السلطة والنقابة والسلم الاجتماعية في تونس

الثلاثاء 2015/10/06

السلم الاجتماعية قيمة كبرى يطمح إليها التونسيون وتناضل من أجلها القوى التقدمية. وهي تتلخص في الوفاق الاجتماعي والاستقرار الأمني والاقتصادي، وتوفُّر الحد الأدنى من الرفاه الشعبي. ولا تكون السلم الاجتماعية إلا في مجتمع منسجم خال من النزاعات العرقية، وفي ظلّ نظام ديمقراطي يضمن التداول على السلطة، وضمن دولة عادلة، وشعب يؤمن بقيمة العمل والمواطنة القائمة على جدلية الحق والواجب.

وعبارة السلم الاجتماعية تتردد كثيرا في الفترة الأخيرة على ألسنة رؤوس الدولة التونسية لاسيما الباجي قايد السبسي رئيس الجمهورية، والحبيب الصيد رئيس الحكومة، ومحمد الناصر رئيس مجلس نواب الشعب، وكذلك على لسان حسين العباسي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل. بينما تستثنى آراء المعارضة السياسية من هذا الموضوع. كما لم نسمع، بعد، أصوات بقية المنظمات الوطنية منه لا سيما الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية أو ما يعرف باتحاد الأعراف، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين وجمعية القضاة التونسيين وغيرها.

وهذا يعني أنّ شؤون تونس يُرادُ لها أن تنحصر مجددا بين السلطة الحاكمة وشريكها الاجتماعي اتحاد الشغل، كما كان الشأن في عهد الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي. فلكأن الأطراف التي تتداول الحديث في السلم الاجتماعية وتحتكر النقاش بينها حوله قادرة وحدها على تحقيق السلم الاجتماعية. وهذا غير متاح لمن يلقي نظرة فاحصة على المجتمع التونسي وعلى المشهد السياسي فيه. فالثورة التونسية فجرت المشهد السياسي فصار متعددا متنوعا يتسم بالتحول المستمر في ما يتصل بالتوازنات السياسية وبموازين القوى وبالتحالفات المنحلة أو القائمة.

والأهم من هذا كله هو أن في تونس اليوم معارضة سياسية حقيقية لها بدائلها ولها كلمتها المسموعة. ولا يمكن أن ينبني أي مشروع مجتمعي لتونس دون مشاركتها وتأثيرها ودون أخذ رأيها والإصغاء إلى ملاحظاتها إذا تكلمت، والاستجابة إلى تعديلاتها إذا عدّلت، كما حدث مع قانون المجلس الأعلى للقضاء وقانون المحكمة الدستورية وقانون مكافحة الإرهاب، وكما يحدث مع قانون المصالحة الاقتصادية.

المعارضة السياسية التونسية تعتبر أن الحديث عن السلم الاجتماعية حديث أجوف لأن طارحيها لم يوفروا شيئا من شروطها الموضوعية

والملاحظة الأبرز في هذا السياق أن الأطراف السياسية صاحبة السلطة لا تملك شيئا من الشارع ولا تتحكم في الحراك الاجتماعي ولا تستطيع أن تؤثر فيه. فحركة النهضة زمن الترويكا كانت مدعومة بالميليشيات السلفية وتيار أنصار الشريعة الإرهابي وبرابطات الدفاع عن الثورة العنفية، ومع ذلك فشلت في احتواء الشارع والسيطرة عليه. وبقي ملك المعارضة اليسارية والنقابية والتقدمية عموما.

المعارضة السياسية بثقل الشارع وبأدوارها العظيمة التي لعبتها في زمن الترويكا تمكنت من قلب التوازنات لصالحها ودفعت الثمن غاليا من دم شهدائها شكري بلعيد ومحمد البراهمي ومحمد بالمفتي ومجدي العجلاني. ولذلك لا يمكن الحديث عن سلم اجتماعية دون موافقة المعارضة السياسية وانخراطها. والحزبان الأغلبيان الحاكمان نداء تونس والنهضة يعرفان ذلك جيدا.

