"السنة الأخيرة" لأميركا التي نعرفها

تشابه السياسة الخارجية الأميركية للرئيس السابق مع خيارات ترامب، وليلة الانتخابات تكشف مواجهات ساخنة في فريق أوباما.
الأربعاء 2018/04/04
أوباما ليس الرئيس الأميركي الوحيد الذي غالط الأميركيين والعالم

لندن - يبدو وجه الاختلاف بين الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما المنتمي إلى الحزب الديمقراطي والرئيس الحالي دونالد ترامب المنتمي إلى الحزب الجمهوري جليّا بسبب التباين في التعامل مع القضايا الداخلية للولايات المتحدة أو الملفات الخارجية. وفي الوقت الذي رفع فيه أوباما شعار “نعم نستطيع” بمناسبة تنصيبه ولاية رئاسية ثانية عام 2008، فإن ترامب رفع شعار “أميركا أولا” داعيا إلى استعادة عظمة بلاده خلال فوزه بالسباق الرئاسي عام 2017. ورغم حجم الاختلافات بينهما إلا أن الفيلم الوثائقي “السنة الأخيرة” يكشف أنها لم تكن غير مجرد شعارات أوهم أوباما بها الأميركيين، وأن فريق أوباما كان على خطى ترامب.

واستقبلت دور السينما العالمية يناير الماضي الفيلم الوثائقي التاريخي “السنة الأخيرة” الذي يحكي وقائع إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما للسياسة الخارجية لبلده وأحداث العام الأخير لرئاسته. ويتحدث في الفيلم مسؤولون كبار سابقون، بمن فيهم سفيرة الأمم المتحدة سامانثا باور، ووزير الخارجية السابق جون كيري.

بنيامين رودس: لاقى الفيلم استحساناً بسبب نهايته. كان من الممكن أن ينقل صورة أفضل لهؤلاء الذين عملوا بجد من أجل صياغة السياسة الخارجية في عهد أوباما
بنيامين رودس: لاقى الفيلم استحساناً بسبب نهايته. كان من الممكن أن ينقل صورة أفضل لهؤلاء الذين عملوا بجد من أجل صياغة السياسة الخارجية في عهد أوباما

ويتناول المخرج غريغ باركر تأثير فوز ترامب على المحيطين والقريبين من سابقه أوباما، وكأنه يريد أن يقول إن ما قدّمه أوباما خلال فترة رئاسته الممتدة على 8 سنوات ستضيع هباء منثورا بقدوم ترامب صاحب التوجه الانعزالي المحافظ الذي رفع شعار “أميركا أولا” تجاه حلفاء وخصوم واشنطن على حد سواء. وخلال ساعة ونصف الساعة، يستعرض المخرج في أحداث الفيلم تفاصيل من زيارات وجولات حية قام بها أوباما في عامه الأخير في البيت الأبيض.

ويسرد الفيلم تعامل أوباما اتفاق باريس حول المناخ، والاتفاق النووي الإيراني، وزياراته إلى هيروشيما ولاوس، وحول المفاوضات الداخلية لإيجاد السلام في الملف السوري.

ويُظهر الفيلم شعبية الرئيس السابق وإدارته في داخل الولايات المتحدة وخارجها خلال الثماني سنوات من خلال اللقطات التي يبرز خلالها جون كيري وزير الخارجية وعدد من مساعدي أوباما.

لكن لم يتوقع صناع الفيلم الوثائقي التاريخي “ذي فاينال يير” أو “السنة الأخيرة” رغم انحيازه لأوباما أن يفضح الفيلم الجانب المظلم لفترة حكمه الأخيرة وتصل حقائق تلك الفترة إلى المتلقي خاصة تلك التي تناولت الخلافات بين فريقه ليلة انتخاب الرئيس عدد 45 للولايات المتحدة.

ورغم تسليط الفيلم الوثائقي، الذي استغرق تصويره 90 يوماً في 21 دولة مختلفة خلال الأشهر الـ12 الأخيرة لرئاسة أوباما، الضوء على ايجابيات تلك الفترة للبيت الأبيض وأجواء من الحب والسلام، إلى درجة تختفي معها كل الانتقادات أو التحفظ التي طالت توجهات الرئيس الأميركي آنذاك. حيث كانت رسالة الفيلم بمثابة قصة حب، صريحة وبسيطة، استوحاها صنّاع الفيلم من سؤال وجهه طالب فيتنامي لأوباما خلال جلسة أسئلة وأجوبة “أنت قائد عظيم.. كيف يمكننا أن نصبح قادة رائعين مثلك؟”.

