السلفية للإخوان: "مائعون وتريدون أكل الدنيا بالدين"

الجمعة 2013/12/13
من جماعة دعوية إلى حزب يتمسك بتلابيب السلطة، داس الإخوان على الجميع خصوما وأعداء

المتابع لملامح تيارات الإسلام السياسي في العالم العربي، قد يتصور للوهلة الأولى أن الإخوان المسلمين والسلفية، تجمعهما علاقات حسن الجوار الفكري والأيديولوجي، لكن الحقيقة أن البون شاسع بين هؤلاء وأولئك وتعبيرات الشقاق كثيرة وعديدة، رغم ما يبدو على العلاقة من انسجام فكري وسياسي.

للمدرسة السلفية أسبقية الزمن والتاريخ على ظهور جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست (كما أصبح معلوما لدى الجميع) عام 1928، ولاشك أيضا أنها نهلت من معين المدوّنة السلفية قديمها وحديثها، بدءا من ابن تيمية وصولا إلى محمد بن عبدالوهاب، مرورا بابن قيّم الجوزية.

الاستلهام الإخواني من المنطلقات السلفية لم يحل دونَ سعيهم إلى «التفرّد» عن ذلك المعين الأيديولوجي، وكان التفرّد يحمل عناوين سياسية ممارساتية براغماتية، هنا بدأ الفرق المعياري الذي توصّل إليه البعض بشأن الفروق بين التوجهات السياسية الحركية الإخوانية، وبين الأرضية الأيديولوجية السلفية التي لا تعيرُ اهتماما كبيرا لمسائل التنظيم والممارسة السياسية، بل تركّز أساسا على استرجاع لحظة السلف الصالح بكل ما تعنيه من إحالات دينية وفقهية وشرعية.

جماعة الإخوان المسلمين (بمختلف فروعها) شيدت متصوّرها السياسي على الخروج من الجانب الدعوي الصرف للسلفية، إلى تأسيس بنية فكرية أيديولوجية ترنو إلى أهداف وغايات سياسية محددة وواضحة وهي الوصول إلى الحكم عبر منطلقات دينية. ورغم تأثرها الجليّ بـ"المنهج الإسلامي الذي يدعو إلى فهم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة" إلى أن جماعة الإخوان ومنذ سنواتها الأولى أضافت إلى المشترك الدعوي الذي يجمعها بالمدرسة السلفية، جرعة من الغلوّ والتشدد والبراغماتية، تمثلت أساسا في النزوع للعنف (منذ الخمسينات في مصر) وقامت أيضا على تشييد بنية تنظيمية وهيكلية صارمة تتمحور حول الجهاز السريّ للجماعة، وحول مبدأ «السمع والطاعة والولاء للقيادة» وقاعدة «إسلام التنظيم وجاهلية من عاداه». هذه الترسانة من القواعد والمبادئ فضلا عن الهياكل السرية المسلحة، هي ما يميز جماعة الإخوان المسلمين عن المدرسة السلفية. الإخوان استوعبوا كل الإرث الفكري الأيديولوجي السلفي لكنهم أسبغوا عليه رداء من الفكر السياسي الممارساتي، ليفرز ذلك متصورا إسلامويا هجينا يمثل أقصى تعبيرات دمج الدين بالسياسة.

عمليا، احتاجت جماعة الإخوان المسلمين دائما إلى «السند السلفي» وكانت تسوّق لفكرة مفادها أن ما يجمع الجماعة بالسلفية هو رباط النبع الصافي للدين الإسلامي، أي السلف الصالح، لكن هذا القول غير مكتمل ويفتقد جزءه المخفي وهو أن الجماعة تغازل الامتداد السلفي في بعض مناطق العالم العربي (الخليج العربي مثالا)، وتستغل أيضا فترات المدّ والصعود التي تعرفها التيارات السلفية في بعض الأقطار، كما حاولت استقطاب بعض التيارات السلفية وإدخالها تحت العباءة الإخوانية. نشير هنا إلى أن السلفية عرفت انقساما حادا منذ بداية تسعينات القرن الماضي مع ظهور تيارات جهادية تزعم الانتساب إلى المدرسة السلفية (على خلفية بعض القضايا السياسية مثل حرب الخليج وأحداث السودان بين 1992 و1996 وصولا إلى حدث 11 سبتمبر 2001) لكنها عُدّت نزوعا خطيرا نحو التشدد والغلوّ والعمل المسلح، واعتبرها البعض «نهجا جهاديا» أكثر من كونها انتماء للمدوّنة السلفية، وعرفها البعض الآخر بكونها «سلفية حركية»، في حين اعتبرت كتابات فقهاء وعلماء السلفية بأن دعاة المنهج الجهادي «تغاضوا عن الدعوة للتوحيد وترسيخ العقيدة في نفوس المسلمين وأنهم اعتمدوا في جهادهم على بعض الفتاوى والتطبيقات الخاطئة».

تبرؤ السلفية التقليدية من الجموح الجهادي قابله «تسرب» إخواني بين الفريقين عبر محاولة استفادة من الامتداد والأصالة السلفية التقليدية، وعبر السعي لجني ما تحقق من مكاسب بالجموح الجهادي، بل وبالاعتزاز به إن حتمت مقتضيات النفعية السياسية واعتبار الفعل الجهادي سليل الفكر القطبي.

