السلطة والحوكمة والإرهاب في العصر الرقمي

الاثنين 2014/06/30
من يتحكم في الإنترنت يتحكم في العالم

لندن – تعالج دراسة صدرت عن المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية أثر الثورة الرقمية على الحكم والشركات الكبرى والسلطة السياسية ودورها غير المباشر والكبير في “دعم” النشاط الإرهابي العابر للقارات وفي قمع الحريات.

سهلت الإنترنت التواصل بين مختلف مكونات العالم ومنحت فرصا للمزيد من التفاهم الدولي وساهمت في الانتفاضات من أجل الديمقراطية عن طريق جعل الاتصال وانتشار المعلومة متاحين في كافة أنحاء العالم. وما انفك استعمال الإنترنت في تزايد مستمر حتى أنه بحلول سنة 2020 سيتضاعف عدد الوسائل المربوطة بالإنترنت بعشر مرات مقارنة بالحاضر.

بيد أن الإنترنت مكنت كذلك الإرهابيين من التنسيق فيما بينهم بنجاعة وامتداد أكبر، بينما مكنت الأنظمة الاستبدادية من مراقبة المنشقين وقمعهم بشكل أأفضل. فضلا عن كل ذلك تتعرض البنية التحتية المهمة لهجومات القرصنة بشكل متفاقم، ومن المحتمل أن تصبح الأجهزة المنزلية في المستقبل مثل الثلاجات أجهزة مسلحة.


مستقبل التحكم في الإنترنت


في المراحل الأولى، عادة ما تقلق التكنولوجيات الجديدة الوضع القائم وتهدد احتكار السلطة من قبل الأطراف التقليدية. مثلا مكّن اختراع الصحافة المكتوبة الإصلاحيين من نشر أفكارهم بسرعة ونجاعة أكبر وبثمن أزهد مما كان في الماضي، وهو الشيء الذي مكنهم من تحدي السلط القائمة وإضعاف سيطرتها. وبفضل وسائل الإعلام الحديثة اليوم يمكن للناس الاتصال ببعضهم البعض بسهولة وسرعة، ومعرفة كيف يعيش الناس الآخرون ويفكرون وماذا عندهم بينما يفتقدونه هم. يمكن للأفكار أن تنتشر بسرعة ويمكن للناس التواصل والانتظام، مثلا أظهرت الانتفاضات العربية كيف استخدم الناشطون من المواطنين وسائل الإعلام الاجتماعي بنجاعة للتنسيق ومن ثم إسقاط عدة حكومات استبدادية.

من جانب آخر مكن تساوي الفرص الذي وفرته الإنترنت الشركات المبتدئة الصغرى من منافسة الشركات الكبرى، وهو الآن بدأ في تقليص التفاوت بين العالم المتقدم والعالم النامي. وقد ساهمت تكنولوجيات الاتصال والمعلومات الحديثة في خفض التكاليف والحواجز الأخرى أمام الدخول، مما مكن المزيد من المتدخلين من المشاركة في الحوكمة والتجارة.

الإنترنت مكنت الإرهابيين من التنسيق فيما بينهم ومكنت الأنظمة الاستبدادية من مراقبة المنشقين وقمعهم


تطويع التكنولوجيا


لكن مع نضج التكنولوجيا، تتعلم النخب، التي تعرض وجودها في البداية إلى التهديد، كيف تطوعها وتتحكم فيها لخدمة مصالحها. ويمكن توفير التكاليف وغيره من الفوائد المتحصل عليها عن طريق التكنولوجيات الرقمية من خلق فرص للجميع، من عمال وشركات ناشئة وحكومات وشركات كبرى. كما دخلت عملية جمع المعلومات والرقابة الجماهيرية من قبل الحكومات وعالم التجارة عهدا جديدا من الفرص غير المتوقعة، سواء لتنمية الإنسان أو استغلاله.

