"السماء تهرب كل يوم" رواية الاعترافات وتداخل مصائر الخاطئين

ثنائية الخير والشر تحضر في العديد من الأعمال الروائية، حتى صارت محور قصص قد تكون حقيقية وقد تكون من وحي خيال الكاتب، وهذه الثنائية التي تظل تتبع البشر ترجمتها روايات عادة ما تكون غنية وزاخرة بالتأملات والتفاصيل، لما فيها من بعد روحي نابع من نفس اتخذت من الاعتراف بالخطايا وسيلة لغسل الذنوب.
الخميس 2016/02/04
الكرسي يتحول من جماد إلى كيان ذي صفات بشرية

تنسلخ كاتيا الطويل في روايتها الأولى “السماء تهرب كل يوم”، الصادرة عن دار “نوفل- هاشيت أنطون”، إلى راويين، الأول كرسي في كنيسة يكتسب حساسية البشر إثر ما يسمعه من قصص، لنراه نفسه مدهوشا لاكتسابه هذه الصفات الإنسانية من تعاطف وشفقة وغيرهما، والثاني هو الراوي التقليدي، الذي يكشف تدريجيا عن الحكايات التي يشهدها الكرسي في الكنيسة لينتهي به الأمر بحكاية الكرسي نفسه، لتتكشف تواريخ ومصائر الشخصيات وتداخلها عبر الصفحات وعلاقتها مع هذا الكرسي ذي الصفات البشرية.

صيغة الاعترافات

صيغة الاعترافات في الرواية قائمة على ثنائية الحقيقة وستار يحجبها أو يجهلها، فلا كذب ولا محاولة لتغطية الحقيقة، الراوي كليّ المعرفة يستدرج الشخصيات للاعتراف، إذ المآسي التي مرت بها هذه الشخصيات لا بدّ لها في النهاية أن تظهر، وطبقات التبرير واللامعرفة التي تحاول الشخصيات أن تغلف حياتها بها تنتهي دائما عند الكرسي، بوصفه المعادل عن الحقيقة، الذي بدوره يتورّط في هذا السرد بوصفه وسيلة للكشف عما هو مستور، لنراه ضاع بين تفاصيل حكايات هذه الشخصيات، التي تتداخل عنده، حيث نرى أنها جميعا تدور في حلقة واحدة، بل حتى أن الكرسي يتحوّل من جماد إلى بشري، بصورة أدق إلى كيـان ذي صفـات بشـرية، يتساءل عمّا يحصل من حولـه في الكنيسـة ويلـوم البشـر على متـاعبه.

صيغة الاعترافات في الرواية قائمة على ثنائية الحقيقة وستار يحجبها أو يجهلها، فلا كذب ولا محاولة لتغطية الحقيقة

الرومانسية تحكم الرواية، فكل ما يحدث نتيجته الفشل والعجز عن المواجهة، وكأن الكون يتآمر ضد هذه الشخصيات للوقوف في وجه أحلامها، وهذا ما ينعكس على الأحداث التي تمر بها، فهي وليدة المصادفات، المصادفات شديدة العشوائيّة، بل والمجانيّة، ما جعل شخوص الرواية أقل عمقا من المتوقع، والأحداث أشبه لما يسمى في الكتابة بـ”الخيار الأول”، أي أول ما يخطر على بال الكاتب وتحويله إلى مبرر لما يحدث دون البحث والتعمق لخلق منطق لهذه الأحداث، حتى تكون الحبكة تسير وفق تقلبات لا تخضع لمنطق خاص، وهذا ما جعل الرواية تدخل في فخ الابتعاد عن منطق الواقع بعيدا عن قصة الكرسي الذي يتكلم.

