السلفيون والأوقاف.. تنافس مختل للسيطرة على المجال الديني

الحرب على الإرهاب وعلى التيارات المتشددة تخاض على أكثر من ميدان، ولعل سعي التيارات الدينية السلفية إلى إعادة التموقع في المجال العام خاصة خلال شهر رمضان يتطلب من الجهات السياسية والدينية والفكرية التي تواجهه بالوعي، أن التيار السلفي يوفر الموارد البشرية لهذه التيارات الإرهابية ويحاول استغلال المناسبات الدينية لمحاولة العودة إلى المشهد من خلال بوابة المساجد والسهرات الرمضانية، وفي هذا الإطار تبدو المهمّة الملقاة على عاتق وزارة الأوقاف المصرية أكثر أهمية وخطورة من مجرد السعي لمحاصرة النشاط السلفي ببعض الضوابط والإجراءات الشكلية.
الجمعة 2017/05/26
المجال الديني يخضع أيضا للقانون

شدّدت وزارة الأوقاف المصرية إجراءاتها أكثر من أي عام مضى بشأن أنشطة شهر رمضان الدينية بالمساجد، من اعتكاف وإلقاء دروس ومواعظ وإمامة لصلاة التراويح، مستحدثة البعض من الضوابط التي وضعها مسؤولو الوزارة في سياق تنظيم العمل الدعوي، ومنها منع الميكروفونات الخارجية، ووضع شروط أكثر تشددا مع راغبي الاعتكاف.

وقصرت الوزارة الاعتكاف على عدد محدد من المساجد تحت إشراف مديريات الأوقاف بالمحافظات، ومن خلال أئمة الأوقاف المصرح لهم بالخطابة وإلقاء المواعظ، كما حرمت كل من لا يدلي ببياناته المسجلة ببطاقة رقمه القومي قبل الاعتكاف بفترة زمنية ليتسنى الكشف عن ميوله التنظيمية أو انتمائه السلفي من عدمه.

ووصف البعض من المراقبين المشهد بالمحبط والمخيّب للآمال عندما تنحصر جهود الوزارة على الشكليات وبعض الإجراءات الإدارية الروتينية التي يسهل التغلب عليها وخرقها وتجاوزها، في حين لا تهتم بالمضامين والحلول الإبداعية القادرة فعليا على حرمان التيارات السلفية المتشددة من مبررات حضورها على الساحة.

عدد من المختصين في شؤون التيار السلفي عللوا عجز وزارة الأوقاف والمؤسسات الدينية الرسمية وفشلها في تهميش الحضور السلفي بضعف كفاءة دعاة الأوقاف، وبقدرة التيار السلفي على المزج بين الأنشطة الدعوية والاجتماعية والتحفيزية من مسابقات ورحلات سياحة دينية، مشددين على أن البديل الرسمي تكبّله طبيعة مهام الوظيفة الحكومية التي تفتقد للحماسة والمبادرة، علاوة على غياب البعد الاجتماعي.

وتداول البعض من أعضاء التيار السلفي أفكارا مبتكرة تعزز من أدوارهم الاجتماعية، وتبقي الجانب الأكبر من رواد شهر رمضان بالمساجد على ارتباط بإدارة السلفيين للمشهد، منها توفير حضانات ليلية للأطفال، وهو ما يتيح التحاق عدد كبير من الأمهات بصلاة التراويح.

علاوة على الأنشطة التقليدية من توزيع لهدايا دينية مرتبطة بطقوس رمضان مثل إسدالات الصلاة للنساء وسجادات الصلاة، ستوفر فروع التيار السلفي بالمحافظات وجبات إفطار وسحور جاهزة زهيدة السعر لغرض تمكين النساء من التفرغ للأنشطة الدينية بالتخفف من التزامات المنزل والطهي المرهقة خاصة في رمضان.

وأصبحت وزارة الأوقاف أكثر وعيا خلال العامين الأخيرين بخطورة هيمنة التيار السلفي على جانب من النشاط الدعوي، لكنها حتى الآن عاجزة عن مسايرته أو الحد منه بالرغم من الصلاحيات الواسعة الممنوحة للوزارة ومن الإجراءات التي قضت بتأميم العشرات من المساجد التي سيطر عليها السلفيون طوال عقود لتصبح تابعة لإشراف وإدارة الوزارة.

وزارة الأوقاف أصبحت أكثر وعيا بخطورة هيمنة التيار السلفي على النشاط الدعوي، لكنها عاجزة عن مسايرته أو الحد منه

خبراء في الإسلام السياسي لا يفرّقون بين جماعة الإخوان ومن على شاكلتها ممن تحالف معها إثر عزلها عن السلطة، وبين التيار السلفي الذي فضل الانحياز للدولة سوى في الأساليب.

