السمة العاطفية والمستقبلية تطغى على أحلام الشباب

الأحد 2013/12/29
ينصح الشباب بالابتعاد عن التطلع المسرف في الخيال

القاهرة - أحلام النوم من الأحداث التي تشغل بال الإنسان ويفكر فيها ويحاول تفسيرها، أو قد يلجأ إلى غيره ليقوم بهذه المهمة، وهي تعبر عن أحداث يغلب عليها طابع التفاؤل أو التشاؤم.. وكثيرا ما تكون انعكاسا لرغباتنا الدفينة، وتعبيرا عما نتطلع إليه من آفاق، وما نخشاه في الحياة.

يهتم علماء النفس بدراسة الأحلام، ويرون أنها صدى الإنسان النفسية وتنفيسات عن مكبوتات داخل عقله الباطن.. لكن هل للأحلام وظيفة نفسية؟ وهل يستطيع الإنسان التحكم فيها؟

يقول الدكتور سيد صبحي أستاذ الصحة النفسية والعلاج النفسي بجامعة عين شمس: إن مرحلة الشباب هي المرحلة التي يسعى فيها كل شاب إلى عمل كل ما يحقق ذاته، فهو يسعى إلى الصحة والقوة والعلم والمهنة وغير ذلك من الأمور التي تسهم في تكوينه النفسي والعضوي والاجتماعي، وبكل ما يتعلق بهذا التكوين من إرادة وقوة وفعل، وعندما نتكلم عن أحلام الشباب فنحن نتحدث عن “الأهداف” بشكل من الأشكال، إلا أننا نحتاج إلى أن نفرق بين أحلام النوم وأحلام الواقع التي نتطلع إليها ونسعى إلى تحقيقها.

وبطبيعة الحال فهناك فرق جوهري بين الاثنين، فالشاب قد يخلد إلى النوم فإذا به يرى مجموعة من الأحلام قد تعبر عن بعض من الأماني والرغبات التي لم يستطع تحقيقها في الحياة الواقعية، وهذا النوع من الأحلام يخضع لتأويلات عديدة ويختتم غالبا بعبارة “اللهم اجعله خيرا” وهذا دعاء يختتم به الشاب حلمه الذي يمثل خوفه من تحقق ما رآه، ويُعد هذا النوع من الأحلام أحلاما لا إرادية ليست خاضعة لإرادته ووعيه وفكره؛ ولذلك يطلق عليها الشعراء عبارة “أضغاث أحلام” نظرا لصعوبة تحققها في الواقع أو استحالتها. وهذه هي أحلام التنفيس التي تظهر من خلال المكبوتات وتأخذ حظها في النوم وتنتهي بانتهاء لحظة الاستيقاظ، وهذا عكس أحلام التنفيذ تلك التي يصنعها الشباب وفق خطة ومنهج وقدرة واقعية، وقد لا تكون ممثلة للواقع الفعلي المعيش ولكنها ترمي إلى إنجاز قد يأتي أوانه، فيما بعد وهذا النوع من الأحلام نطلق عليه أهدافا بعيدة المنال، ورؤية لما سوف يأتي.

وبالاعتماد على العمل الجاد والمثابرة الواعية، ودقة التصوير، وحسن التخطيط يتحقق الحلم ويتجسد الهدف، ومن هذا المنطلق نريد أن نشجع الشباب على صناعة حلمه في الواقع بالحزم في العواطف واتخاذ القرار على أرضية من التوجيه والإرشاد والبعد عن التطلع المريض الذي يجعل صاحبه يريد ولا يعمل، ويحلم ولا ينفّذ ويغرق في النعاس بعيدا عن الواقع أو التعامل مع الحقائق التي هي المحك الوحيد لصناعة الأهداف. وأنصح الشباب بالبعد عن التطلع المسرف في الخيال دون معرفة القدرات الحقيقية لهم فالقدرة الحقيقية هي أساس الإنجاز.

نشجع الشباب على صناعة حلمه في الواقع بالحزم في العواطف واتخاذ القرار على أرضية من التوجيه والإرشاد والبعد عن التطلع المريض الذي يجعل صاحبه يريد ولا يعمل

ويفسر الدكتور مجدي فتح الله أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس “الأحلام” بأنها أحداث معينة يراها الإنسان وهو نائم، وقد يكون طرفا فيها وهي تعبر عن حالته النفسية إما بشكل مباشر أو بشكل رمزي؛ وعلماء التحليل النفسي يرون أن الأحلام رمزية وتكشف عن عُقَد الإنسان، وترتبط بطفولته، لكن يعتقد علماء نفس آخرون أن الأحلام هي تعبير مباشر عن المعاناة اليومية للإنسان، ولا بد من حدوث الأحلام، وهي تستغرق خمس وقت النوم بمعنى أن سبعين دقيقة نوم دون أحلام لا بد أن تعقبها عشرون دقيقة من الأحلام، وإذا حرمنا الإنسان من الأحلام فإنه يصاب بالجنون، وهذا معناه أن الأحلام ضرورة لحفظ التوازن النفسي، وتطغى السمة العاطفية والمستقبلية على أحلام الشباب كتعبير مباشر عما يشغله، وتختلف أحلام الجنسين تبعا لاهتمامات كل منهما فالفتاة أكثر ما يشغلها عواطفها أما الشاب فيهتم أكثر بمستقبله.

