السلفية مع السمهوري والراشد والسيد

الأحد 2016/09/18

تعليقا على مقالتي “مؤتمر غروزني: شمعة تتحدى الظلام”، سعدت بتعليقين كريمين من قلمين نبيلين لشخصين عزيزين، الأول هو الأستاذ عبدالرحمن الراشد في صحيفة (الشرق الأوسط) تحت عنوان “الجهل ملة واحدة”، والثاني هو الأستاذ رائد السمهوري في صحيفة (الوطن) تحت عنوان “هل مؤتمر الشيشان شمعة تتحدى الظلام”.

ونبدأ بمقالة الأخ السمهوري التي صارعت طواحين الهواء، فما ذكره من فتاوى أو آراء أشعرية، كنت قد أشرت إلى أمثالها في مقالتي منبها إلى فرق جوهري بين السنة وبين السلفية، وهو أن السنة قد تجاوزوا هذه الآراء، أما السلفية فما زال موقفهم المعادي للمخالف وللمختلف جاثما على قلوبنا وعلى أعناقنا، أين حضور الفتاوى التي نقلها السمهوري في عقل السنة ومعاشهم اليوم؟ صفر، باستثناء ما تؤجّجه السلفية وتمارسه، وعمر الآراء التي نقلها السمهوري مئات السنين، لكن السلفية لم تجر مراجعة جدية لذاتها، والفتاوى التي أصدرها ابن تيمية ومن لفّ لفّه منذ المئات من السنين أصدرتها هيئة كبار العلماء السعودية ومن دار حول مذهبها في كل العالم الإسلامي قبل عقود وإلى يومنا هذا.

وكان قد سبق السمهوري في نفس السياق عالم جليل هو د. رضوان السيد، ولا شك في أهليته وقطبيته العلمية والدينية، وأغلب أقلام اليوم خرجت من محبرته وتخرجت في مدرسته، لذلك لم أستغرب أن مقالته في صحيفة (الشرق الأوسط) قدمت دفاعا سياسيا معتبرا عن خصوم المؤتمر، لكن فلندع السياسة جانبا ونتناول القضية من منظور مجرد، هل ينكر السيد والسمهوري رواسب النصب والتجسيم في العقل السلفي؟ هل ينكر السيد فداحة أثر تثليث التوحيد لتقسيم المسلمين وتكفير الحكومات وتأصيل الإسلام السياسي الذي رفضه المسلمون منذ وفاة الرسول الأعظم؟ وهل ينكر السيد والسمهوري براءة السنة من كل ذلك؟

على كل حال، أنصح أخي رائد السمهوري بقراءة كتاب رائد السمهوري (نقد الخطاب السلفي – ابن تيمية نموذجا)، ليتذكر تجاوزات السلفية ضد الإسلام وليس ضد السنة وحدهم، وننقل هنا بعض عناوين الكتاب التي أثبتها السمهوري نفسه على ابن تيمية “الكفار لا يملكون أموالهم ملكا شرعيّا ولا يحق لهم التصرف في ما في أيديهم. أنفس غير المؤمنين وأموالهم مباحة للمسلمين. غير المؤمن تجب عداوته وإنْ أحسن إليك. وجوب إهانة غير المسلم وإهانة مقدساته. اليهود والنصارى ملعونون هم ودينهم. المرأة أسيرة للزوج وهي كالمملوك له وعلى المملوك الخدمة. جنس العرب أفضل الأمم وأذكى الأمم، ومخالفة هذا هو قول أهل البدع. اكتساب الفضائل بالاستغناء عن القراءة والكتابة أكمل وأوفق. علم الرياضيات والفلك كثير التعب قليل الفائدة. إتقان الفلاسفة للعلوم الطبيعية إنما هو لجهلهم بالله. الكيميائيون يضاهون خلق الله، والكيمياء لا تصح في العقل ولا تجوز في الشرع”.

وقد يحتج السمهوري بأن آراء ابن تيمية قد تجاوزها السلفيون أيضا، أو أنها بنت زمانها، وهذا غير صحيح، فما زال السلفيون ينتجون أغلب هذه الأفكار بصورة أو بأخرى، وهنا نتساءل أيضا: لماذا يتبنى الدواعش والقواعد، نسبة إلى تنظيم القاعدة، ابن تيمية وتلامذته حصرا ولا يتبنون الجنيد وابن الرومي والشاذلي ومن سار على دربهم؟

وأنتقل الآن إلى مقالة الأستاذ الراشد منبها إلى مغالطة تاريخية آمن بها، وهي أن السلفية قد تضررت نتيجة احتكاكها بالإخوان، والصحيح أن حسن البنا قد أسس جماعته الداكنة نتيجة تأثره بالدعوة السلفية وبرموزها، وهذا مثبت في كل أدبيات الإخوان وفي كل المصادر التي أرّخت لهم، فأصل الخطيئة الإخوانية سلفي، وهذا لا ينفي أن تغوّل التوحش السلفي من أسبابه الإخوان، وهذه وتلك ذرية بعضها من بعض.