لكن الناقد السينمائي البريطاني ريان غيلبي يتساءل “أين المشاهد التي تؤكد على اعتماد أوباما توجهات مشابهة لسياسة ترامب، مماثلة في قسوتها لانعزاليته التي يفخر بها، التي لا تختلف عن ميول الأخير للتصعيد العسكري في أكثر الملفات الخارجية تعقيدا؟”. مستشهدا بما قاله مهدي حسن العام الماضي إنه “لا ينبغي لأهوال عصر دونالد ترامب أن تعمينا عن الطرق الكثيرة التي ساعد من خلالها سلفه الديمقراطي في وضع الأساس لها”.

ويرى غيلبي أن “صنّاع الفيلم لم يكونوا على هذا القدر من الجرأة بحيث يشهرون بسمعة الرئيس السابق في عملهم الوثائقي أو حتى أن يفعلوا ما فعله حسن حينما قال “الرئيس الرابع والأربعون لم يكن إلا تمهيداً للرئيس الخامس والأربعين”. لكن صنّاع القرار في فترة حكمه استطاعوا كشف الجوانب المظلمة في فترة أوباما رغم تغاضي صنّاع الفيلم عنه”.

حقائق الخارجية الأميركية

فيلم يكشف خبايا الفترة الأخيرة لحكم أوباما
فيلم يكشف خبايا الفترة الأخيرة لحكم أوباما

يعتقد غيلبي أن “التصوير يشي بالكثير، ولا سيما وأن الكاميرات صورت لقطات حية لأوباما وفريق عمله في سيارات الليموزين وعلى الطائرات وفي كواليس بعض الأحداث والمؤتمرات الهامة، وأيضاً في مكاتب الجناح الغربي للبيت الأبيض”.

وأشار إلى أنه على “الرغم من حصول أوباما على النصيب الأكبر من المشاهد، لكننا سمعنا أيضاً بعض التعليقات من سامانثا باور، سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة في فترة رئاسة أوباما الثانية، وكذلك بنيامين رودس، نائب مستشار الأمن القومي للاتصالات الاستراتيجية في عهد أوباما، الذين كانوا جزءا من فريقه حتى قبل انتخابه”.

ويرى غيلبي “أنها كافية لتوضيح الصورة الحقيقة للإدارة السلف السابق لترامب وإن امتدحها جمهور الحزب الديمقراطي لكن لا تعني أنها كانت بالصورة المثالية”.

يقول غيلبي إن “بعض المشاهد التي لا يمكن أن نفوتها، وخاصة تلك التي تنهار فيه سامانثا باور، وهي مهاجرة أيرلندية، بينما تترأس أحد مراسم التوطين، وإن كانت مشاهد ضئيلة مقارنة بالعديد من المشاهد الأخرى.

ويضيف ساخرا “لعلنا نشعر الآن بالامتنان لوجود ترامب. فدونه، كان الفيلم ليكون عبارة عن ملعقة مليئة بالسكر”.

ويبيّن الناقد السينمائي أنه على الرغم من أن مشاهد ظهور الرئيس الأميركي الحالي قليلة، لكنها ذات مغزى ومعنى مهمّ.

ويظهر ترامب في خلفية أحد المشاهد برأسه، التي يصعب تمييز ملامحها، خلال زيارة أوباما وفريقه للاوس في مشهد يكشف توافقا ضمنيا على التوجهات العسكرية لواشنطن بينهما، وان إدارة أوباما ليس بمنأى عن العنف الذي اتبعته الولايات المتحدة على مدى تاريخها التي يجسّد نموذجا منها نشر القوات الأميركية هناك أثناء حرب الفيتنام.

في المشهد التالي تسأل امرأة، كانت تجلس في المقهى، رودس نائب مستشار الأمن القومي في عهد أوباما عمّا إذا كان سيستمر في عمله بنفس طاقته مع الرئيس القادم. هذا المشهد أثار اندهاش غيلبي، إذ كيف يمكن لأي شخص أن يعتقد أن رودس، بميوله وتعاطفه، سيكون سهل الانقياد لخيارات الإدارة الأميركية القادمة التي تتضح خياراتها في تلك الفترة؟ لافتا إلى أنه لم يتوقع المجتمع الأميركي آنذاك أن “يصبح ترامب الرئيس القادم. لقد كان المقصود من هذا الحوار هي المرشحة الديمقراطية الأوفر حظا حسب استطلاعات رأي أولية للسباق الرئاسي هيلاري كلينتون”.

ثم جاء رد رودس على هذه السيدة قائلا “لا أعتقد ذلك، أعرف أن هيلاري كلينتون تمتلك فريقاً ممتازاً”. ثم سألته السيدة مرة أخرى “تعتقد إذن أن كلينتون هي من ستفوز بالانتخابات، وليس ترامب؟”.

حينها ابتسم رودس بثقة مجيبا “لا أنا متأكد من أن كلينتون ستفوز”. ثم باغتته السيدة بسؤال آخر عن الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي. أجابها رودس معترفاً “هذا يعني أن أي شيء يمكن أن يحدث في عالم السياسة”، على الرغم أنه مازال حينها مستبعداً تماماً لانتخاب ترامب.

