السلطة والثورة في العراق: تناقض مستعص وصدام مستمر

الثلاثاء 2014/06/10

قبل أشهر؛ في محافظة ديالى العراقية، حدث أمامي إشكال بين طفلين يبيعان المغلفات الورقية للمراجعين، وبين جندي مدجج، حاول منعهم من التواجد في المكان بطريقة خشنة، فبدأ الطفلان بتوجيه السباب والشتائم له مع عبارة “ارحلوا من مكان ما جيتوا، روحوا عند إلّي جَابْكم”، شعرتُ وقتها بأن المجتمع هو من ينطق بلسانهم، ويصرخ بوجه من يعتبرهم غرباء، قمعيين لا وطنيين، لا جذر لهم فيه ولا تاريخ.

ما عبر عنه البائعان الصغيران، هو لسان حال المجتمع بالفعل، وهذا ما تظهره التوترات العميقة بين قطاع شعبي كبير في ما بات يعرف بالمحافظات الست الثائرة، وبين السلطة الطائفية في “العراق الجديد”، الذي يعيش منذ عقد من الزمن حالات من التهميش والإفقار والإهمال وانعدام لأبسط الخدمات الحياتية، وقمع واستلاب لأبسط الحقوق، واعتقال تعسفي لكل من يشتبه في تذمره، وانتهاكات كثيرا ما تأخذ طابعا طائفيا فجّا. كل ذلك كان كفيلا لكي يتكوّن شعور عام سلبي تجاه السلطة الحاكمة، واعتبارها جسما غريبا احتلاليا، لا فرق بينه وبين سلطة الاحتلال الفعلية.

مع تفجر الاحتجاجات الشعبية السلمية في يناير 2013، انتقل الشعور العام آنف الذكر إلى موقع اللمس العياني الصريح، حين تعاملت السلطة مع أهالي المحافظات الثائرة على أنهم “شعب أجنبي معاد”، ليس له أية اعتبارية قانونية ولا إنسانية، وظهر ذلك بكل وضوح وصراحة، على لسان نوري المالكي رئيس الحكومة، الذي بدأ بكيل الشتائم على الجموع المحتشدة، حيث وصفهم بالإرهابيين وقطاع الطرق، بل قال أنهم ليسوا عراقيين، ووصل به الأمر للقول: “بيننا وبينهم بحر من الدم”. هنا تأخذ كلمة “بيننا” مكان الدال على موقع السلطة من الفئات الشعبية الثائرة، وهو موقع الفوقية العدوانية، التي تنظر للشعب كعدو تجب معاقبته والثأر منه، وتهميشه ونهبه وإفقاره وحتى قتله، وهو ما حصل فعلا حين اقتحمت قوات الجيش ساحات الاعتصام وقتلت وجرحت المئات من المعتصمين السلميين.

بدأت مع ذلك مرحلة جديدة في التعبير الثوري، تحولت فيها المطلبية السلمية إلى كفاح مسلح، واتخذ الخطاب الثوري شكلا صريحا في اعتبار السلطة الحاكمة سلطة احتلال، وبالتالي لابد من مقاومتها بكافة الوسائل المتاحة. لم يتطلب الأمر أكثر من القمع المباشر لساحات الاعتصام السلمية، لإعلان الكفاح المسلح، وتبلور أطر تنظيمية له مختلفة هذه المرة، عما شهده العراق في اية مرحلة سابقة.

الحالة التنظيمية الجديدة نابعة من قلب البيئات العشائرية، التي تعتبر المكون الأكبر للمجتمع في العراق، وهي من أكثر البيئات التي تعرضت للتهميش والإهمال، تداخلت معها بشكل كبير النخب المدنية و”الأنتلجنسيا” العراقية، التي التجأت بدورها للحاضن العشائري، بفعل التدمير الممنهج للمدينة العراقية ولمواقع الفئات الوسطى، باعتبار أن العشيرة هي الحصن الحمائي الأخير، في ظل الاستباحة الكبيرة لشريحة الطلاب والمثقفين والكفاءات في المدن، على أيدي ميليشيات ترعاها السلطة بشكل مباشر.

