جرت العام 2014، وتحول إلى قطب فاعل في محيط مؤسسة الرئاسة، وظهر تأثيره في عدة استحقاقات مهمة، بما فيها الانتخابات والحكومات المتعاقبة والإدارة المركزية والقرار الاقتصادي.

ولامس التنظيم المذكور سقفا عاليا في صناعة القرار السياسي والاقتصادي للبلاد خلال السنوات الماضية، الأمر الذي رشحه لأن يكون رقما جديدا في المعادلة السياسية للبلاد، وحتى إمكانية الختم في الانتخابات الرئاسية المقبلة، قبل أن تستعيد المؤسسة العسكرية دورها ونفوذها وتعود إلى الواجهة وتؤسس لمشروع تغييرات مهمة في مؤسسات الدولة، ويبدأ نجمه في الأفول تدريجيا.

ولم تستبعد رئيسة حزب العمال اليساري لويزة حنون، المعروفة بمواقفها المناوئة لسطوة رجال المال على القرار السياسي ومن ورائه تنظيم منتدى رؤساء المؤسسات، في تصريح أدلت به للصحافيين، أن يكون تراجع دوره منذ أشهر، إلى “وقوعه في خانة الحلقات المستهدفة بحملة التغييرات، وإعادة توزيع أوراق النفوذ بين مراكز السلطة”.

واعتبرت التطورات المسجلة امتدادا لأزمة البرلمان وللتهاوي المرتقب لأذرع السلطة تحت ضغط الرغبة الجامحة لهرم السلطة في ضرورة التغييرات العميقة، تحسبا لخوض الاستحقاق الرئاسي المنتظر بعد سبعة أشهر، بدماء جديدة تعيد لها شعبيتها المتهاوية جراء الانسداد السياسي واستشراء الفساد ومخاطر الانفجار الاجتماعي.

وقال مصدر مطلع لـ”العرب”، إن “تغيير زمان ومكان الفعالية التي كان المنتدى يعتزم تنظيمها، جاء بعد علم المنظمين بغياب لافت للوزراء والمسؤولين الكبار”، وهو ما شكل صدمة قوية لقادة التنظيم، وأكد لهم استعداد السلطة للتخلي عما كان يوصف بـ”الذراع المالية”، التي تستحوذ على عائدات الاستثمارات الحكومية، مقابل تمويل النشاطات الدعائية للسلطة.

وكانت وزارة العمل والضمان الاجتماعي، قد رفضت في وقت سابق، ملف تحويل المنتدى من جمعية لرجال الأعمال إلى نقابة تدافع عن مصالحهم دون أن تقدم تفسيرات واضحة، وهو ما اعتبر مقدمة لبداية نهاية نفوذ رجال الأعمال المحسوبين على علي حداد.

وأسّر مصدر مقرب من الرجل لـ”العرب”، بأن “سقوط رئيس الوزراء السابق عبدالمجيد تبون في أوت 2017، بعدما فتح مواجهة علنية مع لوبيات المال السياسي، قد تم بإيعاز من رجل الأعمال القوي علي حداد، وأن الأخير سرّب عناصره والموالين له في مختلف المؤسسات الرسمية والسياسية، على غرار البرلمان والحكومة والأحزاب الكبرى”، الأمر الذي يترجم نفوذ الرجل في المرحلة الماضية قبل بداية الانقلاب عليه.

وتلمح المقاطعة غير المعلنة لأكبر التنظيمات المالية في البلاد من طرف الجهات الرسمية والسياسية، إلى أن الدعم الذي كان يحظى به من طرف الحلقة الضيقة في محيط الرئاسة قد بدأ يتلاشى، فالرجل المعروف بقربه وصداقته من شقيق رئيس الجمهورية ومستشاره الشخصي سعيد بوتفليقة، لم يعد صاحب نفوذ في السلطة، ما يكرس التسريبات التي تتحدث عن أن التغييرات الأخيرة حيّدت نفوذ ودور من كان يوصف بـ”الحاكم خلف الستار باسم شقيقه الرئيس، وهو ما انعكس على أذرعه المختلفة”.

ويمثل ضلوع أحد أعضاء الجمعية (كمال شيخي) في فضيحة كمية الكوكايين الضخمة المحجوزة نهاية شهر مايو الماضي، والارتدادات التي خلفتها على الساحة المحلية، بداية سقوط أحجار الهرم، خاصة مع قيام السلطات الأمنية والقضائية بالتحقيق مع العديد من رجال المال والأعمال، وحجز جوازات سفر لنحو 150 منهم، بعد الاشتباه في ممارسات مشبوهة.

وفي خطوة لإنقاذ رأسه ورأس التنظيم، صرّح رجل الأعمال علي حداد للصحافيين، بأن “منتدى رؤساء المؤسسات يساند ويدعم عهدة رئاسية خامسة للرئيس بوتفليقة، وإذا لم نفعل ذلك فنحن لا نستحي ونجحد الجميل الذي قدمه الرجل للبلاد والعباد”، وهو التصريح الذي يلمح إلى استعداد الجمعية للتكفل بتغطية نفقات النشطات الدعائية، كما فعلت في السابق، إلا أن ذلك لم يشفع للرجل أمام الرغبة في كبح جماح رجال الأعمال وعزلهم عن النفوذ السياسي.

وتخيّم الرؤية الغامضة لمصير ومستقبل منتدى رؤساء المؤسسات، على موقفه وموقعه في اجتماع الثلاثية (الحكومة، أرباب العمل والشريك الاجتماعي)، المنتظر خلال الأسابيع المقبلة، لوضع آليات تجديد العقد الاجتماعي، خاصة في ظل فشل هؤلاء في تحقيق استثمارات مجدية، والتأسيس لاقتصاد بديل للريع النفطي، رغم الامتيازات التي وضعتها الحكومة لفائدتهم، وعلى رأسها الإعفاء من الرسم على الثروة.

2