السلطة الجزائرية تستحضر العشرية السوداء لتمرير قراراتها المؤلمة

حملت الاحتفالية غير المسبوقة للتلفزيون الحكومي، بالذكرى الـ12 لميثاق السلم والمصالحة الوطنية في الجزائر، رسائل تخويف مثيرة، بعد استفزازها للذاكرة الجماعية بصور مأساوية مريعة، تعود إلى سنوات تسعينات القرن الماضي، لما كانت البلاد تئن تحت وطأة الوحشية الإرهابية.
الاثنين 2017/10/02
السلطة توقظ جراح الجزائريين

الجزائر -انتقد القيادي في جبهة القوى الاشتراكية المعارضة علي العسكري، مشروع المصالحة الوطنية المطبقة لإنهاء سنوات الاقتتال الدموي في البلاد، واحتواء حقبة العشرية الحمراء، بسبب ما أسماه بـ”تغييب الحقيقة والعقاب”، في إشارة إلى دفن الحقائق المتسببة في اندلاع الأزمة وعدم معاقبة الضالعين في النتائج الكارثية للعشرية.

وقال علي العسكري”كنا السباقين للدعوة إلى المصالحة الوطنية، فالقائد والمناضل التاريخي حسين آيت أحمد، دعا محمد بوضياف في مطلع التسعينات إلى مصالحة تاريخية، من خلال إعادة الاعتبار لتاريخنا وللرموز التي صنعت الجزائر، ومن أجل دولة القانون وتصالح الدولة الجزائرية مع المواطنين”.

وأضاف في حديث أدلى به لموقع “تي آس أ” أن آيت أحمد كان يتمنى أن تتم هذه المصالحة بمناسبة ذكرى الاستقلال الوطني، لكن بوضياف اغتيل للأسف قبل هذا الموعد، ولما جاءت المصالحة الوطنية التي أقرتها السلطة، قلنا بأن المصالحة لا يمكن أن تكون دون عقاب ودون معرفة الحقيقة، أسوة بتجارب عدة دول مرت بمثل هذه الوضعية، وكان لزاما أن تعرف العائلات حقيقة ما حدث”.

وكان الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة وضع وقف الأزمة الدموية في البلاد ضمن أولوياته منذ مجيئه لقصر المرادية في 1999.

وقسم مسار المصالحة على مرحلتين، الأولى في 1999 فيما سمي بـ”الوئام المدني”، والثانية في 2005 فيما سمي بميثاق السلم والمصالحة الوطنية، الذي عرضه على الشعب من أجل تزكيته في استفتاء سبتمبر 2005.

وهو ما سمح باستفادة نحو ثمانية آلاف مسلح إسلامي من تدابير العفو التي أقرها الميثاق، ومكنت البلاد من استعادة عافيتها الأمنية، رغم بقاء بعض الجيوب الإرهابية، حيث رفضت بعض الكتائب الانخراط في مسعى السلطة، وأعلنت ولاءها عام 2000 لتنظيم القاعدة، ثم داعش في 2015.

ويقول العسكري إن “الجزائر تعرضت لمؤامرة وتم توظيف الإسلام السياسي فيها، وبدل إطلاع الشعب على الحقيقة، جرى توظيف المصالحة الوطنية، في تمرير العهدة الرئاسية الثالثة لبوتفليقة، وهي عهدة مدى الحياة”.

واستغرب ملاحظون عودة الدعاية الرسمية للسلطة، إلى استحضار مشاهد الأزمة الأمنية، وآثار المجازر الجماعية التي ارتكبت في عدة ضواحي بالعاصمة كبن طلحة وبراقي والرايس وغيرها. وقدم هؤلاء قراءة واحدة تستهدف تخويف وتحذير الجزائريين، من العودة إلى تلك الأوضاع، والقبول بمقاربات السلطة رغم انتهائها إلى فشل ذريع في الجبهتين الاقتصادية والاجتماعية.

واعتبروا أن تزامن الدعاية المريبة لإعلام السلطة، مع الخيارات المؤلمة للحكومة في المدى القريب، يستهدف التخويف من مغبة العودة إلى سنوات الرعب والدم، إذا لم يتم التسليم بالخيارات الاقتصادية والاجتماعية غير الشعبية للحكومة، أو الاستمرار في مطلب التغيير السياسي والإصلاح المؤسساتي الذي تنادي به المعارضة.

وأكد رئيس حركة مجتمع السلم السابق عبدالرزاق مقري، أن بث صورة مروعة للعشرية السوداء بمناسبة ذكرى المصالحة الوطنية هو ترهيب للمواطنين، وينطوي على رسائل مفادها وضع الشعب الجزائري بين مطرقة الإرهاب، وسندان مسلسل التفقير والأزمة الاقتصادية الخانقة.

وقال في منشور على صفحته الرسمية “إن الذين يكررون بث صور المأساة الوطنية يريدون ترهيب المواطنين ليسكتوا على الفشل وليقبلوا غلاء المعيشة ومغامرة الإصدار النقدي دون غطاء، والمستقبل المجهول”.

وانتقدت أحزاب السلطة، وعلى رأسها جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، بالقول “هؤلاء الذين يخوفون الناس لم يكن لهم الدور الأساسي في مواجهة الإرهاب ومعالجة هذه الظاهرة، بعضهم هربوا ولم نكن نسمع منهم خطاب التزلف الدارج على ألسنتهم اليوم”.

وكان التلفزيون الحكومي قد أفرد تغطية خاصة للذكرى الـ12 لميثاق السلم والمصالحة الوطنية، عبر برنامج “ذكرى وعرفان”، ضمنه استعادة صور الموت والرعب والخراب، التي عاشتها الجزائر في فترة التسعينات، وخص أحياء بن طلحة، والرايس، وعمي موسى، ومستغانم، التي عرفت مجازر جماعية، راح ضحيتها المئات من الجزائريين في ليلة واحدة.

وهو ما أثار استياء الرأي العام والطبقة السياسية التي استغربت مثل هذا الاستفزاز للذاكرة الجماعية، والرسائل التي ينطوي عليها، خاصة وأن الملايين من الجزائريين ولدوا بعد التسعينات، ولا يتوجب ترهيبهم بتلك الصور والشهادات المأساوية، التي تشتم منها رائحة التخيير بين القبول بنتائج المرحلة القادمة، وبين العودة إلى تلك السنوات.

وفي خطاباتها المتكررة لا تتوانى السلطة في تحذير الجزائريين من الانسياق وراء مطالب المعارضة السياسية الداعية إلى التغيير والانتقال الديمقراطي في البلاد، وتستحضر في كل مناسبة النماذج الفاشلة في المحيط الإقليمي كليبيا وسوريا واليمن، بعد تحولها إلى فوضى وأزمات مزمنة وإلى خطر على الاستقرار الداخلي والإقليمي.

ويرى ملاحظون أن توجس السلطة من توجه حكومة أحمد أويحيى إلى تبني خيارات اقتصادية واجتماعية مؤلمة، تؤشر على إمكانية الانفجار الاجتماعي، يدفعها إلى توظيف جميع أوراقها السياسية والإعلامية، بما فيها استحضار العشرية السوداء لتخويف الشعب من أي مقاومة لخيارات الحكومة.

4