السلوك العدواني للأبناء درع نفسي للوقاية من قسوة الآخرين

الأربعاء 2014/05/07
الأطفال المعنفون يميلون إلى مخالفة النظام المدرسي

يلجأ بعض الآباء إلى ضرب الأطفال لتعديل وتقويم السلوك غير المرغوب فيه لديهم، ويتخذه أغلبهم وسيلة بديلة للطرق التربوية الأخرى التي ينصح بها مختصون في التربية، والتي تتخذ من العقاب غير الجسدي بصوره المختلفة منهجا لها.

على الرغم من كثرة التشريعات التي باتت تحد من سلوك الوالدين القاسي تجاه أطفالهم الصغار والقوانين المجتمعية التي وضعت لحماية هذا المخلوق عديم الحيلة، فإن البعض من أولياء الأمور مازال مرابطا خارج حدود الحكمة تشده بقايا ذكريات قديمة ورثها عن بيئة أسرية ومجتمعية منغلقة، تروّج لأساليب العنف بجميع أشكالها للحد من “حركة” الطفل المزعج على أمل الحصول على نتائج آنية سريعة، دون النظر لنتائجها المستقبلية الخطيرة على مسار الحياة النفسية لهذا الطفل.

وما يثير الدهشة حقا أن بعض المجتمعات المتطورة مازالت تروج لهذه الأشكال المرفوضة من العنف مع الصغار، على الرغم من تشدد القوانين الوضعية في بلدانها والتي يجدها البعض مبالغا فيها بعض الشيء في فرض حمايتها على الأطفال، خاصة في مرحلة الطفولة المبكرة.

في هذا الإطار، أشارت نتائج دراسة حديثة، إلى أن ضرب الأبناء قد يكون أمرا شائعا بين الآباء في المجتمعات الحديثة، كما أن صفع الأطفال أصبح أقرب للعادة عند البعض الذين يحرصون على إخفائه كحقيقة أو على الأقل يحاولون التقليل من أهميته باعتباره شأنا بسيطا يتماشى مع روتين الحياة اليومية.

أما النتائج التي خرجت بها الدراسة فتشير، إلى أن هذا الأسلوب في التربية فاشل تماما إذ أن الطفل سرعان ما يميل إلى تكرار السلوك غير المرغوب فيه، بعد مرور عشر دقائق فقط من تعرضه للعقوبة الجسدية (الصفعة أو الضربة الخفيفة)، إضافة إلى تبعاتها الخطيرة على نفسية الطفل.

العقاب له تأثير مدمر على البناء النفسي لشخصية الطفل فهو يهز من ثقته بنفسه وبوالديه

وكانت الدراسة التي أشرف عليها مختصون في جامعة الأبحاث الجنوبية في دالاس الأميركية، وضعت تسجيلات صوتية على مدى ستة أيام في 33 منزلا لأسر لديها أطفال صغار، حيث رصدت قرابة 41 حادثة صفع لأطفال سجلت على الأقل لدى نصف عدد الأسر التي شملتها الدراسة.

والغريب في الأمر أن هذه العقوبات المسيئة للأطفال لم تثمر عن شيء يذكر؛ حيث ثبت أن السلوك غير المرغوب فيه قد تم تكراره من قبل أغلب الصغار بنسبة تقدر بحوالي 75 بالمئة، بعد مرور عشر دقائق على العقوبة.

وأشار الدكتور جورج هولدن، المشرف على الدراسة، إلى أن الآباء الذين يكثرون من الصراخ أثناء توبيخ أطفالهم هم أكثر ميلا إلى استخدام أسلوب الضرب معهم، حيث يلجأ بعض الآباء إلى معاقبة أبنائهم الصغار بالضرب بسبب أمور تافهة، فيما تميل الأمهات إلى استخدام هذا الأسلوب بصورة مفرطة.

وشدد الدكتور هولدن على أن العقوبات القاسية تتسبب في مشاكل صحية ونفسية للأطفال مثل الاكتئاب والقلق النفسي، كما تسهم في تعزيز السلوك العدواني.

في النطاق السلوكي، ترى الدكتورة دارسيا نارفيز، أستاذة علم النفس في جامعة نوتردام ومؤلفة مجموعة من الكتب التخصصية في مناهج التربية أهمها كتابها الموسوم “الخبرات المبكرة والتنمية البشرية”، أن العقاب الجسدي قد يشكل تحذيرا للطفل من مغبة السلوك الخاطئ، لكنه لا يقدم له البديل أي أنه لا يطرح السلوك المرغوب فيه كبديل مباشر وفي اللحظة ذاتها، بل يقتصر هذا العقاب السريع الآني على إيقاف السلوك غير المرغوب فيه.
من شأن العقوبات القاسية أن تتسبب في مشاكل صحية ونفسية للأطفال مثل الاكتئاب والقلق النفسي كما تسهم في تعزيز السلوك العدواني

أما السلوك الإيجابي فيتم اكتسابه وفق خطوات تربوية طويلة الأمد، تعتمد بالأساس على تقليد سلوك وأفعال الأشخاص المحيطين بالطفل، وأهمهم الوالدان إذ أن التدريب طويل الأمد له تأثير أعمق بكثير على تعديل السلوك من العقاب القاسي وغير المبرر بجميع أشكاله.

وتؤكد الدكتورة نارفيز على أن العقاب له تأثير مدمر على البناء النفسي لشخصية الطفل؛ فهو يهز من ثقته بنفسه وبوالديه في آن واحد ليدفعه في نهاية الأمر إلى محاولة بناء (درع) نفسي واق، يستخدمه كستار في تعامله مع الآخرين في النطاق الاجتماعي عموما، حيث تنعدم ثقته بالآخرين ويشك في دوافع سلوكهم أيا كانت صورتها.

لذلك، يتكون لديه أساس صلب يغذي الاستعداد عنده لتبني السلوك العدواني على المدى البعيد وفي جميع المواقف، باعتباره رد فعل (احترازي) على العدوان المتوقع من الآخرين، حيث يرى في نفسه الضحية المحتملة.

وشددت على أن الدراسات السابقة والحالية، أظهرت تكوّن السلوك العدواني بسهولة لدى الطفل المعنف بصرف النظر عن خلفيته العائلية وبيئته الاجتماعية.

وكانت نتائج أبحاث سابقة في جامعة ميتشيغان الأميركية، أكدت على أن السلوك العدواني الذي يتعامل بواسطته الآباء مع صغارهم قد يتسبب في رد فعل عدواني من قبل الطفل الذي يتخذ هذا الموقف (المتحفز) كتصرف طبيعي وردة فعل لحماية نفسه من الألم، كما يعزز من السلوك غير المرغوب فيه بمرور الزمن.

في حين أشارت دراسة سابقة في جامعة كولومبيا بنيويورك، إلى أن الأطفال الذين اعتاد آباؤهم على صفعهم في سن الخامسة، يميلون إلى التصرف بعدوانية ومخالفة التعليمات في المدرسة الابتدائية، فيما يتسم أداؤهم في اختبارات مفردات اللغة بالتراجع مقارنة بزملائهم.

21