وتعتبر المعارضة السياسية التونسية أنّ الحديث عن السلم الاجتماعية حديث أجوف لأن طارحيها لم يوفروا شيئا من شروطها الموضوعية. ومن أوكد هذه الشروط تحقيق التنمية وضمان الشغل والكرامة لحوالي 18 بالمئة من الشعب التونسي، والقضاء على الإرهاب والجريمة والتهريب، وتنفيذ العدالة الاجتماعية والجبائية. فأي سلم اجتماعية مع الفقر والجوع والبطالة والتفاوت الطبقي والجهوي والإرهاب؟

أما اتحاد الشغل الطرف الرئيسي في مسألة السلم الاجتماعية فإنه موزع بين مشكلتين كبرتين أرهقتاه فجعلتاه يتعجل الحديث عن السلم الاجتماعية. المشكلة الأولى في علاقته بالحكومة في مستوى المفاوضات العامة إذ تعب كثيرا في التوصل إلى إمضاء اتفاق الزيادة في أجور موظفي الدولة. والحقيقة أن الاتفاق زهيد جدا لا يتجاوز مقدار اتفاق السنة الماضية. وهو لا يتناسب مع غلاء الأسعار والارتفاع المطرد لنسبة التضخم. ومع ذلك يجهد الاتحاد نفسه لإقناع الرأي العام بأنه لم يكن بالإمكان أفضل مما تتحقق، بالنظر إلى ما تعانيه الدولة من مشاكل العجز ومن تراجع نسبة النمو ومن انكماش اقتصادي.

وفيما حاولت الحكومة أن تروّج لصورة إيجابية لشريكها الاجتماعي باعتباره قد عبر من خلال قبوله بعرضها عن تفهمه لوضع البلد وعن وطنيته، يسود انطباع عند الرأي العام بأن اتحاد الشغل كان في موقف ضعف وخضع لإرادة الحكومة ورؤيتها، لاسيما أن مفاوضات قطاعية كثيرة توقفت مع الوزارات المعنية وتم ترحيلها إلى المفاوضات العامة، حيث تولت المركزية النقابية التداول في شأنها مع رئاسة الحكومة عوضا عن النقابات القطاعية. ولم تكن النتيجة كما يأمل منخرطو الاتحاد وقواعده الذين يتجاوز عددهم 700 ألف منخرط.

المشكلة الثانية متصلة بالطرف المؤجر الثاني في تونس والذي يمثل القطاع الخاص ألا وهو اتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية الذي سنة 1947، بينما بعث اتحاد الشغل تأسس سنة 1946. فلئن تمكن اتحاد الشغل من إمضاء اتفاق الزيادة في أجور القطاع العام على هناته، كما ذكرنا أعلاه، فإنه فشل إلى حد الآن في الاقتراب من أي صيغة اتفاق مع نقابة الأعراف. ولا بد من التذكير بأن التشنج في علاقة نقابة الشغالين بنقابة المشغلين بدأ منذ أشهر عندما انتقد حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، التهرب الضريبي لرجال الأعمال.

هذا التوتر في علاقة اتحاد الشغل باتحاد الأعراف بدأت تباشيره تظهر قبيل عيد الأضحى من خلال إضراب سواق شاحنات نقل البنزين الذي تم رفعه بعد الإعلان عنه وتمت تسويته. واليوم يهدد اتحاد الشغل بإضراب عام تاريخي في القطاع الخاص ردا على تعنت منظمة الأعراف في رفض التفاوض حول الزيادة في أجور الشغالين. بينما يراهن اتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية على عامل نفسي صار مؤثرا اليوم في تونس، وهو المتمثل في ضجر الشارع التونسي من الإضرابات ومن كل أشكال النضال النقابي.

وربما يحتاج التفاوض بين نقابة الشغالين ونقابة الأعراف إلى وساطة أخرى من رئيس الجمهورية كما فعل بين الاتحاد والحكومة.

والخلاصة أن الحديث عن السلم الاجتماعية في تونس بعيد جدا عن الواقع الراهن في ظل نسبة نمو لم تتجاوز 0.5 بالمئة وفي ظل وجود أكثر من 700 ألف عاطل ينتظرون حقهم في التشغيل، وفي ظل تنمية جهوية معطّلة وبطيئة جدا في أحسن الأحوال.

كاتب وباحث سياسي تونسي

9