السلطة الجزائرية تنفخ في رماد الدستور التوافقي

الأحد 2014/09/14
بوتفليقة في موقف حرج إزاء المقاطعة الواسعة من الأحزاب والتيارات السياسية لمشاورات أويحيى

الجزائر- تتجه السلطة الجزائرية إلى إعادة ترتيب أوراقها بشأن مشروع الدستور الجديد، بعدما لاحت لها معالم الفشل في إضفاء الطابع “التوافقي” على المشروع الذي يراوح مكانه منذ سنتين.

تتداول كواليس البرلمان الجزائري على نطاق واسع، معلومات عن عزم السلطة إيجاد آلية جديدة لبعث نقاش واسع حول مشروع الدستور الجديد، بعدما تأكد لديها فشل جولتي الحوار التي أدارها كل من بن صالح في العام 2011 وأحمد أويحيى منذ شهر يونيو الماضي، في تحقيق صفة “التوافق” على المسودة المطروحة على مكتب الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة منذ مطلع الشهر الجاري.

وأمام التضارب في شكل الآلية التي تبحث عنها السلطة ومضمونها، أسرّت مصادر مطلعة لـ”العرب” أن “السلطة تدرس الآن عدة خيارات مطروحة لديها، من ضمنها اللجوء إلى شخصية وطنية مستقلة تحظى بثقة مختلف التيارات السياسية لبعث مشاورات سياسية جدية، أو شخصية عسكرية متقاعدة، من أجل إضفاء نوع من الطمأنينة لدى المعارضة التي تنادي بدور معين للجيش في مرافقة السلطة والمعارضة معا في تحقيق التوافق والتغيير السياسي المنشود".

وتضيف المصادر أن “السلطة فشلت إلى حد الآن في إخراج المشروع من النفق بسبب خياراتها التي لم تستطع بعث نقاش حقيقي حول الوثيقة الرسمية الأولى في البلاد، ولذلك تسعى لاستدراك الموقف بالبحث عن آلية جديدة تغري المعارضة المقاطعة لمشاريعها منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة، على الدخول في نقاش يحقق حدا أدنى من صفة التوافق التي أطلقتها على الدستور المنتظر".

وأكدت أن “عدم إدراج الوثيقة في أجندة الدورة البرلمانية الحالية، يوحي إلى أن المشروع سيتأجل على الأقل إلى السداسي الأول من السنة المقبلة، أي إلى الدورة الربيعية للبرلمان، بينما كان مقررا أن يفصل في الملف قبل نهاية السنة الجارية، وهو ما يعكس حجم الصعوبات التي تعيق السلطة في تمرير الوثيقة الدستورية، لكنه سيمنحها هامشا لإعادة ترتيب أوراقها وإنجاز مشروع جاد يحظى بالتوافق المطلوب بين جميع الجزائريين".

وكانت مصادر مقربة من قصر المرادية قد سرّبت عدم رضى الرئيس بوتفليقة عن مضمون المسودة التي قدمها له وزيره ومدير ديوانه، أحمد أويحيى، كمحصلة للمشاورات التي أجراها مع مختلف الأحزاب السياسية والشخصيات المستقلة، وحتى من الإسلاميين المحسوبين على جبهة الإنقاذ المحظورة، لتفشل بذلك جولة المشاورات كما فشلت الجولة الأولى، ويجد بوتفليقة الذي يعتبر نفسه رجل الإجماع في حرج شديد، أمام المقاطعة الواسعة لأحزاب المعارضة وشخصياتها لمشاورات أويحيى.

وكلف الرئيس بوتفليقة، في العام 2011، رئيس الغرفة الثانية للبرلمان والرجل الأول في حزب السلطة (التجمع الوطني الديمقراطي) بإطلاق مشاورات سياسية حظيت بمشاركة واسعة، لكن لم يظهر للمسودة التي قدمها إلى بوتفليقة أي أثر.

