السلفيون والإخوان يوظفون حقوق الإنسان الدينية لمصالح دنيوية

الاثنين 2014/03/17
الحركة الإسلامية تكسب قوتها من خطبتها التعبوية الانفعالية

في استحضار لنصوص كُتب بعضها قبل ثلاثين عاما، قام الحقوقي السوري هيثم مناع بجمع مجمل الكتابات النقدية والتحليلية حول حركة الإخوان المسلمين والحركة السلفية في كتاب واحد مضيفا إليه نصوصا جديدة حول الحركة الإسلامية السياسية في الوطن العربي عموما وفي سوريا خصوصا.

صدر قبل أيام بطبعة لبنانية تسبق طبعة إماراتية فاخرة قيد التحضير، كتاب للحقوقي السوري هيثم مناع، يحمل عنوان “السلفية والإخوان وحقوق الإنسان”. يأتي هذا الكتاب في ظروف حساسة ومضطربة بالنسبة إلى الحركات الإسلامية ـ المعتدلة منها والجهادية المتشددة ـ في العالم العربي. وتزداد أهميته كونه صدر قبل أيام من إعلان المملكة العربية السعودية جماعة الإخوان المسلمين، وتنظيمات إسلامية أخرى، بعضها تابع للقاعدة وبعضها تابع لإيران، على أنها جماعات إرهابية محظور نشاطها بأي شكل، بعد أسابيع قليلة من إعلان مشابه أصدرته السلطات المصرية بخصوص جماعة الإخوان المسلمين في مصر.

لم يكن اضطراب وضع جماعات الإسلام السياسي العربية دافعا إلى كتابة هذا الكتاب بقدر ما كانت ممارساتهم خلال الفترة الأخيرة دافعا لتشريح أيديولوجيتهم وخوض حوار فكري وحقوقي نقدي صريح ومواجهة نظرية سياسية مدنية مفتوحة دون حسابات تكتيكية أو مهادنات شكلية معهم أو مع الأنظمة التي كانت تدعم أجنداتهم.


توظيف الدين

الكتاب الذي أصدرته المؤسسة العربية الأوروبية للنشر بالتعاون مع دار عشتروت والمعهد الاسكندنافي لحقوق الإنسان، يضم خمسة عشر فصلا ومقدمة، ومن أهم فصوله: الإسلام ـ الإسلاميون وحقوق الإنسان، النزعات التمييزية في كتابات حوى، الخميني وولاية الفقيه، الصراع السياسي والاجتماعي والحركة الإسلامية، الأصولية والعنف في المجتمعات العربية والإسلامية، المرأة في الخطاب الوهابي، تاريخ الأخوان المسلمين في سوريا، إعادة البناء والنهج: الإخوان بعد مجزرة حماة، التكفير والهجرة، ملاحظات حول الجبهة الإسلامية في سوريا، القرضاوي من الوسطية إلى فتاوى الجهاد والتدخل العسكري، الحوار الإسلامي العلماني، وأخيرا الإصلاح الإسلامي والمقاومة المدنية.

يقدّم الكتاب نقدا فكريا تاريخيا وتشريحيا على أكثر من مستوى للإخوان المسلمين والحركات السلفية العربية، ويكشف طرق توظيف الدين في الكسب الحزبي السريع والاستفادة من ظاهرة الدين في استراتيجيات السلطة وتكتيكات سياسية سريعة وآنية تغيّب عن المشروع السياسي أبعاده الأخلاقية والتحررية والحضارية والإنسانية. كما يتناول وظيفة المال السياسي وآثاره المدمرة للمدنية والمواطنة. ويأمل المؤلف أن يكون كتابه محاولة “لإنقاذ جيل كامل من الشباب من فكرة الهرولة إلى السماء خوفا من مواجهة الحقائق المعقدة والصعبة لوجودنا على الأرض”. ومع ذلك لا يُغفل الكاتب الإشارة إلى وجود أصوليات مختلفة وأطروحات خلاّقة لم تجرؤ الحركات الإسلامية السياسية الكلاسيكية على الارتقاء إليها لا في التفكير ولا في الممارسة.