ففي القصـة الأولى نـرى أمـامنـا مـا يشبـه إيما بوفـاري، بكل سذاجتها، بل إن غيـاب الحذلقة عن الشخصيات يجعل الصـراع واضحا بـل ومحسوما بالهزيمة، لوضـوح الأفعال ومبرراتها ونتائجها، والمصـادفـات التي تحكـم الأحـداث والتي تبتعـد عـن جـوهـر الصراع الـروائي لتكـون الشخصيات محكومة بحكم ومواعظ وأحلام في عالم مثالي.

معالم مألوفة

“السماء تهرب كل يوم” خالية من الهالة، كل ما نقرأه فيها من تبدلات وحكايات يبدو مألوفا، بل حتى طبيعة الحبكة وتداخل الحيوات لا يبدوان مقنعين، بل نرى حالات هشة تنسحب الشخصيات وراءهـا بعمى، لتبدو هذه الشخصيات متشابهة، تتحدث بنفس الطريقة، وهـذا ما ينعكس في لغة الراوي، الذي يوزع الحكم والتصنيفات الأخلاقية، بل نراه يتحاشى كل ما هو لا أخلاقي بصورة بدائية، كالحديث عن الجنس أو التعميم الصادم الذي تحويه الرواية عن اليهود، من خلال شخصية نراها فجأة أنها لشخص يهودي.

الرومانسية تحكم الرواية فكل ما يحدث نتيجته الفشل والعجز عن المواجهة

تجربة كاتيا الطويل ما زالت في بدايتها؛ تقنيات السرد وبناء الشخصيـات مـا زالت هشة، بل نستطيع أن نقرأ صدى ما كتبته في الكثير من الكتب وأحيانا أحاديثنا اليومية والتعميمات الجاهزة، إيما بوفاري هي أول ما يمكن أن يخطر لأحدهم حين يبدأ بالكتاب، إذ نرى الإغراق في الرومانسية، وإعادة تكوين العالم بصورة مثالية متخيّلة على أساس القراءة والكتب لا على أساس التجربة الحياتية.

أما قصة الجهادي الذي حاول تفجير الكنيسة التي تحوي الكرسـي لا تمتلـك العمـق الكافي لتفكيك عقليـة الجهادي، بـل وجوده ضمـن الـروايـة جعلنـا نـرى جهـاديـا سطحيـا.

هذا الأسلوب الذي اعتمدته الكاتبة كاتيا الطويل يشابه التخيل السطحي عن الجهادي وأسبـاب قيـامه بمـا يفعـل، لا نتيجة للبحث التاريخي والتمحيص النفسي والاجتماعي في الظروف التي تولد هذه العلاقة مع الغيب والقـائمة على التضحية بالـذات، والتـي نـراها على طـرفي نقيـض مـع المكـان الـذي سيفجر فيه الجهادي نفسه، في كنيسة، وتمثال يسوع المسيح ينظـر إليه، وكأنها سردية دينية لم يقـدم فيها المقـدس المتعالي أضحية في سبيل تـرسيخ نفسه الطويل في الرواية، التي لم تقـدم الكاتبـة ضمنها رؤيتها الخاصة بالموضوع، بل اعتمدت على المعرفة العمومية التي يمكن أن يمتلكها القارئ إلى جانب الصورة النمطية عن الجهادي، وذلك كي تشكل هـذا التبـاين، لا عبـر خلـق أو تكـوين رؤيـة جديـدة لعمـل الأضحية أو تجربة خصوصية لهذا الجهادي بعيدا عن المتوقع.

قد يعاب على هذا المقال أنه يقارب النص دون الخوض في تفاصيله، إلا أن التعامل مع “السماء تهرب كل يوم” كبنية واجب، لأن الرواية تحمل الثيمات الرئيسية التي انتقدها الفرنسي رينيه جيرارد في حديثه عن الأضحية وعن إيما بوفاري تحديدا، ليصبح الأمر كأننا نقرأ كذبة رومانسية، أما الحقيقة الروائية فهي بعيدة كل البعد عن جهد كاتيا الطويل.

14