يستحيل على السلطة الجزائرية تحقيق التوافق على دستور جديد، في ظل اعتمادها على أشخاص وآليات لا تحظى بالمصداقية

ثم كلف لجنة من الخبراء والأكاديميين مطلع العام الجاري، بوضع مسودة دستورية، لكنه لم يكشف عن مضمونها مرة أخرى.

وجاءت المشاورات التي أشرف عليها أويحيى، في أعقاب الانتخابات الرئاسية، فاقدة للمصداقية، كونها ارتبطت بعهدة رابعة مثيرة لبوتفليقة، وبنوايا الاستمرار في الهيمنة على السلطة.

ويقول مراقبون في الجزائر، إنه “يستحيل على السلطة الجزائرية تحقيق التوافق على دستور جديد، في ظل اعتمادها على أشخاص وآليات محل شك ولا تحظى بالمصداقية لدى الطبقة السياسية والرأي العام".

ويرى هؤلاء أن الاعتماد على شخصيات من جلباب السلطة لا يحقق أي جاذبية أو حماس للمشاركة والنقاش حول الوثيقة.

ويعتبرون أن بن صالح، الذي يعتبر الرجل الثاني في الدولة “لا يمكن أن يكون الحكم والخصم في آن واحد، كما أن أحمد أويحيى لا يمكن أن يكون هو الآخر محل ثقة، حتى ولو كانت نوايا السلطة حسنة".

وحتى تكرار الآليات “يفقد العملية المصداقية ويحيطها بالشك “،على رأي رئيس حركة مجتمع السلم، عبدالرزاق مقري، الذي صرح: “كلامنا واقتراحاتنا قدمناها لبن صالح ولم نر منها شيئا، فلماذا نضيع جهدنا ووقتنا مجددا مع أويحيى".

وتقول مصادر مطلعة، إن السلطة ولأجل الخروج من مأزق مشروع الدستور التوافقي، تسعى لتهيئة الرأي العام بتسريب معلومات عدم الحسم في الوثيقة، والإيعاز لدوائر مقربة منها بإطلاق “بالونات” اختبار تقرب المسافة مع تيارات المعارضة، لتتحسس ردود الفعل والمواقف الصادرة عنها، حيث تعكف إحدى الفضائيات الخاصة المقربة منها على بعث نقاش حول مبدأ التوافق على الدستور.

كما أطلق حزب تجمع أمل الجزائر “تاج”، الذي يقوده الوزير عمار غول، المؤيد لها، مبادرة ما أسماه بـ”ندوة الإجماع الوطني”، أسوة بالمبادرات التي أطلقتها بعض أقطاب المعارضة السياسية.

ويرى متابعون أن ” تاج”، لا يمكن أن يغرد خارج السرب، ويتحرك خارج دائرة السلطة، ولذلك يعتبرون المبادرة التي يروج لها الآن، تكون قد تمت بإيعاز من السلطة للتقرب من المعارضة.

ولم تستبعد مصادر حزبية مطلعة، أن يكون التفكير جاريا على أعلى مستوى في هرم السلطة، بشأن مدى نجاعة عقد “ندوة وطنية جامعة” حول “الدستور التوافقي”، وأرجعت ذلك لرغبة السلطة، في إضفاء مزيد من المصداقية على الدستور القادم ، بمحاولة جلب المعارضة للمشاركة في إعداده، ورأب الصدع الناتج عن عدم مشاركة تيار عريض من المعارضة في المشاورات.

ويعتبر مطلب الذهاب إلى “ندوة وطنية جامعة ” حول الدستور، أحد الأركان التي رافع لأجلها، رئيس جبهة التغيير، عبدالمجيد مناصرة، في مختلف نشاطاته وتصريحاته، كما يلقى المطلب قبولا مبدئيا وسط المعارضة، التي لم تمانع في عقد الندوة، كبديل للمشاورات التي أجراها أويحيى، والتي انتقدتها بشدة، وعابت عليه ما أسمته بـ”العنجهية والطريقة غير الملائمة “، كما يحبذ بعضها استنساخ النموذج التونسي في إنجاز دستور البلاد.

2