السلطة والأيديولوجيا واللاوعي الثقافي في كتاب لأنتوني إيستهوب

الأحد 2014/02/16
الصوت الذي يتكلم في رأسي عندما لا أتكلم مع أحد

يتميز كتاب “اللاوعي” الصادر عن منشورات دار روتليج البريطانية للنشر لأنتوني إيستهوب، الذي يدرّس اللغة الإنكليزية والدراسات الثقافية بجامعة مانشستر البريطانية، بأنه مختصر ودقيق في آن واحد، وهو مفيد للدارسين والنقاد ولطلاب الدراسات العليا وخاصة لأولئك المنخرطين في مجالات النقد الثقافي، والدراسات النسوية، والدراسات الإثنية، والتحليل النفسي للتاريخ، وغيرها من الحقول المعرفية.

يركز هذا الكتاب الممتع والغني بالأفكار على عدد من المحاور الأساسية المتداولة في حقل التحليل النفسي الحديث والمعاصر منها: اللاوعي عند فرويد ولاكان، الوعي والأنا، اللاوعي والجنسية، اللاوعي والنص، اللاوعي والتاريخ.

ليس كتاب “اللاوعي” دراسة تاريخية مكرسة لتقصي تاريخ نشأة وتطور التحليل النفسي في الثقافة الغربية على نحو خاص، كما أنه ليس بحثا إكلينيكيا يتناول حالات نموذجية بالدرس والتحليل، وإنما هو محاولة لتمحيص وتدقيق مفهوم التحليل النفسي من جهة واختبار نظرياته وهي تعمل في الثقافة وكيف تفكك الطبقات اللاواعية في حياة المجتمعات ورأسمالها الرمزي من جهة أخرى. وكما هو معروف فإن التحليل النفسي في المجتمعات الغربية لم يعد مجرد أداة لعلاج الأفراد المصابين والمصابات بالرضّات النفسية فقط بل فإنه قد صار يوظف بكثير من النجاح في عمليات تفكيك الشفرات اللاواعية في البنيات الثقافية والفنية والسياسية والاجتماعية، وذلك من أجل فهم الأبعاد الذاتية المضمرة والمكبوتة والمقموعة في تاريخ الأفراد والجماعات، وقصد الكشف عن عمل السلطة والأيديولوجيا اللتين تشكلان اللاوعي وتحركان البشر على نحو موارب أيضا.

نظرا لأهمية ونجاعة التحليل النفسي في بناء الوعي وفي العلاج النفسي للإنسان وللثقافة أيضا، لقد وجدنا وفي أواخر القرن العشرين على نحو لم يسبق له مثيل عددا كبيرا من المفكرين والفلاسفة وعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيا في الدول الغربية الأكثر تصنيعا وتقدما، وقد استعانوا بالجهاز المعرفي النظري والعيادي التحليلي النفسي من أجل الكشف عن العقد النفسية المؤسسة للجوانب اللاعقلانية في التاريخ الإنساني وفي شتى أنماط السلوك والممارسات المنتجة للمعنى وفي صدارتها الأفعال اللاواعية وذلك بهدف فحصها وإدراكها أولا ومعالجتها للتخلص منها ثانيا، وبذلك أصبح اللاوعي البشري حقيقة ثقافية بالدرجة الأولى وحقلا للدراسة والتحليل وصياغة المعرفة.