في ما يتعلق برقابة الحكومة على الإنترنت هناك نتائج متفاوتة، فمن جهة قطع الربط بالشبكة يمكن أن يؤثر على الناس العاديين الذين لا يعرفون السبيل لتجاوز الحواجز أو يخافون كسر القوانين، لكنه من جهة أخرى لن يوقف الناشطين مثيري الشغب بل بالعكس من المحتمل أن يحفزهم ذلك على المزيد من التحرك. والمثال على ذلك هو كيفية تعامل مستخدمي الإنترنت أثناء الانتفاضات العربية سنة 2011 حيث لجأ المحتجون المصريون إلى تكنولوجيا الأقمار الصناعية للوصول إلى الشبكة بعد قيام السلطات بقطع الإنترنت لمدة خمسة أيام، أما في ليبيا فلجأ الشباب إلى مواقع المواعيد للتواصل عندما أمر القذافي بإغلاق موقع فيسبوك، حيث ضربوا “مواعيد” لقاء وتبادلوا فيما بينهم قصائد غرامية مستخدمين إياها كلغة مشفرة لتنسيق الاحتجاجات.

أما بالنسبة إلى الأنظمة الديمقراطية الليبرالية فقد سهلت الإنترنت “الحكم المفتوح” وجعلت من السهل على المواطنين الوصول إلى عدد من المسارات السياسية. ويمكن أن نذكر هنا مثال كارل بيدت (وزير الخارجية السويدي) ومارياتيه شاك (عضو هولندي في الاتحاد الأوروبي)، حيث استعملا بنجاعة وسائل الاتصال على الشبكة مثل تويتر لتعزيز التواصل المباشر مع المواطنين.

في ما يخص السلوك الفردي، ما يفعله الأفراد في فضاء الإنترنت هو امتداد لما يفعلونه في حياتهم الفعلية ، فهم لا يتحولون فجأة إلى مخلوقات جديدة بمجرد الربط بالشبكة. الناس يكذبون في الحياة الواقعية ويخادعون على الإنترنت، الناس يغشون في حياتهم الواقعية ويتحايلون على الإنترنت، يتنمرون في الحياة الواقعية ويزعجون على الإنترنت.

ولكن على الإنترنت يمكن أن يشعر الناس بأنهم مجهولو الهوية ومن ثم يكونون أكثر استعدادا لسوء التصرف غير مدركين أن الشبكة يمكن أن تفتح فرصا جديدة لتطبيق القانون لتحديد السلوك الإجرامي ومعاقبته. وبالرغم من أن الناس قد يشعرون بأكثر قوة، يمكن أيضا أن يكونوا عرضة للتلاعب عبر الإعلانات الموجهة والهويات المزيفة.


التحديات الراهنة أمام إدارة الإنترنت


الإنترنت أيضا اختراع أميركي ظهر خلال الحرب الباردة حين بدأ البنتاغون يبحث عن طريقة يطور فيها نظام الاتصال ليتمكن من الوقوف أمام الهجومات النووية، وليتيح للمسؤولين السياسيين والعسكريين التواصل فيما بينهم بشكل جيد.

وبعد ذلك تمت عملية تطوير الشبكة العنكبوتية وكانت في بداياتها مقتصرة على الجانب الأكاديمي عن طريق ربط الجامعات والمكتبات فيما بينها. ثم انتشرت الإنترنت بشكل مطرد لتصبح من أهم وسائل الاتصالات الحديثة ويتم استخدامها في جميع مجالات الحياة المتنوعة.

اليوم وبعد أن تطورت بشكل كبير، تعاني الإنترنت من التشتت سواء في ما يتعلق باللغة أو جدران الحماية الوطنية أو الرقابة السياسية، وهي معرضة لمزيد التشتت. والمثال البارز على الاختلاف في الآراء يتعلق بمسألة التحكم في الإنترنت وهل يجب تخلي الولايات المتحدة عن فرض نفوذها الواسع على الشبكة الذي تحصلت عليه باعتبار دورها الأولي في تطويرها.

وتتولى حاليا شركة “أيكان” (ICANN) وهي اختصار لعبارة معناها “شركة الإنترنت للأسماء والأرقام الممنوحة” إدارة الشبكة عالميا. يرى البعض أن العدد الأكبر من مستعملي الإنترنت لم يعد كما كان من قبل في الولايات المتحدة، فقرابة نصف المستخدمين يوجد اليوم في آسيا ويتوقع أن يتم أكبر نمو في أفريقيا وجنوب أميركا. لذا هناك حاجة إلى ما يمكن تسميته “نموذجا موسعا لتعدد المتدخلين”، أو نموذجا أكثر شمولية يشارك فيه عدد أكبر ومتزايد باستمرار للمتدخلين. ومن بين أبرز المقترحات هو نقل مهام “أيكان” إلى اتحاد الاتصالات الدولية (ITU) التابع للأمم المتحدة. مؤخرا أشار الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى استعداد بلاده للتخلي عن التحكم في الإنترنت، لكن لم تتضح بعد الشروط التي سيتم بها ذلك.