بينما ترى الدكتورة أمينة كاظم أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس أن الأحلام لها وظيفة مهمة تعمل على استمرارية النوم، كما أنها تساعد على التعبير أو التنفيس عن الرغبات والأماني المكبوتة، وأنها ينطبق عليها المثل الشائع “الجائع يحلم بسوق العيش”، فدائما ما تتناول الأحلام خاصة في مرحلة الشباب الأماني بعيدة المنال ومحاولات إشباعها في الحلم، وتختلف الأحلام وفقا لاختلاف مراحل العمر وظروف الإنسان، فأحلام الطفولة تختلف عن أحلام الشباب لاختلاف الخبرات، والحالة النفسية تنعكس على الحلم، فالشاب المثقل بالهموم والذي يعاني من صعوبات ومشاكل معينة لا بد أن تكون أحلامه مزعجة، أما إذا كان يتمتع بالاستقرار الاجتماعي والنفسي فبالتأكيد سوف تعبر أحلامه عن حالته وتكون مبهجة وسعيدة.

ويختلف الحلم عن “الرؤيا” التي اختص بها الله سبحانه وتعالي الأنبياء وعباده الصالحين ومنها الرؤيا التي رآها سيدنا يوسف في نومه، وفي حدوث الرؤيا لكنها كلها خارج إطار العلم، ولا مكان للفتوى فيها، وهي لا تحدث لكل البشر، وقد أجرى علماء النفس تجارب عديدة عن الأحلام واكتشفوا من خلالها أن الإنسان يحلم باستمرار حتى إذا استيقظ معتقدا أنه لم يحلم في ليلته ففي الحقيقة إنه قد رأى الحلم لكنه قد نسيه. وعادة يتذكر الإنسان الحلم الذي يراه أثناء نومه الخفيف في فترة الصباح قبيل استعداده للاستيقاظ، أو قبل استغراقه في النوم العميق أول الليل، كما يتذكر الإنسان الحلم إذا كان يعبر عن انفعال قوي جدا، فالطالب المشغول بدراسته قد يفشل في التوصل إلى حل مسألة رياضية أو هندسية وينام ومخه في حالة نشاط مستمر وقد يحلم بالحل، ولذلك عندما يستيقظ ينجح في فك طلاسمها، وليلة الامتحان قد يحلم الطالب بأنه قد وصل للّجنة متأخرا عن موعد بدء الامتحان، ومن المعروف أن الأحلام ليست منطقية وإمكانياتها خارقة، لأنه في الحلم يمكن رؤية أشخاص لا نعرفهم في الواقع، أو نزور أماكن غير معروفة لنا، أما الكابوس فهو حلم مزعج يراه الإنسان الذي يتناول عادة وجبة دسمة وينام أو يستسلم للنوم وهو يعاني من مشكلة تؤرقه.

وعن البعد الديني لتفسير الأحلام يذكر عالِم الفلك الراحل الدكتور محمد جمال الدين الفندي في بحث له عن الأحلام والإنسان- والدكتور الفندي عمل أستاذا للفلك بكلية العلوم جامعة القاهرة – أن الأحلام ما هي إلا تعبير عن أشياء كامنة في نفس الإنسان، فالشاب الذي يفكر في فتاة يراها في الحلم، والذي يتمنّى الأموال يجدها في أحلامه، وليست كل الأحلام صادقة خاصة بعد أن طغت المادة وتحكمت في حياتنا اليومية، وتحولت اهتمامات كثيرين من الأمور الروحانية إلى النواحي المادية، فأصبحوا يرون أحلاما تعبر عن الإجهاد والحزن والمشاكل والمتاعب، بينما الإنسان قوي الإيمان القريب من الله تغلب لديه النزعة الروحانية فيرى أحلاما صادقة يمكن من خلال تفسيرها التنبؤ بما سيحدث بل وتعد إشارة له من الله؛ لأن الأحلام عبارة عن أحداث الأرض مكررة في السماء قبل حدوثها، وفي هذه الحالة يطلق على هذه الأحلام رؤى صادقة، وتكون عبارة عن رموز تحتاج إلى تفسير مثل تفسير سيدنا يوسف لرؤية فرعون مصر والرؤيا الصادقة نادرة الحدوث ولا تأتي لأي شخص، أما غالبية الناس فيرون في نومهم أحلاما عادية تعبر عن أمانيهم، أما أحلام اليقظة فهي مختلفة وتحدث أثناء تفكير عميق لإنسان يقظ ويرى أشياء بداخله تعبر عما هو مكبوت في نفسه.

إن معظم سلوكيات الإنسان تحدث بعد أن يفكر فيها، لأن المخ مثل البطارية؛ إما أن يتم شحنها بشحنة موجبة وبتفكير طيب فيكون السلوك طيبا أو العكس، وبعض الأديان كالمسيحية ترى أن التفكير في السيئة من الذنوب مثل ارتكابها، أما الإسلام فلا يعتبر مجرد التفكير في الإثم ذنبا إلا بعد ارتكاب الشر، والأحلام ما هي إلا جزء من التفكير الذي يشغل به الإنسان مخه. وينصح الشباب بالتقرب من الله؛ لأن كل شيء بأمره، وحينما يصل الشاب إلى درجة الإيمان لا يقترب منه الشيطان، فالله يقول: “إن عبادي ليس لك عليهم سلطان” ولذلك يجب أن يبتعد الشباب عن اليأس والإحباط، وأن يعلم أن مع “العسر يسرا”، ويتوكل على الله بعد أن يؤدي ما عليه، وفي هذه الحالة سوف يكون تفكيره طيبا وأحلامه صادقة، أما بخصوص الرموز الواردة بكتب تفسير الأحلام فهي إشارات؛ لأن الحلم لا يأتي مجردا، بل يحتاج إلى تفسير باستخدام هذه الإشارات ذات الدلالات.

21