المونولوج في اللاوعي


منذ البداية يطرح المؤلف أنتوني إيستهوب هذا السؤال: ما هو اللاوعي؟ ليجيب عنه هكذا: “وفي الواقع، فإن اللاوعي – إذا كان موجودا – ليس بموضوع مادي يمكن لك أن تضعه في أنبوب وأن تختبره بواسطة الكيمياويات. إن طبيعته تستخرج من تحليل معالم السلوك الإنساني – وخاصة السلوك اللساني – الذي لا يمكن أن يفهم إلا على أساس فرضية مفادها أن هناك اللاوعي..”. في سياق تعريفه للاوعي يروي أنتوني إيستهوب قصة لعالم اللسانيات الروسي المدعو فيكوتسكي والذي قدم مقترحا ” للتمييز بين الخطاب الخارجي والخطاب الداخلي – بين الخطاب الخارجي المعلن عنه، وبين ذلك “الصوت” الذي يتحرك بداخل رأسي عندما لا أتكلم مع أي أحد “. إن العالم فيكوتسكي ” لا يؤمن أنَّ الخطاب الداخلي ليس ببساطة الخطاب الخارجي الذي تم استدخاله، وبالأحرى فإنّ للخطاب الداخلي قوانينه الخاصة به “. وهنا يرى إيستهوب أن في وسعنا رصد مشكل معرفي في فرضية عالم اللسانيات الروسي. وبهذا الخصوص يلاحظ بأننا: ” نعرف فقط الخطاب الداخلي للآخرين بواسطة ما يقولونه لنا عن أنفسهم”، أي من خلال خطابهم الخارجي، وأن ” هذا الأخير ليس بالخطاب الداخلي على الإطلاق”، لأن الخطاب الداخلي لا معنى له إذا لم نترجمه إلى خطاب خارجي وبعبارة أخرى فإننا لا نعرف أبدا ما يقوله إنسان ما في نفسه ولنفسه ما لم يضع هذا المونولوج في خطاب واضح يعلن أمامنا من خلاله وبواسطته نص ذلك الكلام الداخلي. هناك إذن تمايز بين الخطاب الداخلي وبين اللاوعي، فاللاوعي مكوّن من المكبوتات، ومعالمه تدرك بإدراك معالم المقموع والمكبوت، بعد استخراجها من الطبقات المعتمة في اللاوعي البشري. وأن هذا ” اللاوعي يتكلم من خلال الأعراض، والآثار، والهوّامات، والانقطاعات، والأحلام، والنكتة، والانزلاقات اللفظية في الحياة اليومية، والأعمال الأدبية والفنية”، أما الخطاب الداخلي فليس مشكّلا من المكبوتات وإنما هي ظاهرة نفسية عادية كأن يتحدث الإنسان إلى نفسه، أو كأن يتخيل شخصا ما يوجه له الحديث.

الكتاب يجيب عن سؤال: ما هو اللاوعي؟

وفقا لاستنتاجات سجموند فرويد فإنّ ” اللاوعي ليس جزءا من الجسد، ولكن له علاقة قريبة به “، وبهذا الصدد يورد أنتوني إيستهوب مجموعة من معالم وخصائص اللاوعي كما يلي: “تعايش الرغبات المتناقضة في اللاوعي، الطاقات في اللاوعي غير مثبتة، بل هي متحركة، وعرضة للتشكل مجددًا، كما أن اللاوعي يتميز بأنه حيّ وقابل للعودة إلى الوعي بأشكال معينة، إنّ عمليات اللاوعي غير مرتبة وفقا للزمنية، وأنها لا تتبدل بفعل الزمن، وبالعكس فإنّ اللاوعي لا علاقة له بالزمن على الإطلاق. على مستوى اللاوعي فإنّ العالم الخارجي يستبدل بالواقع النفسي”. ومهما يكن فإن تعريف اللاوعي ليس بأمر سهل فلا يكفي أن نعرفه بأنه عودة المكبوت والمنسي والمقموع وهلم جرا. فالحلم في ذاته كما قال فرويد وكما يشرح الدارس إيستهوب “ليس هو اللاوعي، وأن المضمون الظاهر ليس في اللاوعي. إن الأحلام هي الكيفية التي بها يتكلم اللاوعي..”.


اللاوعي وأقنعته


إنّ هذه الخصائص للاوعي تؤكد أن ثقافة أي مجتمع ما، أو فرد ما ليست دائما واعية وعاقلة، بل هناك عناصر ثقافية لا نعيها سواء لدينا أو لدى الناس الآخرين، وإن كانت هي التي تحرك وجودنا ووجودهم في كثير من الحالات. ومن هنا فإنّ الوصول إلى هذه العناصر لمعرفتها، وتمييزها مشروط بالكشف، ومن ثمّة بالفهم العميق للطبقات اللاواعية فينا كبشر.

