السلفيون في مصر: تقية مع الحاكم وبيئة حاضنة للإخوان

الثلاثاء 2015/01/06
ثقافة الانغلاق ورفض الآخر سمة مشتركة بين الغلاة إخوانا كانوا أم سلفيين

القاهرة- جاءت ثورة يناير 2011 لتشكّل لحظةً هامةً في تاريخ التيار السلفي في مصر، بعد أن أفسح له إسقاط نظام مبارك مجالا واسعًا للتحرك والعمل السياسي، ليخرج من مرحلة الثبات والركود التي عايشها لعقود، ويؤسّس لخطاب جديد يُتيح له المشاركة السياسية، غير أنّ تجربة حكم الإخوان التي انتهت بثورة الـ30 من يونيو 2013، وما تعلّق بها من شوائب وسلبيات أعادت طرح مسألة إقحام الدين في السياسة، وضعت مجددا علاقة حركات الإسلام السياسي عموما، والسلفيين تحديدا، على محكّ التساؤل من جديد.

على مدار عقود كانت معطيات الواقع السياسي تفرض على التيار السلفي تبني سياسات حذرة في علاقته مع السلطة، والانكفاء الداخلي، خاصةً مع انخراط بعض الإسلاميين في عمليات عنف ألقت بظلالها على التيار برمته.

وبناء على ذلك ظلت العلاقة بين النظام الحاكم والسلفيين محكومة بمعادلة ترهن البقاء السلفي على الساحة بترك المجال السياسي؛ فالتوافق كان ضمنيًّا بموجبه يقتصر نشاط التيار السلفي على الجانب الدعوي والخيري، مع الابتعاد عن العمل السياسي نظير عدم التضييق الأمني، وهذا الأمر أوجد مأزقًا أمام أتباع التيار، فهم لم يخوضوا العملية السياسية، ولم تتح لهم فرصة الاحتكاك بقضايا الدولة الرئيسية، علاوة على ذلك فإن بعض عناصر التيار بدأت تصوغ خطابًا شرعيًّا رافضًا لمفهوم الديمقراطية والانتخابات في المجمل.

وفي إطار وثيقة بحثية صادرة عن المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية، تطرق الباحث في العلوم السياسية محمد بسيوني عبدالحليم، إلى الوقوف على أبرز النقاط التي تضمنتها دراسة لكينت ديفيس باكارد تحمل عنوان “تموّج أسفل السطح: اتجاهات في التفكير السياسي السلفي.. ماذا تعني للعلاقات المصرية الأميركية؟”، عمد صاحبها إلى رسم الخرائط الفكرية للتيار السلفي المصري، بما تحتوي عليه من تنوعات وتباينات حركية بغاية رصد خطر مشاريعها على الدولة المصرية.


كيف نشأت السلفية المصرية؟


السلفيون والإخوان وغيرهم من حركات الإسلام السياسي، يسيرون وفق ذات الهدي ويعتمدون على ذات الأساليب

منذ تأسيس جمعية أنصار السنة المحمدية سنة 1926 كأول منظمة سلفية، شكّل التيار السلفي رافدًا هامًّا في الواقع المصري، وبدا أنّ له تأثيرا ملحوظا وانتشارا في المجال العام.

وقد ظل التيارُ السلفي حريصًا على المفاصلة بينه وبين جماعة الإخوان المسلمين، وتبنّي منهجا أكثر ارتباطًا بالنص الشرعي، طامحا إلى إحداث تغييرات مجتمعية من خلال العقيدة الدينية بدلا من السلطة السياسية.

وتأسيسًا على هذه المقاربة صاغ السلفيون (الحديث هنا عن التيار السلفي الذي لم ينتهج العنف) خطابًا شرعيًّا رافضًا للديمقراطية والمشاركة السياسية، وبقي هذا الخطاب هو الحاكم لتحركات التيار السلفي.

