السلفية الجهادية الكردية والدعم الإيراني

تحاول إيران استغلال القوة السلفیة المتعصبة في خدمة مصالحها، لذا نری كیف أنها تغض الطرف عن السلفیین عندما لا یشكلون خطرا علیها، في حین تضربهم بقوة إذا أضروا بمصالحها.
الاثنين 2017/07/31
الملا كريكار والاستجابة للخطط الإيرانية

الدلیل علی استخدام إيران للسلفية لصالحها، أنه عندما قامت كتائب القاعدة في كردستان بمحاولة اغتیال فاشلة للملا بختیار، أحد قادة الاتحاد الوطني الكردستاني في العام 2005، أثبتت التحقیقات تورط المخابرات الإيرانیة في المحاولة، على الرغم من أنه وحزبه من التابعین للحكومة الإيرانیة، وقد جاءت المحاولة كرد فعل علی اتهام الملا بختیار بمساندة بعض الصحافیين والكتاب الأكراد الإيرانیین.

تتمنى إيران كقوة طائفیة مذهبیة تأسیس قوة مذهبیة سنیة متطرفة في كردستان إيران، تتمكن من خلالها من تجاوز الأحزاب الكردیة، الخاملة والفاشلة وعدیمة النشاط أصلا، وتجهض الحلم الكردي القومي الدیمقراطي من خلالها، وتشوه المجتمع الكردي المنفتح والدیمقراطي، وتشغله بسجالات دینیة تافهة تدور حول حف الشوارب وإعفاء اللحیة وتقصیر الثیاب، وتكفیر العلمانیة والدیمقراطیة، وتكفیر الناس وتبدیعهم، وتكفیر الشیعة على الرغم من أنهم یتلقون رعایة الجمهوریة الإسلامیة التي تعتبر نفسها حامية حمی الشیعة والتشیع في العالم. ومع إفساح المجال لظهور السلفیین وتقویتهم داخل المجتمع الكردي.

لا تكتفي إيران باتباع هذه السیاسة في كردستان إيران، بل تفرض، من خلال حلفائها، السیاسة نفسها في كردستان العراق.

فالسلفیة في مناطق السلیمانیة وأربیل ودهوك وكركوك تعمل علی قدم وساق لتحویل شباب الأكراد إلى السلفیة المتطرفة، وقد تم توفیر الأمن والأموال والقنوات الفضائیة والإذاعات المحلیة لهم، ولو أرادت إيران أن تمنع هذه الظاهرة علی الأقل في السلیمانیة وكركوك اللتین تقعان تحت سیطرة الحزب الحلیف الأول لها، لكان بإمكانها أن تفعل ذلك بإشارة من إصبعها للاتحاد الوطني الكردستاني، وكلنا نتذكر كیف أن دلشاد كلاري أو كرمیاني، الذي هو من أشهر الشخصیات السلفیة الجهادیة الكردیة في العراق، توجه بعد الضربة الأميركیة لأنصار الإسلام عام 2003 إلى إيران، وبقیت إيران تحافظ علیه بسبب وجود اسمه علی القوائم الأميركیة للإرهاب إلى حین عودته إلى كردستان العراق بعد أكثر من سنتین.

كما نعلم أن الجمهوریة الإسلامیة منذ نشأتها كانت تربطها علاقات قویة مع الأصولیین السنة والشیعة، والسلفیة الجهادیة في المناطق السنیة لهذه الدولة ظاهرة لا یمكن إنكارها، ويعود تاریخها إلى 15 سنة قبل الآن. لم تحاول السلطة الإيرانیة یوما أن تقطع الطریق علی هذه الظاهرة إلا في الأوقات التي كانت تصل إلى نقطة تشكل فيها خطرا علیها. وهذا يعود علیها بفائدتین:

تتمنى إيران كقوة طائفیة مذهبیة تأسیس قوة سنیة متطرفة في كردستان إيران، تتمكن عبرها من تجاوز الأحزاب الكردیة

لماذا تشجع إيران تحول الأكراد في بلادها وفي العراق إلى السلفیة المتطرفة؟ إيران ترید أن تحول مسار النضال الكردي القومي المعتدل إلى حرب طائفیة سنیة وشیعیة، لتسهل علیها وصم الأكراد بالإرهاب الداعشي، ولا یتعاطف معهم العالم حین تضربهم بید من حدید بحجة ضربها للسلفیة الداعشیة، وهو السیناریو الذي حدث في سوریا وفي العراق، حین دفعت الحكومة أهل السنة دفعا إلى أحضان داعش، وفشلت في إیجاد حل سیاسي والتعامل بروح الدولة المدنیة الدیمقراطیة معها.

