السماح عبدالله: قتل الأب يعني ببساطة قتل الابن

يعد جيل الثمانينات من القرن الماضي الأدبي في مصر من أكثر الأجيال حظا، نظرا إلى معاصرته لكبار الكتاب المصريين والاستفادة منهم ومن الحراك الثقافي الذي كانت تزخر به مصر، لكن المفارقة أن هذا الجيل هو الأكثر تعرضا للظلم، حيث يمثل ظواهر إبداعية فردية، غاب أغلبها في زحام الحركات. “العرب” التقت الشاعر الثمانيني السماح عبدالله في حوار حول تجربته وجيله.
الاثنين 2017/11/27
الحال الشعرية الآن تشهد مصيبة كبرى

القاهرة - تتقاطع تجربة الشاعر السماح عبدالله مع رفقاء جيله من شعراء ثمانينات القرن الماضي بمصر في أمور عدة؛ منها الاشتباك مع التراثي، والتزوّد بما هو معرفي، وتغذية الشعر بروافد شتى يعود بعضها إلى الفلسفي والملحمي والذهني والتصوفي، واستيعاب الحداثة كمفهوم متجذر شامل، لا كمقولات شكلانية تقف عند حدود نثرية اللغة.

تتمثل خصوصية عبدالله في إعلاء شأن السردي في النص الشعري، وبلوغ فضاء القصيدة من بوابة الدراما. هذه الخصوصية تتجلى أكثر في ديوانيه الجديدين، الصادرين منذ أيام قليلة في القاهرة عن دار الأدباء للنشر والتوزيع، أحدهما بعنوان “طرف من أخبار الحاكي”، والثاني بعنوان “نثر الدر”، ويمكن التقاط جذورها بطبيعة الحال في دواوينه السابقة، ومنها “خديجة بنت الضحى الوسيع”، و”مكابدات سيد المتعبين”، و”الواحدون”، و”أحوال الحاكي”، و”تصاوير ليلة الظمأ”، وغيرها.

خصوصية شعرية

المعروف أن السماح عبدالله يحتفي بالسرد على نحو خاص كذريعة جوهرية لبلوغ ما هو شعري، بدون أن تقف تلك النزعة حائلًا ينتقص من حضور الموسيقى التفعيلية الظاهرة، التي لم يتخل عنها الشاعر على مدار تجربته كلها إلا في حالات نادرة.

عن تلك العلاقة الوثيقة بين الشعر والسرد في تجربته، يوضح لـ”العرب” أن الشعر يحتفي بالسرد منذ بواكيره الأولى؛ منذ تسلقَ امرؤ القيس حيطان غرفة نوم حبيبته، ومنذ امتدح الأعشى أمانة ووفاء السموأل في حفظ دروع صديقه مضحيًا بابنه في مقابل حفظ العهد، ويقول “بالنسبة إلي، كان السرد واحدًا من البوابات التي فُتحت لي منذ صغري”.

ويسترجع بداية عشقه السرد، منذ قراءاته الأولى للملاحم والسير الشعبية وحكايات وأيام العرب الشهيرة، حتى أصبحت ملازمة للمكون المتمم للصورة الشعرية في قصائده، ويرى أن الشاعر دائمًا في حاجة للبعد الدرامي كي يصل إلى مرامه الفني، ويتخذ الكثير من الذرائع التي يتوسل بها، ومن أهمها السرد.

ويفرق السماح بين “السرد في الشعر”، و”الشعر في السرد”، قائلًا “في الحالة الأولى أنت تتحدث عن الشعر، وفي الحالة الثانية أنت تتحدث عن السرد، وهذا مرهون بمقدرة وموهبة الكاتب، فالسرد في الشعر يخضع بالأساس لتقنيات وآليات الشعر، والشعر فقط، فإن استجاب الشاعر لآليات السرد وحدها ترهلت القصيدة لديه، وخرجت مسخًا شائهًا غير ذي مرمى فني، لأنه ساعتئذ سيكون قد فقد الحالتين معًا”.

الشاعر دائما في حاجة للبعد الدرامي كي يصل إلى مرامه الفني، ويتخذ الكثير من الذرائع لذلك ومن أهمها السرد

القضية لها بعد آخر، يبرزه السماح عبدالله، هو التراسل بين الفنون المختلفة، ويستطرد “تمامًا كما يستفيد كشاعر من المنجز الفني للتصوير السينمائي، أو اختلاس لقطات من الفن التشكيلي، أو الاستفادة من قرارات وأجوبة المغني، فالشاعر في الأخير يستطيع أن يظفر في قصيدته بكل ما يخدم غرضه الشعري، ويستطيع أن يلبس أكثر من قناع، ما دام محتفظًا بفرادة أدائه”.

يرفض السماح توصيفه بأنه “شاعر محافظ”، استنادًا إلى تمسكه بالتفعيلة الموسيقية في أغلبية نصوصه، وتواصله الحيوي مع الموروث، قائلًا “المحافظة الشعرية أمر ملتبس بعض الشيء، فالحداثة كما أتصورها ليست مقولة شكلانية، بقدر ما هي مقولة فنية، فأنت تستطيع أن تمسك بالحداثة في أقصى صورها في بيت المتنبي الذي كتبه منذ قرابة ألف سنة: أتراها لكثرة العشاق.. تحسب الدمع خلقة في المآقي”.

