السلفية الجهادية بالمغرب أمام سؤال الاندماج

الأحد 2016/04/10
العبرة بالممارسة لا بالشعارات

الرباط – تحولت السلفية إبان استقلال المغرب إلى تيارات وأعلام متعددة التوجهات والقراءات للمشهد الديني والسياسي على حد سواء، فظهر تيار السلفية العلمية مع تقي الدين الهلالي الذي اختار التوجه الفقهي والعلمي. ثم ظهرت مع مطلع الثمانينات من القرن العشرين تيارات سلفية جهادية وأخرى متطرفة، كانت نتائجها كارثية على مستوى تجييش الشباب نحو اعتناق أفكار التشدد ونبذ التعددية الفكرية والعقدية.

ترتب عن ذلك التحول اعتقال العديد من رموز هذه السلفية إبان الأحداث الدامية التي عرفتها مدينة الدار البيضاء سنة 2003، أبرزهم أبو حفص وحسن الكتاني وحسن الشاذلي وعمر الحدوشي ومحمد الفزازي، وتم الحكم عليهم بسنوات طويلة قبل أن يتم الإفراج عنهم بعفو ملكي، جرّاء المراجعات الفقهية التي تم الإقرار بها من طرفهم.

حول مكانة هذه الرموز السلفية داخل الخارطة السياسية الحزبية المغربية، يقول عبدالإله السطي، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، لـ”العرب“، “نحن الآن أمام مسعى إدماج هذه الرموز داخل المشهد السياسي الرسمي الذي بدأ باجتهادات ومراجعات فكرية ومذهبية أسفرت عن إقرارهم بأهمية التعددية السياسية والفكرية وصولا إلى إقرارهم بأهمية المشاركة السياسية داخل الحقل السياسي الرسمي”.

ويرى السطي أن السلطة نجحت في ضم هذه الرموز السلفية داخل أحزاب سياسية قديمة كحزب النهضة والفضيلة بقيادة أمينه العام محمد خليدي، الذي اتضح أنه ساهم بإيعاز من السلطة السياسية في محاولة احتواء جزء من التيار السلفي في المغرب.

وانضم إلى حزب النهضة والفضيلة كل من الشيح محمد عبدالوهاب رفيقي، المعروف بأبي حفص، وهشام التمسماني وجلال المودن وعمر الحدوني، كما ضمت القيادة عبدالعالي الحارث، المعتقل السابق في صفوف الشبيبة الإسلامية والذي تم انتخابه رئيسا للمجلس الوطني. أما الشيخ محمد الفزازي فيبدو أنه لازال لم يحسم انتماءه السياسي بعدما قال إنه تلقى “دعوات للانضمام إلى أحزاب سياسية كبرى وصغرى ولم أستجب“، فيما فضل الرمزان السلفيان عبدالكريم الشاذلي وحسن الخطاب العمل من داخل حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية.

وعلى اعتبار أن محمد خليدي كان السياسي الوحيد المسموح له بلقاء هذه الزعامات السلفية داخل السجون، فقد أوضح الباحث المغربي في الجماعات الاسلامية، أن هذا يوحي بمساهمته المركزية في توطيد الاجتهادات التي أقدمت عليها هذه الزعامات داخل السجن.

العفو الذي أصدره العاهل المغربي عن 4215 من المعتقلين، من ضمنهم 37 من معتقلي السلفية الجهادية ليس شيكا على بياض لهؤلاء، بل يمكن اعتباره تشجيعا مشوبا بحذر لإبراز حسن النية ولا يقرأ خارج أبعاده وسياقاته الداخلية والإقليمية والدولية

ويؤكد عبدالإله السطي، أن اندماج بعض رموز وزعامات السلفية بالمغرب داخل أحزاب سياسية رسمية سيمنحها مساحات للتحرك وبلورة مراجعاتها ونظرتها الإصلاحية التي تحملها نحو المجتمع، وفق شروط مسبقة متمثلة بالأساس في احترام ثوابت الأمة وفك أيّ ارتباط بأجندات خارجية.

وظل ملف السلفيين بالمغرب مرهونا بحسابات أمنية وسياسية مرتبطة بكيفية تأطير هؤلاء وانضباطهم لهارمونية العمل السياسي وقيم الديمقراطية والتعددية داخل المجتمع المغربي، ولعل انضمام مجموعة من شيوخ السلفية الجهادية إلى بعض الأحزاب الصغيرة يطرح السؤال الأساس الذي سيندمجون وفقه هل هو أيديولوجي أم مصالحي أم هوياتي؟

نطرح هذا السؤال لقناعتنا أن العفو الذي أصدره العاهل المغربي، الملك محمد السادس، في العام الماضي بمناسبة الذكرى 40 للمسيرة الخضراء، عن 4215 من المعتقلين، من ضمنهم 37 من معتقلي ما يسمى “السلفية الجهادية“، ليس شيكا على بياض لهؤلاء، بل يمكن اعتباره ورقة حسن نية وتشجيع مشوب بحذر ولا يقرأ خارج أبعاده وسياقاته الداخلية والإقليمية والدولية.