إن الجمهوریة الإسلامیة تمهد عن قصد لنشاطات السلفیة الجهادیة (القاعدة وداعش). وهذه السیاسة لیست فقط ضد الحركة الوطنیة الكردیة، مع أنها هي المستهدفة بشكل رئیس، بل تعادي تحت مسمی الخلایا السریة للقاعدة وداعش التیار الإسلامي المعتدل المتمثل في مكتب القرآن والمنتمین إلى الطرق الصوفیة النقشبندیة والقادریة. ما معناه أن إيران تدعم عن قصد تقویة وتطوير المنظمات الإرهابیة، وتزرع السموم بوعي في كردستان إيران. وبحسب الأنباء التي تصلنا من هناك، فإن رجال الدین والدعاة المنتمین إلى القاعدة والدواعش لدیهم علاقات وأواصر قویة مع المؤسسات التجسسیة الإيرانیة.

تساند إيران هذه المجموعات السلفیة عن قصد لتقطع الطریق عن أي نشاط مسلح كردي في حالة استئنافه، وسیدفع هؤلاء الأفراد إلى القیام بتفجیرات وتفجیر أنفسهم، وستتخذ الحكومة منهم ذریعة للمزید من القمع وإذلال الشعب الكردي بحجة محاربة الإرهاب.

من مصلحة إيران ألا تستقر الأمور في باكستان وأفغانستان وكردستان إيران والعراق، لذا نری إيران ترعی السلفیین وتساعدهم من أجل استخدامهم كورقة ضد كردستان أولا، ثم ضد هذه الدول، لكن هذه لعبة خطیرة لا یمكن التنبؤ بنتائجها.

إن السلفیة الكردیة على الرغم من أنها ظهرت واشتد عودها تحت نظر وموافقة السلطة الإيرانیة، إلا أنها أصبحت قوة حقیقیة تخطط لیس فقط لكردستان إيران، بل لعموم إيران، ولها فروع في بلوشستان وجنوب إيران وفي مناطق تركمان الصحراء وحتى في طهران نفسها. فكما أطلق الرئیس المصري الأسبق أنور السادات العنان للقوی الإسلامیة المتطرفة ضد القوی الوطنیة والیساریة، انتهت بقتله علی أیدی القوی الإسلامیة المتطرفة، كذلك فإن هذه اللعبة المقیتة الخطرة التي تلعبها إيران ضد الأكراد بنشر السلفیة وتقویتها لاستخدامها في تكتیكاتها ضد الأكراد ودول المنطقة، سوف تعود بضررها علیها أكثر، وقد رأینا بوادر هذه المخاطر بما تنشره الصحافة الإيرانیة عن ظهور تشكیلات مسلحة سلفیة كردیة مبایعة لتنظيم داعش في أرضیها، بل هناك أنباء عن حدوث اشتباكات علی الأرض، على الرغم من تشكیك الإعلام المعارض فیها.

تحاول إيران دفع الأكراد نحو التطرف السلفي، وقد أعدمت مجموعة من السلفیین الأكراد في سجونها، كما تحاول إثارة الشعب الكردي، وسلطت علیهم أضواء إعلامیة كثیرة من الإعلام العربي والأجنبي، وعلى الرغم من عدم تمتع السلفیة بشعبیة بین الناس، فإن إعدام حوالي 30 نفرا دفعة واحدة في أغسطس من العام 2016، أثر في إیقاظ الشعور المذهبي شیئا ما.

وأظهر السلفي الملا كریكار (نجم الدين فرج) ردة فعل تصب في خدمة المخططات إيرانیة، وكأنه یرید تطبیق استراتيجية إيران الطائفیة في تحویل ساحة الصراع الكردي إلى صراع طائفي، حین قال في تصريح له بخصوص هذه الإعدامات “تأكدوا أننا متمسكون بدیننا أكثر منكم ونحافظ علی توحیدنا بأرواحنا، وإن شرككم وظلمكم وجبروتكم لن تستطیع أن توقف مسیرتنا من أجل حب الله".

خلاصة من بحث أوميد فاضل علي “إيران تحتضن السلفية الكُردية”، ضمن الكتاب 126 (يونيو 2017) “السلفية في كُردستان العِراق” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي

13