الحركة الإسلامية السياسية هي حزب سياسي مشبع بفكرة التفوق قادرة على التحالف حتى مع الشيطان

بالمقابل، لا يهادن هيثم منّاع في هذا الكتاب السلطات العربية التي تدّعي العلمانية على صعيد الدولة والإيديولوجية أو أي نظام سياسي، بل يعتبرها خادعة و”انتقائية للعلمانية”. ويؤكد على أن هذا الكتاب لا يعتبر مكانه مع أية دعاوى حكومية معادية للحركات السلفية أو الإخوانية، ولا يجد أمثلته في أنظمة التسلط. ويؤكد المؤلف على أنه أحد مناهضي الإسلاموفوبيا الرئيسيين، إلا أنه لا يرى سبيلا عن نقدهم بسبب “رجوعهم الكارثي إلى الخلف لرؤية الحاضر والمستقبل”.


الأصوليات الإسلامية


يقدّم الكتاب تصورات متعددة للإنسان وحقوقه في الإسلام من وجهات نظر إسلامية وعلمانية تعطي فكرة عن أهم جوانب الموضوع وتشكل بوابة ضرورية لتناول الأصوليات الإسلامية، يستند فيها إلى عدم وجود دراسة واحدة مخصصة لحقوق الإنسان في الإسلام ضمن مئات آلاف الكتب والرسائل التي كتبها العلماء المسلمون قبل 1900، وكون نشأة وانتشار دين سماوي كانت، تاريخيا وباستمرار، مؤشر تداخل عميق لا يتجزأ بين الحق الإلهي والحقوق البشرية. كما أن حقوق الإنسان لا تشكل دينا جديدا وليست إيديولوجية بل شرعية مقترحة في حالة تطور، وأن أدلجة الدين لم تشكل يوما عنصرا إيجابيا وبناء في نطاق الحقوق العالمية للإنسان، مع ضرورة عدم إغفال التأويلات والتفسيرات والملل للإسلام.

يقول مناع إن القاعدة التي تحدث عنها جاك بيرك قبل ثلاثين سنة “ازرع استبدادا تحصد أصوليات”، وإن لم تكن عالمية، فهي “صحيحة في قراءاتها العربية والإسلامية، إن السلطات المحرومة من أية مشروعية تاريخية أو شعبية والتي تعالج بالنطع والسيف قضايا المواطن تعطي المشروعية للحركات المتطرفة”. ويرى أن الطبقات الغنية في بلدان العالم الثالث عززت وجود حكام يتلخص برنامجهم في تأميم السلطة والنهب ومقاومة المواطنة والديمقراطية. كما حمّل المثقفين مسؤولية إضافية في هذا المجال، وانتقد خوفهم من الأجهزة القمعية من جهة وصمتهم على الفكر الديني الاستئصالي وتبريرهم له أحيانا.

ويستعرض الكتاب نقد الخطاب الأصولي السياسي دراسات ووجهات نظر عبد القادر عودة وأبي الأعلى المودودي وسعيد حوى ونصر حامد أبو زيد وابن عثيمين وعبدالله النعيم ومحمود محمد طه ومحمد أركون وسيد قطب ومحمد سعيد العشماوي ومصطفى السباعي وعصام العطار وعلي صدر الدين البيانوني والقرضاوي وغيرهم الكثير. ويؤكد على أن حقوق الإنسان في الإسلام “لا يمكن أن تخرج المسلم والإسلام من التاريخ بل تعيدهما إليه، وأن كل من يرفض التغيير ويحاول التمسك بمفهوم مختزل وضيق للدين والدولة يحول دون خروجنا من مستنقع القرون البائدة.

