السلفيون في مصر وجه من وجوه الإرهاب المتستر بالدين

الاثنين 2015/03/23
الأحزاب السلفية تمارس التقية وهي قاعدة رئيسية لتمويل إرهاب الإخوان

القاهرة- الحرب التي بدأتها الحكومة المصرية لتجفيف منابع التيار الإسلامي المتشدد، لم تتوقف خلال الفترة الماضية، وبدأت تتوسع في ملامحها، فلم تعد مقتصرة على البعد الأمني فقط، بل أصبحت تسير بالتوازي معه في مجالات سياسية واقتصادية واجتماعية. وقد لاحظ مراقبون أن التركيز بات مسلطا على جماعة الإخوان وروافدها المتعددة فقط في حين يتم تجاهل عدد كبير من جمعيات الحركات السلفية، حيث وصلت إلى نحو مئة جمعية، لا تقل خطورة عن الدور الذي يقوم به فلول الإخوان في الداخل والخارج، لأن السلفيين لديهم رؤى لا تقل قتامة عن رؤى الإخوان.

أرجع متابعون التشدد مع الجمعيات التابعة للإخوان وغض الطرف عن نظيرتها التابعة إلى السلفيين لأسباب سياسية، فإذا كان العداء ظاهرا مع الأولى، فالوئام واضح مع التيار السلفي، الذي أصبحت بعض أجنحته قريبة من النظام الحالي في مصر، بحكم الدور الذي تلعبه لمواجهة تيار إسلامي بآخر، والتأكيد على أن الموقف المناهض للإخوان لا يعني الرفض للتيار الإسلامي على إطلاقه، ومهما كانت هذه البراغماتية فيجب ألا تؤدي إلى نسيان المخاطر التي يحملها انتشار جمعيات السلفيين.

من هذه الزاوية يمكن تفسير الخطوات المتسارعة التي اتخذتها الحكومة المصرية لتجفيف منابع الإخوان، من خلال التضييق والحصار والمراقبة للجمعيات الأهلية التي تمثل القاعدة الرئيسية لتمويل الجماعة، لكن هذه الخطوات وضعت الحكومة المصرية في حرج بالغ، وألمحت إلى أنها تكيل بمكيالين.

الجمعيات السلفية في مصر "صورة بالكربون" من الجمعيات الإخوانية، من خلال توفير الدعم المالي واللوجستي للإرهاب

غادة والي وزيرة التضامن الاجتماعي في مصر، أصدرت الأربعاء (18 مارس الحالي) قرارا جديدا بحل 99 جمعية أهلية في 8 محافظات. وتعد هذه الخطوة، الدفعة الثالثة من الجمعيات التي تم حلها للأسباب نفسها، أي مخالفة القانون بموجب صدور حكم قضائي، حيث سبق حل 169 جمعية منتصف فبراير الماضي كدفعة أولى، تلتها دفعة ثانية أواخر الشهر نفسه، ليصل عدد الجمعيات التي تم حلها بأحكام قضائية خلال شهر إلى 380 جمعية.

قرار الحل جاء بناء على حكم صادر من محكمة القاهرة للأمور المستعجلة بشأن حظر تنظيم الإخوان المسلمين، والتحفظ على ممتلكات الجمعيات التابعة للتنظيم، وقرارات اللجنة المشكّلة لتنفيذ الحكم.

خالد الزعفراني القيادي الإخواني السابق، قال إن حل الجمعيات التابعة للإخوان إجراء مهمّ لتجفيف منابع تمويل العمليات الإرهابية التي شهدتها مصر خلال الفترة الأخيرة.

وأضاف الزعفراني لــ”العرب” أن الإخوان عمدوا خلال فترة حكمهم إلى فتح باب التصريح للجمعيات الأهلية التابعة لهم دون قيود، لدرجة أنهم سمحوا بإنشاء جمعيات تابعة لتنظيمات تكفيرية لكسب ودهم، ما شكل تهديدا للأمن القومي المصري.

وأشار الإخواني السابق إلى أنه رغم سقوط حكم الإخوان فإن هذه الجمعيات ظلت تمارس دورها التخريبي في البلاد، مشيرا إلى أن قرار الحل تأخر كثيرا، داعيا إلى مراجعة الجمعيات التي تم إنشاؤها منذ ثورة 25 يناير 2011 حفاظا على استقرار المجتمع.

كما طالب الزعفراني الدولة بالتمييز بين الجمعيات الإسلامية النبيلة وجمعيات الإخوان، حتى لا تستغل الجماعة ذلك في الترويج لمزاعم بأن النظام يشن حربا على الإسلام، مناشدا الحكومة بضرورة التحري عن أنشطة كل جمعية.

وحول وجود جمعيات تابعة للدعوة السلفية، مثل الجمعية الشرعية وأنصار السنة، والتي لم يطالها قرار الدولة رغم اتهامها بتلقي تمويل خارجي، أكد الزعفراني أن جمعيات أنصار السنة والجمعية الشرعية موجودة منذ أيام الملك فاروق (ملك مصر قبل ثورة يوليو 1952)، وتعتبر رائدة الجمعيات الإسلامية، ولا يمكن إغلاقها أو حلها حتى لا تخلو الساحة للمتطرفين، فضلا عن كونها لا تمارس عملا سياسيا، بل تقدم خدمات اجتماعية للمصريين.