وفي حين يعتمد الإخوان على التغيير الفوقي من خلال محاولة الهيمنة على مؤسسات الدولة، يعتمد السلفيون على التغيير المجتمعي عبر صبغ المجتمع أولا بصبغة سلفية أصولية، وبتكتيكات التحلي بالمرونة والنفس الطويل وتوظيف الملفات ذات الملمح الديني والطائفي.

وكشف الخبير في شؤون حركات الإسلام السياسي محمد جمعة، أن جميع أنشطة الجماعات ومن ضمنها التيار السلفي تصب في محصلة إنتاج التطرف وصولا في آخر المراحل الخاصة بتفريخ إرهابي مسلح.

وشرح جمعة لـ”العرب” ما أسماه بدورة إنتاج الإرهابي، حيث هناك تنظيمات لا تظهر ميلا ولا اهتماما بالسياسة تعمل على جذب الكثير من المنتمين للفئات المهمشة لنشاطات روحانية بالمساجد مثل جماعة التبليغ والدعوة، ونظرا لتفوق التيار السلفي عمليا فهو يبذر الأسس الأولى للتشدد الأصولي داخل عقول المنضوين لهذا النشاط.

وشدد على أن المرحلة الأخيرة كانت من نصيب التكفيريين والسلفية الجهادية التي وجدت العناصر المترددة على دروس ولقاءات التيار السلفي أكثر استعدادا للتجنيد في نشاطها السري المسلح.

الشائع من واقع اعترافات العديد من الشباب المقبوض عليهم في قضايا عنف هو استقطابهم من قبل قادة وعناصر التنظيمات التكفيرية والسلفية الجهادية من المساجد والزوايا التابعة لجمعيات سلفية خاصة بالمناطق والأحياء الشعبية من تلك التي اعتادوا التردد عليها لتلقي العلوم الشرعية وسماع الدروس الفقهية.

وعلل البعض من الخبراء ذلك بتشبّع الشاب الذي خضع للبرمجة السلفية بالآراء الفقهية الأحادية القديمة ذات التأويل الانغلاقي الاستعلائي، ما يسهل على التكفيريين والجهاديين حصد الثمرة بسهولة، فمهمتهم التالية مبنية ومؤسسة على مجمل الآراء التي أضفى عليها من قبلهم من رموز السلفية المشروعية الدينية، باعتبارها ثابتا عقائديا لا تنبغي مراجعته.

ويعد شهر رمضان أحد أهم المواسم المفضلة للتيار السلفي من خلال استغلال فعالياته الروحية لاسترداد الزخم الاجتماعي ولضم المزيد من الشباب.

وقال جابر طايع، وكيل وزارة الأوقاف المصرية لـ”العرب”، الوزارة اتخذت تدابير غير مسبوقة لإدارة المشهد الدعوي والتعبّدي خلال شهر رمضان بما لا يترك أي ثغرة ينفذ منها من يسعون إلى تسييس الإسلام وتوظيف نشاطات المساجد لتحقيق مصالح وأهداف سياسية.

ووصف البعض من المراقبين البيانات والتصريحات التي يدلي بها مسؤولو وزارة الأوقاف بغير الواقعية ويعتبرونها موجهة لجهات سياسية حتى تطمئن بأن كل شيء يجري بالشكل المطلوب، لكن التصريحات لا تعكس حقيقة ما يجري على الأرض، فالتيار السلفي استعد بكامل طاقته لنشاطاته خلال رمضان، وحتى المساجد التي سُحبت منه ينشط في تنظيم ندوات وفعاليات بشوارع وميادين قريبة منها.

ويعزف التيار السلفي على وتر العاطفة الدينية مصوّرا الإجراءات التنظيمية الأخيرة كونها حربا على الثوابت الدينية، وهو ما شجع الكثيرين على دعمه في إظهار التحدي لتظل تلك الإجراءات حبرا على الورق فلا تدخل حيز التنفيذ.

وعمدت بعض المساجد في منطقتي فيصل والطالبية بمحافظة الجيزة غرب القاهرة إلى مضاعفة أعداد السماعات الخارجية، وليس إزالتها والاكتفاء بالداخلية حسب تعليمات الوزارة الأخيرة.

وفي هذا الإطار لا يوجد التزام سلفي مبدئي بالمقولات والأطروحات النقدية لمجمل إشكاليات الإسلام السياسي، ولا تزال العلاقة قائمة بين الذراع السياسية الممثلة في حزب النور والسلفية كتيار ديني بمنهجية تقليدية حيال العديد من الملفات التي تسبّبت في الاستقطاب والاحتقان المجتمعي، خاصة بعد قرار خوضه التجربة الحزبية، ويتم توظيف التمدد في المجال الديني لتعويض الفشل والتراجع الجماهيري في المجال السياسي.

13