إذن اختلاف المعبرات والأطر التنظيمية، يكمن في كون المجتمع هو من أفرزها ويحتضنها، وليست هابطة من الفضاءات النخبوية، وتحاول التعبئة وفق ما تنص عليه أهدافها الفكرية، وهنا تكمن إشكالية السلطة في التعاطي مع حالة المقاومة المسلحة في العراق، وهو ما يفسر حجم التخبط والفشل في مواجهة الحالة عسكريا وسياسيا وإعلاميا. التخبط الحكومي هذا يبدو بأكثر حالاته وضوحا، في الاستمرار في التنكر للحالة الاجتماعية التي يصطدم بها، وباختراعه وتضخيمه لمسميات ساهم في صنعها، كتحميل المسؤولية لمجاميع إرهابية عابرة للحدود ولا سيما تنظيم “داعش”، دون أن يحمّل نفسه مسؤولية عبورها للحدود، وادعائه أيضا بأنه يخوض حربا إلى جانب العشائر ضد تلك المجاميع، مستندا في ادعائه على أشخاص هامشيين في الملعب العشائري ارتضوا بأن يكونوا “شيوخ الدولار” بحسب التسمية المجتمعية لهم.

لا تختلف السلطة العراقية عن نظيراتها في الوطن العربي، من ناحية استخدام نفس الادعاءات لتبرير موقفها العدائي تجاه المجتمع الثائر، ولكنها تحمل تفردا خاصا بطبيعتها البنيوية، يجعل تصنيفها مجتمعيا كسلطة احتلال، أمرا مطابقا للواقع، فمعظم مكونات السلطة الحالية هي من أحزاب وتنظيمات مذهبية سياسية وعسكرية، نمت وترعرعت خارج العراق، بشكل أخص في إيران، مما جعلها غريبة بالنسبة إلى الشارع العراقي السني على وجه الخصوص، ربما وقع الغرابة كان أخف نسبيا على الشيعة بحكم الرابط المذهبي وشرعنتها من قبل المراجع وتجار الدين.

أفضى ذلك إلى أن تتشرب السلطة، بكافة أجهزتها العسكرية والأمنية، الطابع الفكري لتلك الأحزاب، واعتمادها بشكل أساسي على أذرعها العسكرية كنواة محركة لتلك الأجهزة. هذه التركيبة السلطوية في العراق، تجعلها غير قادرة على الخروج من قوالبها التنظيمية والذهنية الإقصائية في التعامل مع الآخر، فتعتمد أكثر على إذكاء الأزمات وابتداع أشكال متجددة من العنف.

فالتناقض بين السلطة والمجتمع الثائر في العراق هو تناقض مستعص، لن يحل إلا بتغيير جذري لطبيعة السلطة، وهذا ما يفسر التوسع المستمر للصراع المسلح وانعدام أي انفراج. فعدا عن جبهات المواجهة المباشرة بين العشائر العراقية، والجيش في الفلوجة وعموم الأنبار، يشهد العراق يوميا وعلى امتداد المساحة الجغرافية للمحافظات الست، عمليات نوعية تستهدف أرتالا ونقاط تفتيش وثكنات عسكرية، توقع خسائر كبيرة في صفوفها، وتظهر مدى التفوق الاستراتيجي للثوار، وانعدام قدرة الجيش على المناورة والمسك بخيوط توصله للمنفّذين، فنراه يصب جام قصفه على القرى والبلدات، ليبدو تنكيله بالحواضن الاجتماعية، اعترافا صريحا منه بأنه يواجه مجتمعا بحاله، وليس مجرد مجاميع عسكرية قادمة من الخارج.

تأتي الأحداث الأخيرة من مدينة الموصل، لتنبئنا ربما بمرحلة جديدة من مراحل الصراع، حيث يشكل الانهيار الكبير للسيطرة الحكومية على أجزاء كبيرة من المدينة ووقوعها بأيدي الثوار، مأزقا عسكريا جديدا للسلطة، وهي التي فشلت بعد أربعة وأربعين محاولة على اقتحام مدينة الفلوجة، وحتى أصغر القرى في الأنبار، فكيف ستستطيع أن تتعامل مع خروج ثاني أكبر محافظة في العراق سكانيا من يدها؟

تبقى الإجابة مخبّأة بين طيات القادم، إلا أن طبيعة السلطة في العراق تجعلها لا تتوانى في الإقدام على أي فعل، حتى لو كان إشعالا لحرب أهلية بوسائل مشابهة لما حدث في عام 2006، حين تم تفجير مراقد سامرّاء، فهكذا سلطة لا يمكن أن تستمر بلا أزمات جديدة، والأمل أن يكون الوعي الشعبي على الضفة الثانية من العراق هذه المرة أكبر.


كاتب عراقي

8