وبقدر ما تبدو مثل هذه المشاهد مفاجئة ومؤلمة، إلا أنها يمكن أن تخدم الفيلم بشكل جيد لكشفه أسبابا أخرى لنتائج الانتخابات الأميركية الأخيرة المثيرة للجدل، ولا سيما وأن العديدين افترضوا أن كلينتون قد خاضت معركة خاسرة. لكن هذا المشهد يقدّم دليلاً ينفي هذه الافتراضات.

وقد صرّح رودس، في حوار له مع صحيفة الغارديان، بقوله “لسوء الحظ، ربما لاقى الفيلم استحساناً بسبب نهايته. كان من الممكن أن ينقل الفيلم صورة أفضل لهؤلاء الذين عملوا بجد من أجل صياغة السياسة الخارجية في عهد أوباما.. واستدرك بقوله “لكن الفيلم اكتسب هذا الطابع المفجع.. عندما تنظر إلى النهاية تدرك على الفور أنه تحول إلى أشبه بفيلم رعب”.

ونستطيع أن نفهم تعامل رودس مع الإعلام الأميركي الذي لا يختلف عن مهاجمة ترامب المتواصلة له حيث أحدث رودس ضجة عقب عرض صحيفة نيويورك تايمز للمحة عن حياته ووصف خلال العرض قطاع الصحافة والإعلام الأميركي على أنهم مجموعة من المراهقين الذين “لا يعرفون شيئاً”.

ويستنتج غيلبي بذلك قائلا “ليس من الغريب أن يعود أصل التهميش والإهانات التي توجهها الإدارة الجديدة للصحافة الأميركية التي تصفها الأخيرة بالمزيفة إلى عهد أوباما”.

ليلة الانتخابات

تدور بعض أحداث فيلم “السنة الأخيرة” حول أسرار وكواليس مهامّ وأعمال أوباما خلال الثمانية أشهر التي سبقت انتهاء فترة رئاسته، وانتهت بفوز ترامب وخسارة منافسته هيلاري كلينتون التي كان أوباما يدعمها بقوة.

وأوضح غيلبي أنه عندما يأتي مشهد في 8 نوفمبر 2016، مصاحباً لكل مشاعر الأسى والحزن وصرير الأسنان (رودس، على وجه الخصوص، وفقدانه للكلمات)، لا يمكن للصورة أن تستوعب بالفعل خفايا ما حدث”.

ويضيف “كانت حالة الانزعاج التي سيطرت على فريق الرئيس السابق في ليلة الانتخابات شائكة للدرجة التي لم يستطع معها فريق عمل الفيلم تناولها والتعامل معها”.

وتقول سامانثا باور كما ظهرت في الفيلم وفقا لموقع “فيتو” إنها كانت “محبطة” من الأيام الأخيرة في ظل حكم أوباما، وأن السنة الأخيرة في عهد الرئيس الأميركي السابق، ليست جيّدة بقدر كبير. ووافقها جون كيري في هذا الأمر قائلا “إنني أوافق باور في ما تقول، وفي بعض الأحيان لدينا بعض الحجج كي نبرّر ما كان يحدث من ارتباك”.

كما تحدث رودس عن أحد أكبر أخطائه، حيث أكد أن الإدارة أخذت وقتًا طويلًا للتعامل مع مصالح الرئيس الروسي، ويضيف “الخطأ الذي قد نكون ارتكبناه هو الاعتقاد أن بوتين لا يتبع مصالح روسيا الوطنية، وإنما يتبع مصالحه”.

وخلال المفاوضات على الاتفاق النووي الإيراني، اعترف رودس اعترافًا خطيرا آخر وهو أن “الإيرانيين وجدوا أدلة بالاتفاق أنهم لا يحتاجون للالتزام بالصفقة، وقد نفقد السيطرة عليهم اليوم”.

وعلى صعيد المفاوضات الداخلية لإحلال السلام في سوريا، قالت سامنثا باور، سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة في عهد أوباما، إن “المفاوضات كانت بين الإحباط والتجاهل، ولم يتمكنوا من فعل المزيد”، مضيفة “سألت نفسي ما إذا كنت أحدثت اختلافًا في المحادثات، ربما كان علينا تجربة شيء آخر، فهناك دراما كاملة تحدث هناك”.

فيما أكد وزير خارجية أوباما“ستكشف سامنثا عن وجهة نظرها هناك مثل أي شخص آخر”، وأضاف “نضحك ونمزح في بعض الأحيان، فنحن الاثنان في نفس المكان ولا نحصل على ما نريده، وفي بعض الأحيان ندخل في نقاشات حادة بشأن ذلك”.

وتظهر المشاهد الأخيرة في الفيلم حزن مستشاري أوباما ليلة انتخابات 2016.

12