السماح للأطفال بالفشل يجعلهم أكثر قدرة على النجاح

تحاصر رغبة الآباء في أن يروا أبناءهم ناجحين وفي أفضل حال، استقلالية الأبناء ومساحة تجارب الحياة لديهم، فلا تترك مجالاً كافياً لهم كي يرتكبوا أخطاء ليتعلموا منها كيف ينجحون، حيث يسيطر الآباء على نمو وتطور أبنائهم بالإفراط في ممارسة دورهم، والمبالغة في حمايتهم.
الثلاثاء 2015/08/25
سيطرة الآباء على الأبناء تدمر قدرتهم على استعادة التوازن عقب خيبات الأمل

يحوم الآباء حول أبنائهم في كل مكان في طريقة التربية المعروفة بطريقة “الهليكوبتر”، والتي تبدأ بينما يكون الأطفال في سن صغيرة للغاية، وتستمر معهم في مراحل الدراسة المختلفة، وهو ما قد يحدث التصادم بين الآباء والأبناء عندما يكبرون ويكونون في حاجة إلى الاستقلالية والاعتماد على الذات.

وعلى الرغم من أن معظم الآباء يدركون أن الفشل أمر شائع الحدوث، بغض النظر عن مدى وحجم الاجتهاد والمحاولات، إلا أنهم يرونه شيئاً بشعاً وغير سار ويرفضون قبوله، وهو الحال نفسه بالنسبة للكثير من الأطفال في العديد من المواقف، وهو ما يصعب، بل ويستحيل أحياناً على الآباء المفرطين في تربية وحماية أبنائهم، أن يشهدوا كيف تؤثّر طريقتهم على أبنائهم وانعكاساتها السلبية عليهم.

وفي سعي الآباء المستمر لتحقيق التميّز ربما يتمادون لضمان عدم تعثّر أبنائهم أو فشلهم، وهو ما يضرّهم أكثر مما ينفعهم، ويفقدهم الكثير من خبرات الحياة، والتجارب الفاشلة التي تمنح الإنسان القدرة على مواجهة صعوبات الحياة وتحقيق النجاح، فعندما لا يدع الآباء المجال لأبنائهم كي يختبروا الفشل أو خيبات الأمل، هم بالتحديد يفعلون عكس ما يأملون في تحقيقه، فالنتيجة الحتمية لهذا الأسلوب في التربية أنهم يجعلون أبناءهم عاجزين، غير قادرين على مواجهة الصعوبات وتحديات الحياة، فيكونون أقرب للفشل من النجاح.

وتشير الدراسات والأبحاث إلى أن معدلات النجاح في الحياة تزداد لدى الأشخاص الذين تعرّضوا لتجارب فشل سابقة في حياتهم، بنسبة 60 بالمئة، في مقابل الأشخاص الذين لم يخوضوا تجارب فاشلة. كما تزداد لدى مَنْ خاضوا تجارب فاشلة نسبة الاستقلالية والثقة والاعتماد الكامل على الذات.

وتقول الاستاذة سوزان نيومان، الخبيرة في العلاقات الأسرية والتربية، إن غالبية الآباء يحاولون تربية أبنائهم ليصبحوا أكاديميين أو حتى نجوم الرياضة، ولذلك لا يريدون لهم الفشل.

كما تشير إلى أنه يجب التعامل مع الفشل باعتباره هدية، وضرورة ترك الآباء المجال لأبنائهم كي ينجحوا من خلال فشلهم. وتابعت نيومان: أسلوب التربية القائم على الإفراط في حماية الأبناء وتجنيبهم الفشل يقوّض كفاءتهم واستقلالهم، إلى جانب فقدان إمكانياتهم الأكاديمية.

وتوضح الدكتورة منال رستم، الخبيرة في التربية، أنه ينغرس داخل الأبناء خوف من الفشل عندما يتدخّل الآباء في جميع تجاربهم واختياراتهم طوال المراحل العمرية، بداية من مرحلة تعلّمهم النطق في الصغر، ومروراً بمرحلة المراهقة، وحتى التخرّج من الجامعة، فهم يقحمون أنفسهم في نشاطات وحياة أبنائهم، قاضين على أيّ مساحة لاستقلاليتهم، مشيرة إلى أنه من الأفضل أن يترك الوالدان الأبناء يختبرون ويتعرّفون على حياتهم بأنفسهم، وأن يخوضوا تجاربهم اعتماداً على الذات.

وأضافت قائلة: فمثلاً في بعض الرياضات تجد العديد من الآباء يصيحون من خارج الملعب ليملوا على أبنائهم بعض التعليمات والإرشادات أثناء اللعب. كذلك هناك أيضاً مَنْ يساعدون أبناءهم كثيراً على أداء واجباتهم المدرسية، بل ويتدخّلون في صداقاتهم والمشاكل التي تحدث بينهم.

وفي ما يتعلق بالمناطق الإشكالية والحسّاسة، تنصح الدكتورة منال الآباء باتباع أساليب وطرق تساعد أبناءهم على تعلّم التكيّف واتخاذ القرارات السليمة بعد القرارات الخاطئة التي تسبّبت في الفشل.

أما الدكتور جابر عبدالحميد، الأستاذ بمعهد الدراسات التربوية بجامعة القاهرة، فيرى أن الطريقة المفرطة في التربية، “طريقة الهليكوبتر” تمحو كل قدرات الطفل على صنع القرارات، بل وتقوّض قدرته على المثابرة والنهوض بعد الانتكاس، والقدرة على الاعتماد على الذات.

لافتاً إلى أن سيطرة الآباء على الأبناء وعدم ترك أيّ استقلالية لهم تدمر قدرتهم على استعادة التوازن عقب خيبات الأمل، وتؤثّر سلباً على مرونتهم، وهي سمة ضرورية للنجاح.

موضحاً أن الفشل يساعد الأبناء على التعلّم، كونه يختبر قدراتهم. وبالتالي يعزّز خبراتهم ومستوى المعرفة لديهم، كما يعلّمهم أيضاً كيف يكونون مرنين، هذا إلى جانب أنه كلما اجتهد الطفل حتى يتغلّب على تحدّ يواجهه صار أكثر ذكاء.

وتابع: الأطفال الذين يعزّز آباؤهم الاستقلالية لديهم، والاعتماد على النفس، هم أكثر كفاءة ومرونة في مواجهة الإحباط، كما أن الأبناء الذين يسعون لتحقيق أهدافهم هم أكثر عرضة لتحقيقها والوصول إلى ما يريدون من نجاحات.

ويشير الدكتور جابر إلى ضرورة أن يتراجع الآباء ويدعون مجالاً لأبنائهم كي يمارسوا الفشل بأنفسهم، وأن يقتصر تدخّلهم على الناحية النفسية من خلال تعزيز ثقة أبنائهم في أنفسهم ودعمهم، هذا إلى جانب اتباع نموذج تربوي أكثر فاعلية يعود بالنفع على الأبناء، يتضمّن عدة رسائل للأبناء، منها “تحلوا بالصبر، ثقوا في أنفسكم، أنتم قادرون على تحقيق النجاح دون مساعدة”.

21