السلطة الجزائرية تحافظ على قدراتها في التطويع

خطوات ناجحة تتبعها السلطة الجزائرية التي تتهيأ لتمرير ثاني استحقاق سياسي مدعومة في ذلك بقوة حزبية وأهلية عرضت خدماتها لتكون بديلا للقوى التقليدية.
الجمعة 2020/10/23
مساع لاستقطاب قوى سياسية جديدة

الجزائر- تواصل السلطة الجزائرية مساعيها لاستقطاب قوى سياسية جديدة في محاولة لتهدئة غضب الشارع وضمان نجاح الاستفتاء على الدستور.

ويرى مراقبون أنها خطواتها ناجحة إلى حد الآن في تكرار لما قامت به في تسعينات القرن الماضي عندما تحالفت مع الإخوان لضرب عنفوان جبهة الإنقاذ المنحلة آنذاك، حيث نجح الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة في ترويض الطبقة السياسية في مطلع الألفية، رغم معارضة انتخابه من طرف كبار السياسيين في البلاد.

وفي هذا الإطار، انقلب المعارض السابق ورئيس حزب جيل جديد جيلالي سفيان، على شركائه الحزبيين والمستقلين، بتوجيه انتقادات لأفكار ومطالب الحراك الشعبي، عبر جملة من التصريحات أدلى بها تباعا، ليتحول بذلك إلى حليف جديد للسلطة التي ما زالت ترزح تحت أزمة الشرعية.

المعارض السابق ورئيس حزب جيل جديد انقلب على شركائه بتوجيه انتقادات لأفكار الحراك الشعبي ومطالبه

واعتبر سفيان، أن الخطاب المنتقد لقيادة الجيش والداعي إلى رحيل السلطة، هو مؤشر جديد على تطرف يدفع باتجاه صناعة الصدام مجددا بين المؤسسة العسكرية والشعب، وأن الفراغ المؤسساتي هو مدخل للفوضى واستنساخ لسيناريو عدد من الدول العربية والإقليمية.

وظل حزب جيل جديد صاحب المرجعية العلمانية منذ تأسيسه في 2012، متخندقا في صفوف المعارضة إلى غاية تأسيس تكتل الحريات والانتقال الديمقراطي، قبل أن يتفتت في 2017، ويدخل الرجل في سجال مع الأحزاب الإخوانية التي اتهمها آنذاك بالتحالف مع السلطة، كما كان إلى غاية الانتخابات الرئاسية فاعلا في عدة تنظيمات كحركة “بركات” (يكفي)، و”مواطنة”، التي انتفضت منذ العام 2013 في وجه بوتفليقة.

ولكن الظاهر أن الحزب المذكور بات واحدا من القوى السياسية الجديدة التي استقطبتها السلطة الجديدة بقيادة الرئيس عبدالمجيد تبون، وتنوي التحالف معها في المواعيد القادمة، لتكون بذلك ورقة في يدها لسحب البساط من تحت القوى التي ترفض المسارات الجديدة في البلاد، بما فيها الدستور الجديد الذي سيعرض على الاستفتاء الشعبي بعد أيام قليلة.

ويبدو أن السلطة التي فرض عليها الحراك الشعبي ضغوطا قصوى، تتجه نحو استعادة زمام المبادرة. فبعد نجاحها في تنظيم الانتخابات الرئاسية في ديسمبر الماضي، تتهيأ لتمرير ثاني استحقاق سياسي في البلاد، مدعومة في ذلك بقوة حزبية وأهلية عرضت خدماتها لتكون بديلا للقوى التقليدية والمعارضة الراديكالية.

وأكد رئيس حزب جيل جديد أن “حزبه يدعو إلى المشاركة في الاستفتاء على مشروع الدستور مع ترك حرية الاختيار للمناضلين والمواطنين في إبداء آرائهم، وشدد على ممارسة حزبه للعمل السياسي وفق نظرية استراتيجية تتجاوز أساليب المتاجرة والضرب تحت الحزام”.

جيلالي سفيان يعتبر أن الخطاب المنتقد لقيادة الجيش والداعي إلى رحيل السلطة هو مؤشر جديد يدفع باتجاه صناعة الصدام
جيلالي سفيان يعتبر أن الخطاب المنتقد لقيادة الجيش والداعي إلى رحيل السلطة هو مؤشر جديد يدفع باتجاه صناعة الصدام 

وانخرط الرجل في تصنيف الحراك بين “مبارك” الذي تروّج له السلطة، وأفردت له مكانا في ديباجة الدستور الجديد، وبين الحراك “الراديكالي المتطرف”، الذي لا يزال متمسكا بمناهضته للسلطة وبمطالبه الأساسية المختصرة في رحيل السلطة والقيام بتغيير سياسي شامل، حيث أكد أن “التمسك بخيار الشارع عقيم النتائج، وأن دخول الحراك الأصيل بات ضرورة لاقتحام العمل السياسي ودخول الانتخابات القادمة ومحاولة التغيير بعيدا عن الصدام”.

ويرى الحزب أن “مشروع الدستور الجديد المطروح أمام المواطنين يتضمن خطوات متقدمة لاسيما في فصل الحريات الجماعية والفردية، والفصل والتوازن ما بين السلطات، وضبط العلاقة بين الطبقة السياسية والسلطة التنفيذية، فضلا عن توسيع حيز التمتع بها كوضع تسهيلات في ما يتعلق بممارسة العمل الحزبي والجمعياتي، وهو ما يميز المشروع عن دستور 2016، كما يُزوّد الطبقة السياسية بالحجة القانونية لمتابعة فرض دولة القانون والحريات أمام الممارسات التعسفية”.

وتعد هذه الإشادة رسالة تلميح إلى انخراط “جيل جديد” في مسار السلطة ودعمه لأفكارها، رغم أنه ترك الحرية لمناضليه وللمواطنين بتزكية الدستور من عدمها، وهو المسار الذي عززته الانتقادات التي وجهها تباعا للحراك الشعبي وللإعلاميين الداعمين له والذين وصفهم في أحد تصريحاته بـ”القردة”.

وبرّر جيلالي سفيان تحوله، بأن من “ينتقدون مواقفنا يتلقون دعما يصل إلى ثلاثة ملايين دولار سنويا، بينما لا يتلقى حزبنا فلسا واحدا، والشعب الجزائري يعلم من ساند بوتفليقة في السابق، كما يعلم من مارس النفاق السياسي داخل مؤسسات الدولة التي تعفّفنا عن دخولها عندما انحرفت عن أخلاقيات الممارسة السياسية”.

وأضاف “كنا سبّاقين لمعارضة بوتفليقة، ونحن لا نعمل في الخفاء ومواقفنا صريحة يعلمها الجميع، وقد التقينا الرئيس تبون بعد وصوله إلى سدة الحكم يوم 14 يناير، كما اجتمعت به مرة أخرى، أين طلبت منه الإفراج عن سجناء الرأي، وقد التزم في إطار صلاحياته الدستورية والقانونية، وعليه فإن الرسالة السياسية لمن أراد أن يحلّل بواقعية هي أن الرئيس يدعم مسار الحوار”.

4