السلفيون الآن يقومون بدور سياسي مطلوب، حيث يتم استخدامه كورقة ليس لمجابهة الإخوان فقط، لكن للتأكيد على أن الدولة ليست ضد التيار الإسلامي على إطلاقه

واعتبرت شاهندة مقلد عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، أن قرار وزارة التضامن بحل جمعيات الإخوان المسلمين، جاء تطبيقا لحكم القضاء المصري، باعتبار الإخوان جماعة إرهابية، مؤكدة في تصريحات خاصة لـ”العرب” أنه من حق الدولة حل وتأميم جمعيات الإخوان الإرهابية غير القانونية.

ونفت عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان أن تكون الإجراءات التي اتخذت في هذا الإطار بداية تضييق على منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية عموما، وقالت “الحكومة لم تتخذ إجراءات تجاه أي جمعية أهلية أو مؤسسة دون حكم قضائي”.

أحمد دراج القيادي السابق بحزب الدستور أكد لـ”العرب” أن قرارات وزارة التضامن بحل الجمعيات التابعة للإخوان، مفهومة في سياق خطة الدولة لمحاصرة الجماعة وتجفيف منابع تمويل عملياتها الإرهابية. وأوضح أن القرار طبيعي في ظل استمرار الإخوان بممارسة العنف وقيام بعض الجمعيات الأهلية التابعة لها بتمويل الأعمال التخريبية.

ورفض دراج، وهو أحد مؤسسي الجمعية الوطنية للتغيير التي ساهمت بدور نشط في عزل الرئيس السابق محمد مرسي، وصف القرارات بأنها بداية لحملة حكومية ضد الجمعيات الأهلية، منوّها إلى أنها وجهة نظر إخوانية وشائعات تبثها الجماعة، مناشدا أيّ جمعية ليست لها علاقة بالإخوان وتم التحفظ على مقراتها وأموالها، بإثبات براءتها أمام النيابة العامة.

محمد الأباصيري الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، قال لـ”العرب” إن الجماعات الدينية لجأت في فترات التضييق الأمني إلى حيلة إنشاء جمعيات أهلية تابعة لوزارة التضامن الاجتماعي، لتكون في الظاهر خدمية تقدم أعمالا خيرية، لكنها في حقيقتها ليست إلا ستارا سياسيا لتنفيذ بعض المخططات الإجرامية.

ووصف قيام الحكومة المصرية الآن بحل الجمعيات بأنه عمل “جيد جاء متأخرا”، ودعا إلى عدم ارتكاب أخطاء في المستقبل بالسماح لجمعيات جديدة أن تمارس الدور نفسه ولو بطريقة مختلفة.

الحكومة لا تريد أن تفتح النار على جميع عناصر التيار الإسلامي مرة واحدة، فالمعركة مع الإخوان تتطلب تحييد بعض العناصر

وأوضح أن الجمعيات السلفية، التي لم تقترب الحكومة من معظمها هي “صورة بالكربون” من الجمعيات الإخوانية، حيث تمارس الأنشطة المشبوهة ذاتها، والتي تمارسها جمعيات الإخوان من توفير الدعم المالي واللوجستي للإرهاب في مصر.

وأشار الأباصيري إلى أن الواقع أثبت أن المواءمة مع هذه الجماعات غير مجدية، وتأتي أحيانا بنتائج عكسية، لافتا إلى أن الدولة هادنت الإخوان وقتا طويلا، فكان جزاؤها الغدر بمؤسسات الدولة والشعب، والخوف من أن تواجه الحكومة المصير نفسه مع السلفيين.

وطالب بأن تتعلم الحكومة المصرية من أخطاء الماضي وتتجنب تكرار الخطأ مرة أخرى باستبدال السلفيين بالإخوان، وعليها توجيه ضربات مبكرة وحل الجمعيات السلفية، لأنها في الحقيقة وجه آخر من وجوه الإرهاب الملتحف بالدين.

أيمن عبدالوهاب، الخبير في شؤون الجمعيات الأهلية، أرجع لـ “العرب” الخصوصية التي تتمتع بها الجمعيات إلى أن الحكومة لا تريد أن تفتح النار على جميع عناصر التيار الإسلامي مرة واحدة، فالمعركة مع الإخوان تتطلب تحييد بعض العناصر التي يمكن أن تتكاتف مع الجماعة وقت الأزمة، لذلك رأت الحكومة تأجيل المواجهة مع الجمعيات السلفية.

وأضاف عبدالوهاب أن السلفيين الآن يقومون بدور سياسي مطلوب، حيث يتم استخدامه كورقة ليس لمجابهة الإخوان فقط، لكن للتأكيد على أن الدولة ليست ضد التيار الإسلامي على إطلاقه، طالما التزم بقواعد اللعبة القانونية، وهي إشارة تحذير مبطّنة للسلفيين بعدم الخروج عن المسار المرسوم لهم.

13