وهذا مدخل للفت النظر إلى العديد من المفارقات، الأولى، يجب أن لا نغتر بالمماحكات بين السلفيين وبين الإخوان التي نراها اليوم، فهذا اختلاف درجة لا اختلاف نوع، ربما يشبه تنافس أو اختلاف وكلاء التجارة على السلعة الواحدة، والسلعة التي يتاجرون بها للأسف هي الدين.

والمفارقة الثانية، هي وجوب الحذر من الخلط بين السلفية التي نقصدها وبين تراث جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده الذي سمي سلفيا أيضا، فهناك ألف فرق وفرق، ويكفي أن سلفيينا قد اعتبروا الأفغاني وعبده مبتدعة وعملاء للغرب، وهذه إشارة رمزية إلى الفوارق الفكرية الجوهرية.

وعودة إلى مقالة الراشد، الذي ظن أنني أخرجت السلفيين من الإسلام، لكن بعض ظن الإثم، فكونهم علميا وعقديا ليسوا سنة، لا يعني هذا أنهم ليسوا بمسلمين.

نفى الراشد مكانة الأزهر المرجعية عند السنة، ونفى فكرة المرجعية من أساسها عندهم، وهذا غير دقيق، أو فيه وجه حق وفيه وجه خطأ، ووجه الحق هو أن فكرة المرجعية نظريا وإيمانيا غير موجودة عند السنة، لكنها عمليا أمر واقع لغير سبب، ونستدل على ذلك بلجوء الدولة السعودية نفسها إلى الأزهر غير مرة في مشاريع توسعة الحرمين وبعض أحكام الحج، وعلى مرّ التاريخ السني سياسيا ودينيا حضرت فكرة المرجعية بصورة أو بأخرى، ومن ذلك ابتداع منصب المفتي زمن الدولة العثمانية، وهي بدعة توسّعت ولم تندثر.

في مقالات أخرى، زايد البعض علينا بمواعظ عن وحدة الصف ونبذ الفرقة، أين كان هؤلاء حين لم تترك السلفية طائفة من أهل السنة أو من أهل الإسلام إلا وأخرجتها من الملة، ولم تتراجع عن بغيها أنملة إلى يومنا هذا، وبفضل جورهم تم اتهام السنة واتهام الإسلام بالإرهاب، وليس هناك توقيت أفضل من اللحظة لفض الاشتباك بين ما هو سني وما هو سلفي، فننصف السنة وننقذ الإسلام.

رأى د. رضوان السيد أن مؤتمر غروزني مؤامرة سياسية على المملكة، ولست أجد ضررا أشد على القيادة السياسية السعودية من التصاق السلفيين بهم، وتاريخهم معروف في تعطيل التنمية والإصلاح، وفي تشويه صورة البلاد أمام العالم، بل وألفت النظر إلى أن الدولة الموقرة خاضت حروبا طاحنة ضد السلفيين، فالملك عبدالعزيز قاتل السلفيين في معركة السبلة عام 1929 لأنهم أرادوا تحويل الوهابية من حركة سياسية إلى مشروع ديني ثوري دائم، لم يكن الدويش وابن بجاد صوفيين أو أشعريين أو من أتباع حسن البنا، بل كانا سلفيين، وصراع المملكة مع القاعدة ومع داعش ليس صراعا مع أتباع ماركس أو سارتر، إنما مع سلفيين تأخونوا وإخوان تسلفنوا.

ويرى الراشد والسيد أن السلفية “التقليدية” تناهض السلفية المسيّسة والجهادية، وفي رأيي أن هذا غير مجد، لأن ما سمّوه سلفية تقليدية، تتبنى المشروع الاجتماعي و”الثقافي” للسلفيين الآخرين، وفي النهاية هذه مرادفة لتلك، وكل الطرق تؤدي إلى العنف، تأمل صفحة العالم الإسلامي من أولها إلى آخرها وأرشدني إلى فتنة واحدة ما كان السلفيون فيها طرفا، دلّني إلى جماعة سلفية في هذا البحر الإسلامي الواسع قدمت نموذجا محترما في التعايش وفي المعاصرة، وأحص أثرهم لتجد ضررهم على أهل الإسلام قد فاق ضررهم على أعدائه وضرر أعدائه.

ختاما، لا أجد تساؤلا أفضل من: هل يعتبر السلفيون الراشد والسيد والسمهوري من أهل الإسلام أو من أهل الصراط المستقيم؟ أتمنى ذلك والله من وراء القصد.

صحافي سعودي

3