ويرى الشاعر المصري أنه من الممكن افتقاد الحداثة تمامًا في الكثير من قصائد النثر المطروحة اليوم لشعراء القرن الحادي والعشرين، ويقول “على أية حال، من الأهمية بمكان الاستفادة من تراثك الفني، لأنك كشاعر حداثي مطالب بأن تتسلح بالمعرفة، ما يتيح لك القدرة على التجاوز الذي هو أحد أهم طموحاتك كشاعر جديد، وإن لم تكن تملك هذه الذخيرة فستظل دوارًا في فلك مقفول. المعرفة الفنية تتيح لك أن تتطور وتتجدد، وإلا فكيف يمكنني أن أثور على شيء لا أعرفه؟”.

ويعتقد أن الحال الشعرية الآن تشهد مصيبة كبرى، هي أن الكثير من المطلوب منهم أن يحكموا على الشعر، لا يعرفون الشعر، ويوضح “الشعر كما هو فن، هو علم أيضًا، وأنا أستطيع أن أذكر أسماء دوريات تنشر الشعر بشكل دائم، هذه الدوريات ليس فيها من يستطيع أن يقرأ الشعر قراءة صحيحة، فكيف إذن سينشره على الناس؟ الأمر مربك جدًّا، ونحن في حاجة إلى أن ندعو إلى المعرفة بكل أنواعها، المعرفة اللغوية، والمعرفة الفنية، والمعرفة بكل الأصول”.

بلوغ فضاء القصيدة من بوابة الدراما

وحول موقفه “الأريحي” نحو قصيدة النثر، على الرغم من أنه لا يكتبها كخط أساسي، يعترف بإيمانه بتعدد المذاقات، فالشعر كبير وكثير ومتنوع، وهؤلاء الذين يقصرون الشعر على شكل بعينه لا يدركون حقيقته.

ويقول “منذ بداياتي، أتعامل مع الشكل كوعاء وليس كمقصد فني، لذا فديواني الأول ‘خديجة بنت الضحى الوسيع‘ الصادر في أوائل العام 1988 والذي كتبت قصائده أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن الماضي، به قصائد نثر، قبل شيوعها هذا الشيوع الجارف في التجربة المصرية، فالأمر في الأخير يرجع إلى الفن ولا يرجع إلى مقولات النقاد المعلبة، هذه المقولات التي استسهلها الكثير من الشعراء فخرجت قصائدهم باردة بلا روح، وأقرب إلى المعادلات الرياضية. أنا ابن الشعر، أينما كان، ولا ترهبني تصنيفات المصنفين”.

الجيل المظلوم

ويرى الشاعر السماح عبدالله أن المشهد الثقافي بحاجة بالفعل إلى عشرات السلاسل وعشرات الأمسيات الشعرية لاستيعاب هذا العدد الهائل من شعراء مصر، “لا أتحدث عن المستوى الفني لهؤلاء الشعراء، فإذا ما وضعناه في الاعتبار، ولا بد أن نضعه، سندرك كم يعاني من يتصدى للعمل العام بمصر”.

نشأ السماح عبدالله في بيئة شعرية خصيبة، وأتيح له منذ صغره أن جالس شعراء ونقادا كبارا، وأن تعلم منهم ونهل من ينابيعهم، ويحكي قائلًا “كان ممكنًا وقتها ببساطة الذهاب إلى ندوة نجيب محفوظ ودار الأدباء والبرنامج الثاني وقصر باشتاك والأهرام وريش وعلي بابا والآتيلييه وأسترا وندوة المساء والبستان، وفي هذه الأماكن ستقابل طاهر أبوفاشا ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم وأمل دنقل وإبراهيم فتحي ولويس عوض وخيري شلبي وعفيفي مطر وأصلان، أكبر الظن أنني كنت محظوظًا بمقابلة هؤلاء والحديث معهم، وأكبر الظن أنني أفدت كثيرًا من أبوتهم بمعناها المتسع، فمقولة قتل الأب تعني ببساطة قتل الابن، فأنت بلا مخزون معرفي لا ظلال لك، وأنت بلا تاريخ لا مستقبل لك”.

ووصف جيل الثمانينات الشعري في مصر في حواره مع “العرب”، بأنه الجيل الأكثر ظلمًا، فقد أتى إلى الشعر من مناطقه الحقيقية، بعيدًا عن التسلح بكل ما هو جاهز، وبعيدًا عن الانتماءات السياسية التي توجه وتشير وتحاسب، وبعيدًا عن التقوقعات النقدية التي تقولب الأفق الشعري.

ويرى أنه من الطبيعي أن نجد أبناء هذا الجيل فرادى وليسوا جماعات، كما كان الحال مع شعراء السبعينات.

ويعتقد أن المشهد الشعري الراهن بمصر يمر بحالة نقدية غير طيبة، ويقول “أصبحنا بلا مرجعية نقدية على الإطلاق، الأمر الذي جعلنا نعيش ما يشبه الفوضى الشعرية، فليس هناك من يقرأ ويغربل ويحلل، حتى امتلأت حياتنا الثقافية بكتاب الخواطر وبالمهرجين”.

15