هيثم مناع

السلفية والإخوان وحقوق الإنسان

المؤسسة العربية الأوروبية للنشر

وفي دراسته لتركيب المؤسسة الدينية في إيران ووظائفها وتكوين كادرها وعلاقتها بالمجتمع، يخلص هيثم منّاع إلى أن هذه المؤسسة تشكل أكبر تنظيم مراتبي أوتوريتاري في المجتمع الإيراني بعد جهاز الدولة وتتمتع بامتيازات مادية كبيرة وعلاقة تاريخية وطيدة بالرأسمال التجاري الربوي وبقدرة تعبوية كبيرة عبر المساجد والمراكز الدينية والاحتفالات الطقوسية، إضافة إلى نشاطاتها الاقتصادية والاجتماعية الخاصة باعتبارها الرأسمالي الوحيد الواقع خارج رقابة الدولة ونظامها المالي والضرائبي.

ويرى أن الحركة الإسلامية السياسية “هي حزب سياسي مشبع بفكرة التفوق الملبسة ثوبا إلاهيا والتي تبرر كل وسيلة بما فيها الأكثر عبثية وتضاربا مع سمو الإيمان كقضية إنسانية تخرج عن نطاق المصلحة المعاشية أو السياسوية، ولذلك فإن برنامجها السياسي أسير المجتمع، وهي ككل حزب سياسي، قادرة على التحالف حتى مع الشيطان”.

ويؤكد الحقوقي السوري على أن المشكلة بين نشطاء حقوق الإنسان والإسلاميين لا تقع في خانة الإيمان والمقدس وإنما على صعيد الدنيوي والقضائي، “فلا أحد يطرح مسألة علمنة الدين، في حين أن قبول مبدأ الطابع الدنيوي للمؤسسات في العالم الإسلامي مسألة جوهرية، هذه المؤسسات هي من الألف إلى الياء من صنع البشر، وباستطاعة بشر آخرين أن يضعوا حدا تاريخيا لها بتجاوزها لأشكال أرقى وأعدل وأفضل”.


إخوان سوريا

يستعرض هيثم منّاع نشأة الإخوان المسلمين في سوريا ومواجهة العمل السري وإعادة تنظيم الحركة وظاهرة التدين العام منذ وصول الأسد إلى الحكم، والمركزية التي لجأت إليها حركة الإخوان نتيجة العمل السري المفروض، وعمق الأزمة الداخلية للحزب، والانقسام والعمل العسكري وفكرة الصراع المسلح، والصدام مع السلطة، والمزاودة المذهبية بين التيار السلفي الجهادي والتيار الإخواني، ودخولهم في تشكيلات المعارضة السورية بعد انطلاق الثورة ودورهم فيها وعلاقتهم بقطر وتركيا والسيطرة الإخوانية على المجلس الوطني والائتلاف. كما يستعرض نشوء الحركات السلفية الجهادية في سوريا وجبهة النصرة والجبهة الإسلامية وحركة أحرار الشام ولواء الإسلام وكل التي تتبنى فكرا إسلاميا متشددا، ويقارن بينها ويوضح طبيعة وحجم التنافس بين الإخوان والسلفيين.

ويخلص الكاتب والمعارض السوري إلى أن الحركة الإسلامية السياسية ككل تتحرك تحت راية إيديولوجية دينية أو شوفينية علمانية، لها جذورها في الثقافة الشعبية، وهي تنال قوتها من خطبتها التي تعدّ تعبوية انفعالية لا خطابا عقلانيا. ويدعو إلى تحليلها المعمق لتفكيك مقوماتها في النفس والمجتمع، الأمر الذي يستدعي دعم مناضلي حقوق الإنسان لمعركة التنوير في المجتمع. ويشدد هيثم منّاع على ضرورة إصرار منظمات حقوق الإنسان على الاستقلالية عن الحركة السياسية لأن ارتهانها بها يرهنها بالضرورة بالتحالفات السياسية للأحزاب مع الحركة السياسية الإسلامية وغيرها، وعلى ضرورة امتلاك معرفة جيدة بالإسلام والتاريخ العربي الإسلامي لإحياء القيم المرتبطة بثقافة حقوق الإنسان وتاريخ التسامح، وإيضاح الفصل بين الغرب والحضارة الغربية والشرعة الدولية لحقوق الإنسان.

7