السلفية والحوثية في اليمن.. توأم متصل

رموز الزيدية في اليمن، استلهمت ـ وعلى مستوى النشاط الاجتماعي ـ التجارب اللافتة للمجموعات السلفية وجماعة الإخوان المسلمين، في إقامة المؤسسات التعليمية والدينية خارج إطار النظام الحكومي، فاستفاد القادة الزيديون أيما استفادة من الانفتاح النسبي في مجال الحريات المدنية، عقب توحيد اليمن عام 1990، في تكوين مجموعات محلية تهدف إلى تشجيع الزيدية التقليدية على معاودة الظهور على مسرح الأحداث.
الجمعة 2016/11/18
حوثيون يتمترسون خلف نفس الشعار التضليلي

صنعاء- يقول آدم براون، في بحثه المعنون “حروب صالح والحوثيين في اليمن”، “حظي الزيديون في بادئ الأمر بالتشجيع من حكومة صالح، التي رأت في ذلك طريقة سهلة للتصدي للقوة المتزايدة للإسلاميين السنة في البلاد، حتى أن عددا من الرموز المتحالفين مع الحركة التي رمزت إلى نفسها بمسمى “الشباب المؤمن” فازوا في انتخابات البرلمان/ المجلس النيابي اليمني، بمن فيهم حسين الحوثي، بيد أن علي عبدالله صالح ومسؤولي نظامه الآخرين، سرعان ما انتابهم الغضب والقلق من الجماعة الحوثية، وبصفة خاصة من خطب زعيمهم الحوثي وأحاديثه التي أصبحت يوما بعد يوم تزداد نبرتها وقاحة”.

يبدو ظاهريا على السطح ـ كما جاء في بحث براون ـ أن تأسيس حركة الحوثيين جاء متزامنا مع بداية التمرد المسلح الذي اندلع عام 2004، وقاده العضو البرلماني السابق حسين الحوثي، إلا أن جذور الظاهرة الحوثية تعود في حقيقة الأمر إلى تداعيات الحرب الأهلية التي عاشها اليمن، خلال الفترة من 1962 حتى عام 1970. ظلت أغلب أجزاء شمال اليمن تحت حكم سلالة الإمام (الإمامية) قرابة الألف عام، حيث كانوا يستولون على الحكم الزمني والسلطة الدينية -على حد سواء- بصفتهم زعماء الزيدية، وهي فرع من الإسلام الشيعي الذي يوجد حصرا في الشمال الغربي من اليمن.

وجاء في البحث الذي تضمنه كتاب “اليمن من الإمامة إلى عاصفة الحزم .. الفرص والتحديات في دول الخليج2” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث في دبي، أنّ هذه الأيديولوجيات استجلبت على أيدي العلماء والمعلمين الأجانب، واليمنيين الذين تلقوا تعليمهم في الخارج، وقد وجدت تلك الأيديولوجيات الجديدة أرضا خصبة في العديد من مناطق شمال اليمن؛ المعقل التقليدي للزيدية.

ومع تزايد أعداد اليمنيين الشباب في مناطق الزيدية التاريخية، والذين تحولوا إلى الممارسات السنية، كان هنالك شعور متزايد بالاضطهاد والتعرض للمخاطر في أوساط النخبة الزيدية التقليدية ـ وبصفة خاصة في المعقل التقليدي للطائفة في محافظة صعدة- حيث تملّكهم الإحساس بأن ثقافتهم وطريقة حياتهم أصبحتا تحت خطر الإبادة.

جذور الظاهرة الحوثية تعود إلى تداعيات الحرب الأهلية التي عاشها اليمن، خلال الفترة من 1962 حتى عام 1970

تعززت هذه المشاعر بتزايد الغضب والحنق والاستياء من الحكومة المركزية في اليمن؛ فضلا عن مشاهدتهم لمزاياهم التقليدية وهي تتسرب من بين أيديهم. كان الحوثيون في محافظات كمحافظة صعدة، يرون أنهم مهمشون في النظام الجديد، من قبل النخب الجديدة المدعومة من قبل النظام الجمهوري، ومن جراء زيادة جرعة المركزية المفضية إلى تكريس السلطة في أيدي الرموز والمتنفذين الذين يتخذون من صنعاء مقرا لهم. ولا مراء في أن فساد تلك النخبة التي تسلّمت الحكم حديثا، قد زاد من وتيرة الغضب والحنق. وتبعا لذلك بدأ الزيديون ذوو الفكر التقليدي، يشعرون يوما بعد يوم بأنهم هدف للهجوم من قبل النظام الجديد، الأمر الذي قذف بهم إلى العزلة والتقوقع، ووضع مذهبهم الديني تحت التهديد، وقاد ثقافتهم إلى الضعف.

أصبح الحوثي أكثر تهورا واندفاعا في انتقاده لصالح، ولتحالف صالح مع الولايات المتحدة، الأمر الذي أكسب الحوثي المزيد من الشعبية، ولكن جعل منه في الوقت نفسه هدفا لغضب الرئيس اليمني. أما القشة التي قصمت ظهر البعير، كما يزعم العديد من المراقبين، فقد تمثلت في إقدام مجموعة من أتباع الحوثي عام 2004 على تحطيم صورة علي عبدالله صالح، الذي كان حريصا كل الحرص في غمرة أحداث غزو أميركا للعراق، على أن يبذل قصارى طاقته، وألا يدخر جهدا في إبداء نواياه الحسنة تجاه الولايات المتحدة.

أقدم ثلاثة رجال من أتباع الحوثي على الهتاف بشعارهم الشهير “الله أكبر والموت لأميركا والموت لإسرائيل وسحقا لليهود والنصر للإسلام”، وذلك عندما توقف صالح لأداء الصلاة في مسجد بمحافظة صعدة، وهو في طريقه إلى مكة لأداء فريضة الحج، ووصل الأمر إلى درجة منعه من إلقاء كلمة في المسجد. لم تتصاعد الأحداث وتأخذ برقاب بعضها البعض إلا من تلك المنطقة منذ تلك اللحظة، فقد شرع صالح في اعتقال المئات من أنصار الحوثي، قبل أن يوجه الدعوة إلى عالم الدين المثير للجدل للاجتماع به في صنعاء، وبعد أن رفض الحوثي تلبية الدعوة، أصدر صالح أمرا باعتقاله.

ولما كان الحوثي موجودا في صعدة، الحصن الحصين لحركته، وهي المحافظة التي كانت، حتى في أفضل الأوقات، بعيدة عن قبضة الحكومة اليمنية، كان لا سبيل لسلطات إنفاذ القانون اليمنية لأن تتمكن من تنفيذ مهمتها باستخدام الوسائل الضبطية الإدارية بمفردها. ويلخص آدم براون بحثه “حروب صالح والحوثيين في اليمن” بقوله “عندما أرسل صالح قواته إلى المحافظة، واستعان الحوثي بأنصاره المقربين الذين أحاطوا به، كانت طبول الحرب قد دقت حينها، مما أدى إلى تحول الحوثي من سياسي ناري الخطاب إلى قائد ميليشيا”.

13