الهدف هو وضع السلفيين الجهاديين أمام اختبار مدى صدق نزوعهم نحو العمل السياسي والتعامل مع أبجديات الديمقراطية وواقع التجربة المغربية في التعددية السياسية والمدنية، ونستحضر هنا بشكل خاص تصريح عبدالكريم الشاذلي، الذي قال فيه إن الخطوة الملكية “مبادرة طيبة من الدولة. ونحن بهذا فتحنا صفحة جديدة في إطار المصالحة والاستقرار في المجتمع“.

وقد أكد أمين عام حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية في أكثر من مناسبة أن هؤلاء السلفيين التحقوا بالحزب من أجل ممارسة العمل السياسي في إطار ثوابت الأمة، مضيفا أن هؤلاء يتوفّرون على القناعة التامة للانخراط في العمل السياسي، ولولا ذلك لما قبلتهم الحركة ضمن صفوفها.

ومن هنا يتساءل المتابع عن هوية تلك الأحزاب التي ستلعب دور الاستقطاب والتوجيه وتحديد رقعة اللعب؟ وأجاب على هذا التساؤل عبدالإله السطي قائلا إنها الأحزاب التي تعتبر قريبة من السلطة والمتمثلة بالأساس في حزب النهضة والفضيلة الذي ساهم أمينه العام محمد خليدي في بلورة مسألة المراجعات الفقهية والفكرية التي أقدمت عليها قيادات وزعامات السلفية داخل السجون.

أمين عام حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية: السلفيون الذين التحقوا بالحزب من أجل ممارسة العمل السياسي هم على قناعة تامة بالانخراط في العمل السياسي ولولا ذلك لما قبلتهم الحركة ضمن صفوفها

وسبب اختيار هذه الأحزاب حسب ذات المتحدث، كونها لا تشكل أيّ مشكل بالنسبة إلى السلطة السياسية نظرا لقربها السياسي من توجه النظام، مما سيسهل عملية احتواء هذه الرموز السلفية داخل الإطار الرسمي للعبة السياسية بالمغرب. وبالتالي فالأمر لا يتعلق بتوجه أيديولوجي أو هوياتي بل بجانب مصلحي ترى فيه السلطة السياسية أن عمل هذه التيارات السلفية سيكون أكثر وضوحا واحتواء إذا ما تم تحت أنظارها ومراقبتها.

إذن كيف ستقبل قواعد تلك الأحزاب هذا الوافد السلفي الجديد على العمل السياسي، سواء باعتبارهم أفرادا أو حاملين لقناعات وطروحات ليست بالضرورة تتماشى والخط الأيديولوجي للحزب؟ سؤال تصدى له عبد الإله السطي بالقول “إننا أمام أحزاب سياسية قديمة بهويات أيديولوجية غير واضحة لكنها صغيرة بحيث تكاد لا تُمثّل بالبرلمان إلا ببعض النواب محسوبين على رؤوس الأصابع، وبالتالي ليست لها قواعد كبرى”.

وأشار عبدالصمد عرشان، الأمين العام لحب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، إلى أن خطاب حزبه كان دائما خطابا أخلاقيا أكثر ممّا هو سياسي، وهو الخطاب الذي ظل دائما منسجما مع قناعات هؤلاء السلفيين الجهاديين الذين انضموا للحزب وتوجههم الفكري.

لهذا يؤكد الباحث المغربي أن معيار اعتمادها من قبل هذه التيارات السلفية أو من قبل السلطة السياسية، هو مدى الإمكانيات التي ستقدمها بتأطير عمل هذه التيارات بالشكل الذي يجعلها تشتغل في العلن، كما يفرض عليها الالتزام بقواعد اللعبة السياسية.

ويختم عبد الإله السطي، حديثه مع “العرب”، بتأكيده أن هذه الخطوة من شأنها أن تؤثر في حيّز المجال الذي يمكن أن تتحرك داخله هذه السلفية مستقبلا، بالشكل الذي لا يشكل أيّ خطورة مذهبية أو سياسية على المشهد السياسي برمته في المغرب.

4