من المعروف أن علاقة اللاوعي البشري بالواقع هي علاقة معقدة جدا وأنه مراوغ كما نجده يتميز بكونه يلبس أقنعة كثيرة، وبهذا الخصوص يقول أنتوني إيستهوب: “إنّ اللاوعي يبحث أساسا عن المتعة كلما تمكن من ذلك، ومن دون أن يهتم بكيفية الحصول عليها، ولكنه يواجه مشكلة إيجاد الطريق إلى المتعة بعيدا عن رقابة العقل الواعي”. من المعروف أيضا أن اللاوعي لا يعبر عن نفسه صراحة بل إنه يتقنع بأقنعة كثيرة كما إنه “يعبّر عن نفسه في الرغبات، والهوامات” وذلك لكي يفلت من الرقابة وجميع الإكراهات التي تمنعه من تحقيق مطالبه.

بناء على ما تقدم ندرك أن أي مجتمع في أية مرحلة من مراحل تاريخه وتطوره لابد أن نجد فيه ظاهرتي قمع الناس وكبتهم، ولكي يحقق هؤلاء المكبوتين أو المقموعين ذواتهم، فإنّهم يقومون بعمليات وحِيَلٍ من أجل تجاوز الواقع عن طريق عدة ممارسات لهم في عالم الرغبات المفترضة والمتخيلة، أي في عالم الهوّامات. ومما لا شك فيه أن الكشف عن هذه العوالم يتطلب الكشف عن اللغة المستعملة للتعبير عن الهوّامات، والرغبات. وبمعنى آخر – كما يفصح إيستهوب – فإنّ اللاوعي يبحث عنه في المعنى بعد تحليله. هكذا كان يعتقد فرويد نفسه. في هذا السياق نجد أن المحلل النفسي الفرنسي الشهير جاك لاكان قد نقل هذه الفكرة المهمة جدا إلى أبعد من هذا، وقام بتوسيع آفاقها وتطويرها، وذلك بمساعدة الأفكار التي استقاها من كتابات عالم اللسانيات الروسي وأحد أقطاب مجموعة الشكلانيين الروس ومجموعة “براغ” الذي هو رومان ياكبسون، ومن تحليلات كلود ليفي شتراوس التي ركزت على استقصاء البنى الذهنية، والكشف عن اللاوعي، في الأسطورة. قال جاك لاكان مرة وبصرامة كاملة: ” إنّ اللاوعي مبني مثل اللغة”. فماذا يعني جاك لاكان بقوله هذا؟ لا شك أنه يعني مباشرة أن لغة اللاوعي تتشكل من الاستعارة أو الكناية لا غير. ومن هنا فإنه لا يمكن أن نفهم بنية اللاوعي ودلالاته من دون فهم الدوال التي تمثل هذا اللاوعي، أو أجزاء منه، ومن دون تحليل عناصر الاستعارة والكناية التي هي اللغة المشكلة لهذا اللاوعي.

ينبغي علينا أن ندرك أن اللغة هنا لا تقتصر على الكلمات التي تكوّن سلاسل الجمل التي بموجبها يتشكل المعنى، وإنما هي أكثر من ذلك. فاللغة هنا تعني كل السجل الرمزي في حياة الإنسان والمجتمع وهي الصيغة التي يلجأ إليها “جاك لاكان” باعتبارها الوصفة التخطيطية لتوضيح ما يعنيه باللاوعي. بالنسبة إلى هذا المفكر اللامع الذي طور نظريات فرويد وعدّلها، فإنّ اللاوعي يساوي: ” الشيء – التمثيلات”. وفي مكان آخر يقدم جاك لاكان تعريفا آخر للاوعي بصورة غير مختلفة في الجوهر عن التعريفات التي قدمها من قبل في كتاباته الأخرى، وملخص هذا التعريف هو: “إنّ اللاوعي هو ذلك الذي يحدث عندما تتزحزح اللغة المتماسكة “.

لا شك في ذلك، فإنّ لا منطقية اللغة، وعدم تماسكها هما الطريقان الملكيان المؤديتان إلى الكشف عن اللاوعي، وإلى اكتشافه. وفي التحليل الأخير فإن اللاوعي في تقدير درس التحليل النفسي ” ليس خلاء، أو شيئا قائما هناك مثل الشجرة، أو الصخرة، وإنما هو الثقافة التي نتحدث عنها من دون أن نراها كشيء، وهي في حد ذاتها ليست واعية كلية كما يعتقد الكثير …”.

15