وفي هذا السياق، يُشير كينت ديفيس باكارد إلى أنّ التاريخ يُشكل عنصرًا هامًّا في فهم ماهية التيار السلفي في الحالة المصريّة، وكيفية صعوده، فالأنظمة الحاكمة ساعدت بشكل أو بآخر في تنامي أدوار التيار، سواء عبر إخفاقاتها المتتالية وانكشاف عجز مشروعها العلماني القومي عن تحديث المجتمع، أو حتى من خلال استخدام ورقة الإسلاميين كورقة سياسية لإحداث توازنات معيّنة، مثلما كان يتم إبّان حقبة الرئيس الأسبق أنور السادات.

من ثمة يوضح ديفيس أنّ سنوات مبارك كانت هي الأخرى مرحلة هامّة في صعود التيار السلفي، لا سيما مع عجز النظام عن توفير العديد من الخدمات المجتمعية، وظهور الجمعيات السلفية كـ”بديل للدولة” في هذا المجال بصورة أكسبت التيار السلفي المزيد من “الشرعية” المجتمعية.

ومع هذا الدور المجتمعي كان النظام الحاكم يوظف السلفيين في إطارين؛ أحدهما مواجهة فصائل أخرى تتبنى العنف داخل التيار الإسلامي خاصة جماعة الإخوان المسلمين، وهذا الأمر يمكن أن يفسّر لماذا سمح النّظام بظهور قنوات فضائية تابعة للتيار السلفي سنة 2006، أمّا الإطار الآخر فهو استخدام ورقة “السلفيين” في تبرير بعض الإجراءات التي تبنّاها النظام ضد المعارضة، وبالتالي تأجيل عملية التّحول الديمقراطي.


ما هي توجهاتهم الفكرية؟

اختلاف السلفيين عن الإخوان تمويه لا يخفي وحدة المشروع


ثمة أفكار أولية ينطلق منها ديفيس في تناوله للظاهرة السلفية المصرية، أهمها أنّ هذا التيار لا يمثل كتلة واحدة متجانسة، ولكنه يضم حركات متنوعة لها أفكارها المختلفة، مع الاعتراف بوجود مساحة فكرية مشتركة بين تلك الحركات، كما أن الكثير من المسلّمات التي يتبناها الباحثون بخصوص التيار تحتاج لإعادة نظر، خاصةً مع التطورات التي مر بها السلفيون خلال السنوات التالية لثورة يناير 2011.

يفترض ديفيس أن ثورة يناير 2011 شكلت لحظة جوهرية في المسار الفكري للتيار السلفي؛ فقد أصبح التيارُ مطالبًا -وخاصة الدعوة السلفية في الإسكندرية- بتقديم أطروحات فكرية بخصوص قضايا الديمقراطية، وحقوق الأقليات، والمرأة، وشكل النظام السياسي، ووضعية الشريعة في هذا النظام، وبوجه عام يكشف استقراء الخريطة الفكرية للتيار السلفي عن عددٍ من الدلالات:


* أولا:

راوح التيار السلفي موقفه التقليدي الرافض للمشاركة السياسية، وبدا أنّه يستدعي الأطر الدينية لدعم وتبرير هذا التغير الجوهري في توجهاته.

وفي هذا الاطار تم التعويل على قاعدة المصالح المترتبة عن المشاركة السياسية والتي تفوق من وجهة نظر السلفية المفاسد التي يمكن أن تحدث إذا ترك التيار الساحة السياسية لغيره من القوى الليبرالية واليسارية لتحديد شكل النظام السياسي وتوازناته.


* ثانيا:

يذهب ديفيس إلى أن موقف السلفيين من قضية الديمقراطية يتسم بدرجة كبيرة من التعقيد، ففي حين اتخذ عدد من علماء الدين السلفيين -ومنهم من هو منتمٍ إلى الدعوة السلفية وذراعها السياسي حزب النور- موقفًا رافضًا للديمقراطية، واعتبارها لا تتوافق مع المبادئ الإسلامية؛ فإن ثمة قطاعًا آخر داخل التيار السلفي، اكتشفه الباحث وفق قوله بعد المقابلات التي أجراها، يرى إمكانية التعايش بين الديمقراطية والإسلام؛ حيث ذكر الذين أُجريت معهم المقابلات “أنهم يتشاركون مع القيم المتواجدة في الولايات المتحدة من قبيل حرية التعبير والمساواة، على اعتبار أنها حقوق واردة في نصوص شرعية”.