جماعة الإخوان المسلمين شيدت متصوّرها السياسي على الخروج من الجانب الدعوي الصرف للسلفية، إلى تأسيس بنية فكرية أيديولوجية ترنو إلى أهداف وغايات سياسية محددة وواضحة وهي الوصول إلى الحكم عبر منطلقات دينية.

الاستلهام الإخواني للمبادئ السلفية والتعامل النفعي البراغماتي مع دعاتها ورموزها وحركاتها، صنع علاقة ملتبسة احتاجت إلى مرحلة ما بعد الثورات العربية لكي تفكّ طلاسمها وتهتك حجبها. مع سقوط أنظمة الاستبداد في تونس ومصر وغيرها، نزعت جماعة الإخوان عن نفسها رداء «المظلومية» وشرعت في البحث عن مداخل الحكم والسلطة، ولذلك بادرت أولا إلى الاستنجاد بكل التيارات الإسلامية، وكان شعارها هنا أو هناك أن «الإسلام هو الحلّ» أو أن أبناء الجماعة (التي استحالت بسرعة أحزابا سياسية) هم ممن يخافون الله، وكان الرهان الأساسي على التيارات السلفية التي اعتبرت (عند الإخوان وعند المراقبين) الخزان الانتخابي الجاهز لخدمة دعاوى الإخوان السياسية.

في التكتيك الإخواني أمثلة ودرجات ومستويات، والمقصود بهذا أن الأحزاب الإخوانية سواء في مصر أو في تونس، كانت توظف الفضاءات المسجدية لتقديم الخطاب السياسي وكانت في ذلك تغازل المتلقي السلفي بأن تستعمل كلّ أدبياته وأفكاره ومنهجه الدعوي، في الآن نفسه يقدّمُ خطاب آخر مدني وحداثي وديمقراطي يستعير مصطلحات وقواميس أخرى، لا تمت بصلة للأولى بل تنتمي لزمن آخر. نحن هنا إزاء نفاق سياسي إخواني مزدوج؛ خطاب خاص بكل متلقّ، والغاية طمأنة البعض واستمالة البعض الآخر.

لكن زيف الادعاءات الإخوانية، لم يحتج طويل وقت قبل انحساره وتحلله، فقد وقفت جميع القوى السياسية على حقيقة مفادها أن الجماعة تهدف أساسا للتمكين والهيمنة على الأخضر واليابس، ومثلما تبين للقوى الثورية والشبابية في مصر مثلا أن الجماعة وحزبها تعمل جاهدة لأسلمة المجتمع والدولة والمؤسسات، فقد اتضح للتيارات السلفية أيضا أن الجماعة لا تعطي شيئا بيد إلا لتأخذ أضعافه بيد أخرى، ولذلك كان نقد التيارات السلفية للإخوان لاذعا وطال مستويين؛ الأول دعوي ديني وفقهي ومفاده أن الفكر الإخواني هو «فكر القضايا الدينية»، أما المستوى الثاني فهو سياسي ويقوم على أن الإخوان «يأكلون الدنيا باسم الدين».

التوصيف الذي أسندته الدعوة السلفية المصرية للفكر الإخواني ولسلوك الجماعة، كفيل بتبيان المسافة التي تزداد توسعا بين الفريقين، وهي مسافة انطلقت من التحفظات السلفية على الأداء السياسي للإخوان منذ زمن مرسي، حين أبدى التيار السلفي المصري توجسه الشديد من الصعود الإخواني لعلمهم بأن الجماعة تسعى حثيثا لأخونة الدولة والفضاء العام بأسره، لتصل إلى القضاء على كل التيارات الإسلامية القائمة لأن الفكر الإخواني لا يقبل الاختلاف ولا يتعايش معه لأنه إقصائي في التكوين.

وتواصلت التحفظات السلفية مع الصخب الإخواني بعد إسقاطهم من الحكم، حيث أبدت بعض قيادات حزب النور اعتراضها على المظاهرات الإخوانية في الشارع وإصرار الجماعة على احتلال كل الفضاءات العامة لفرض عودة مرسي، وتواصل ذلك أيضا مع بداية الحديث عن المرحلة الانتقالية وقضايا الدستور والانتخابات.

حيث أدلى سامح حمودة القيادي البارز في الدعوة السلفية المصرية بتصريح يلخص تحوّل النظر السلفي لجماعة الإخوان حين قال إن «جماعة الإخوان ستخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة وستوظف شعارات رابعة وعددا من أعضائها الشباب من أجل مصلحتها» وأضاف: «مقاطعة الانتخابات ليست أحد الخيارات المطروحة، فجماعة الإخوان تقاطع كل شيء إلا الانتخابات، وأتصور أنهم سيوظفون شعارات رابعة، وسيستخدمون الشباب البريء للدفع بهم وإيهامهم أن التصويت لصالحهم واجب شرعي ووطني».

العلاقة بين الإخوان والتيارات السلفية مشوبة بالغموض والتداخل والالتباس والتشابك، بنفس درجة تشابك فكر الجماعة بالفكر السلفي. والعلاقة تكتنفها ميزة أساسية تقوم على الاستغلال المزدوج؛ استلهام أيديولوجي لا يمكن نفيه أو إخفاؤه، ويوازيه استغلال تكتيكي يتفاوت منسوبه حسب المراحل والظروف، لكن الجماعة بوصفها تنظيما نفعيا يريد أن «يأكل الدنيا بالدين» فإنه ينتصر للمنفعة والممارسة ومكاسب السياسة على الاستلهام الفكري.

13