إذن هناك عدد كبير من الفاعلين الذين يطالبون بدور في إدارة الإنترنت – من حكومات ليبرالية، حكومات استبدادية، مواطنين أفراد، ناشطين سياسيين، شركات صغرى، شركات كبرى، وهياكل هندسية. فهل بإمكاننا التوفيق بين مختلف وجهات النظر المتعلقة بمستقبل إدارة الإنترنت؟ وفي حالة عجزنا عن فعل ذلك، هل من المحتمل ظهور أصناف متعددة من الشبكات العنكبوتية ونماذج من الإدارة؟

مجموعات العمل في هيئة "أيكان"
* 70 بالمئة تمثيل أميركي

* 20 بالمئة ممثلون من الاتحاد الأوروبي

* 10 بالمئة فقط من المناطق الأخرى


ضبط السياسات


تخلص الدراسة إلى تقديم مجموعة من المقترحات لضبط سياسات الشبكة العنكبوتية، وذلك بتشريك كل المتدخلين في عملية أخذ القرار حتى تكون هذه العملية شرعية وشاملة للجميع. المشكل هنا هو أن التكاليف وآليات المشاركة تحد من مساهمة الفاقدين للموارد والمصالح والذين لا يتقنون اللغة الإنكليزية. في الوقت الحاضر تضم المساهمة في مجموعات العمل لهيئة “أيكان” حوالي 70 بالمئة تمثيل أميركي، 20 بالمئة ممثلون من الاتحاد الأوروبي، و10 بالمئة فقط من المناطق الأخرى.

المقترح الثاني وفق الدراسة البريطانية يتمثّل في إعادة بناء الثقة. فقد صدم الكثير من حلفاء الولايات المتحدة الأميركية بدرجة تجسس واشنطن على أنشطتهم وذلك بعد الاطلاع على ما صرح به إدوارد سنودن العميل السابق في وكالة الأمن القومية الأميركية.

نتيجة لذلك اتضح حجم الانقسام في وجهات النظر بين الولايات المتحدة وحلفائها في ما يتعلق بالمعلومات وحماية الحياة الخاصة ومراقبة نشاطات المخابرات. كما كان لذلك الكشف عن أعمال التجسس أثر مدمر على التجارة، إذ تزايد توجس البلدان من شراء معدات تكنولوجيا المعلومات بما في ذلك منتجات الحماية والسلامة مخافة أن تكون محتوية على وسائل جوسسة. ويعد حديث أوباما في خطابه بتاريخ 17 يناير 2014 عن مراجعة برامج المخابرات الأميركية بداية مهمة، لكن لإعادة الثقة يتوجب اتخاذ خطوات أخرى منها زيادة جهود التعاون الدولي للتعامل مع جرائم الإنترنت التي تعرض المواطنين والحكومات من كل أصقاع العالم للمخاطر.

المقترح الثالث يقضي بالمحافظة على مبادئ حياد الإنترنت، وذلك عن طريق الحيلولة دون سيطرة الشركات الكبرى عليها ووقف الانزلاق نحو خلق مجموعات ذات حظوة للأثرياء فقط. وهذا شرط ضروري من أجل المحافظة على الرخاء والإبداع اللذين توفرا بفضل الإنترنت.

أما آخر الاقتراحات التي انتهت بها الدارسة فهو تحسين مساءلة المؤسسات وشفافيتها، حيث يرى الباحثون أنه يجب أن تكون طريقة اتخاذ القرارات حول إدارة الإنترنت شفافة ومفهومة وذلك مثلا بفتح اجتماعات هيئة “أيكان” الخاصة بإدارة الشبكة للملاحظين الأجانب. فضلا عن ذلك يجب أن تكون التقارير عن إدارة الإنترنت الصادرة عن الحكومات والهيئات التجارية مفهومة أكثر لكل المتدخلين وليست حكرا على التقنيين بسبب كثرة الاختصارات والمصطلحات التقنية الصعبة.

6