كما أن أحد شيوخ السلفيين وهو ياسر برهامي سبق له أن صرّح قبل ذلك “أن الانتخابات واختيار الحكومة والمشاركة السياسية ومعارضة الديكتاتورية كلها قيم أصيلة في الشريعة الإسلامية”، في ما يراه مراقبون تمويها مصطنعا من هذا التيار بغية النأي بنفسه عن مصير جماعة الإخوان التي يشترك معها في ذات المشروع، خاصة أن العديد من السلفيين لطالما حرصوا على تجنب استخدام مصطلح دولة مدنية اعتقادًا منهم أنّه يحمل صبغة ودلالة علمانية، فضلا عن الكيفية التي يتعاطى بها السلفيون مع قضايا حقوق غير المسلمين والمرأة في المجتمع المصري، والتي لا تتوافق أصلا مع المنظومة القيميّة للديمقراطية، شأن ممارسات الإخوان.


أين يكمن خطر السلفيين؟


فكر التيار السلفي يعدّ فكرا دخيلا على المصريين، ويُريد أن يُغيّر وجه مصر بشكل عام، ولهذا فهم لا يقلون خطراً عن الإخوان

في سياق اخر وفي ما يتعلق بالمخاطر التي يمكن أن ترافق نشاط التيارات السلفية في المجال السياسي، ترى أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة نورهان الشيخ، من جهتها، أن التيار السلفي عموما، وحزب “النور”، بصفة خاصة، لا يقل خطراً على الدولة المصرية من جماعة الإخوان المسلمين، بمعنى أن التيار السلفي بشكل عام لا يقل تهديداً لمقومات الدولة المصرية عن الإخوان.

فالسلفيون لديهم نفس التشدد ونفس الأفكار المغلقة، وتيارهم يفرز أيضاً متطرفين، خاصة أنّ الجبهة السلفية هي التي دعت قبل أسابيع لتظاهرات أسمتها بـ”انتفاضة الشباب المسلم”، وفق تعبيرها. فالتيار السلفي هو الذي أفرز ما يسمى بـ”السلفيين الجهاديين” الذين يستهدفون اليوم المواطنين والمنشآت المصرية بعملياتهم الإرهابية.

كما أنّ فكر التيار السلفي يعدّ فكرا دخيلا على المصريين، ويُريد أن يُغيّر وجه مصر بشكل عام، ولهذا فهم لا يقلون خطراً عن الإخوان، بل هم أكثر خطورة.

في ذات السياق، تأكّد الشيخ أنّ العمل في الدعوة يجب أن يكون بمعزل عن السياسة، فمن يريد أن يشارك في الحياة السياسية، وفق رأيها، يجب أن يقبل بمقومات المجتمع المصري التي أقرها دستور 2014 وبالدولة المدنية. كما أنّ هناك مصريين مسيحيين لابد من احترام شعائرهم الدينية واحترام حقوق الإنسان لأن المواطنة أساس الدولة المصرية، وهذا ما نص عليه دستور 2014.

أما في ما يتعلق بدور السلفيين في الانتخابات المقبلة، فقد أشارت أستاذة العلوم السياسية إلى أنّه يجب ألاّ يتم التقليل من وزن حزب النور (خاصة في ما يتعلق بتهديده للمسار الديمقراطي السلمي) لأنّه يستخدم الدين في التعامل مع المصريّين، وهو يستعد استعدادات كبيرة ويدفع برموز معيّنة غير محسوبة على التيارات الإسلامية، لافتة إلى أنّ السلفيين والإخوان وغيرهم من حركات الإسلام السياسي يسيرون وفق ذات الهدي ويعتمدون على ذات الأساليب والطرائق للوصول إلى سدّة الحكم ومن ثمّة السيطرة عليه وتنفيذ أجنداتهم.

6