السلطة الفلسطينية.. معاني قمع مظاهرة رام الله

السلطة الفلسطينية خسرت نفسها وباتت تتموضع خارج كونها سلطة لشعب مازال يعيش تحت الاحتلال، وإنما كإدارة وكيلة في مستعمرة لصالح المستعمر.
الثلاثاء 2018/06/19
تهتك معنى التحرر

كان تصدّي قوات الأمن الفلسطينية يوم 13 يونيو للمتظاهرين الذين خرجوا في رام الله للمطالبة بوقف الإجراءات العقابية التي اتخذتها السلطة الفلسطينية ضد قطاع غزة، والتي تساهم في إفقاره وتشديد الحصار عليه، نتاجا طبيعيا لأفول الحركة الوطنية الفلسطينية وتفسّخها وتحولها إلى سلطة تحت سلطة الاحتلال. وفي الواقع فإن قيام سلطة فلسطينية، بموجب اتفاق أوسلو عام 1993، في جزء من الأراضي المحتلة عام 1967، جاء لاعتبارات إسرائيلية أكثر مما جاء لاعتبارات فلسطينية، أو لاعتبارات تتعلق بإعادة بعض حقوق للفلسطينيين.

هكذا وضمن تلك الاعتبارات يأتي، أولا تخلص إسرائيل مما تسميه القنبلة الديموغرافية، فثمة 3.5 مليون فلسطيني في الضفة والقطاع المحتلين.

ثانيا محاولة حل التناقض بين كون إسرائيل دولة ديمقراطية ويهودية، أو بين كونها دولة ديمقراطية ودولة عنصرية (لجهة الدين)، بحيث أخرجت الفلسطينيين في تلك الأراضي من دائرة المواطنة، مع احتفاظها بالسيطرة على أراضيهم ومواردهم الطبيعية.

وثالثا فهي بذلك حررت نفسها من عبء السيطرة على الفلسطينيين وتحمّل المسؤولية تجاههم، وهو ما تجلى في قيام وضع من الاحتلال المريح بل والمربح لها، إذ أن السلطة باتت تسيطر على شعبها، وتضبط إيقاع تحركاته، ناهيك عن علاقات التبعية الاقتصادية التي تربط الكيان الفلسطيني في إسرائيل مع واردات تقدر بأربعة بلايين من الدولارات سنويا.

رابعا فقد نجم عن كل ما تقدم أن إسرائيل نجحت في تجويف الحركة الوطنية الفلسطينية، وتحويلها إلى مجرد سلطة لجزء من شعب على جزء من أرض في جزء من حقوق، وبمعنى أكثـر وضوحا فقد خسرت الحركة الوطنية الفلسطينية منظمة التحرير كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، وككيان سياسي معنوي لكل الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم، لصالح سلطة لا سلطة لها، كما تحدّث الرئيس محمود عباس “أبومازن” نفسه في أحد تصريحاته، إذ أن السلطة في حقيقة الأمر هي لإسرائيل على الأراضي والموارد والأنشطة.

في الغضون، أي خلال قيامها طوال 25 عاما، فإن السلطة خسرت نفسها، إذ باتت تتموضع رغما عنها خارج كونها سلطة لشعب مازال يعيش تحت الاحتلال، وإنما كإدارة وكيلة في مستعمرة لصالح المستعمر، بحكم القيود التي فرضت عليها والالتزامات التي تعهّدت بها، ما جعل هذه السلطة بمثابة حاجز أمام كفاح الفلسطينيين في سبيل حقوقهم، وضمنها مواصلة الكفاح للتخلص من الاحتلال.

والحديث هنا لا يتعلق بالكفاح المسلح وإنما بالكفاح الشعبي السلمي المشروع، وضمن ذلك الحق في التظاهر والاعتصام والتعبير عن الرأي. وبديهي أن هذا الوضع بات يتطور بحيث بات الفلسطينيون، في الضفة والقطاع، إزاء سلطة مهيمنة من فتح ومن حماس، إذ أن هذا ما تبقى من وظائفها، أو إن هذه الوظيفة بالضبط هي التي أنيطت بها، ولم تستطع الخروج عنها أو التحرر منها.

ما ينبغي ملاحظته هنا أن هذه ليست هي المرة الأولى التي يجري فيها التصدي للمظاهرات السلمية والمشروعة وقمعها بوسائل القوة، إذ بات ذلك حدثا مكررا، علما وأن ذلك الأمر يجري في الضفة كما يجري في غزة، من قبل سلطتي حماس وفتح، كما يترافق ذلـك مع اعتقال للمتظاهرين.

والمشكلة في المشهد الفلسطيني أن حركة فتح، ومعها جمهورها، تحتج على قمع المظاهرات في غزة، في حين أن حركة حماس، ومعها جمهورها، تحتج على القمع في الضفة، وهذا أمر لا يشي فقط بأفول وتفسّخ حركات التحرر الـوطني أو التي يفترض أنها كذلك، وإنما يشي أيضا بأفول وتهتّك معنى التحرر، لا سيما مع هذا التباين أو الافتراق بين قيمتيْ التحـرير التي تتعلق بالأرض فقـط والحرية التي تتعلق بحرية الإنسان بوصفه قيمة عليا.

المشكلة أيضا أن الحديث لا يدور عن حركات شعبية تهدد السلطة، وإنما يدور عن مظاهرات لعشرات أو مئات الشبان فقـط، وكان يمكن لفتح أو لحماس ترك هذه التحركات أو استيعابها، والأهم من ذلك تلبية مطالبها المشـروعة، وهـو الأمر الذي لم يحصل رغم قرارات المجلس الوطني.

المشهد كما وصفته عميرة هاس، المحللة الإسرائيلية المقيمة في رام الله والمعروفة بتعاطفها مع حقوق الفلسطينيين، هو كالآتي “مئات الأشخاص تظاهروا وطلبوا وقف الخطوات العقابية… الأجهزة الأمنية ضربت المتظاهرين واستخدمت الغاز المسيل للدموع وحتى أنها أطلقت قنابل الصوت عليهم، وأطلقت النار في الهواء لتفريق المظاهرة. يضاف إلى ذلك أنها قامت بمصادرة وكسر كاميرات وهواتف ذكية، واعتقلت صحافيين فلسطينيين وأجانب. لدى قدومهم إلى ميدان المنارة اصطدم المتظـاهرون برجال وحدة تفريق الاضطرابات في الشـرطة الذين يلبسون زيّهم المرقط الأسود ومسلحين بالبنادق ومزودين بقنابل الغاز وقنابل الصوت والهراوات… اختلط بالمتظاهرين رجال أمن بملابس مدنية، بنطال أسود وقبعة تغطي تقريبا كل الوجه. وقاموا بضرب المتظاهرين واعتقلوا عددا منهم… وظهرت مجموعة ثالثة من الشباب الذين يلبسون الملابس المدنية ويعتمرون القبعات، من حركة فتح. أيضا هؤلاء ضربوا المتظاهرين وحاولوا تفريقهم وهم يطلقون شعارات تأييد لمحمود عباس وذكرى ياسر عرفات”. (هآرتس 14 يونيو 2018).

8