السنة وغرائز الدعاة

الأربعاء 2013/09/11

أواخر سنوات التسعين، وفي غمرة السجال الذي احتدم وقتها بالمغرب حول تحديث قانون الأسرة، ارتأيتُ أن أحاور شيخاً سلفيا عبر الهاتف، وأجادله بالتي هي أحسن عملاً بمنطوق الآية الكريمة (وجادلهم بالتي هي أحسن)، فبادرته بتحية الإسلام، ثم قلت: أنا يا مولانا رجل مسلم ومؤمن بكل ما قاله الله تعالى، وأنا أريد أن أمارس الحق الذي يمنحه لي فيما يتعلق بـ(ما ملكت أيمانكم)، فبماذا تنصحني؟ أجابني بما معناه أنّ مسألة "ما ملكت أيْمانكم" تخصّ عصر الرّسول حصراً لاعتبارات شرعية وعرفية ووقتية، ولعلها من الأعراف التي استقرت عليها عوائد ذلك الزمن القديم، لكن سنن الحياة قد تبدّلت اليوم تبديلا كبيراً.. فقلت له: الله ينصر دينك ويكثر من أمثالك يا شيخ، والآن ما المانع من تطبيق نفس المبدأ على تعدّد الزّوجات، ثم على تزويج الصغيرات، ثم على شهادة المرأة، ثم على نصيبها من الإرث، ثم ولا ثم؛ لأن مولانا أغلق الخط.

وقد سألت شيخا آخر يشبه مولانا في الذات والصفات، عن تعدّد الزوجات إن كان سنّة أم ليس سنّة؟ فأجابني بلا أدنى تردّد: بالتأكيد هو سنّة من سنن الرّسول عليه السلام. فقلت له: ما سندك؟ قال إن الرّسول كان متزوجا من نساء كثيرات. ثم بدأ يعدّ أسماءهن الواحدة تلو الأخرى، من دخل بهن ومن لم يدخل بهن إلخ. فقلت له: على رسلك يا سيدي، فالرّسول صلى الله عليه وسلم في زواجه الأول من خديجة رضي الله عنها لم يلجأ إلى التعدّد، وقد كان في ريعان شبابه، ورغم ذلك ظل وفيا لزوجته الأولى والوحيدة، ولم يمارس زواج التعدّد إلا بعد وفاتها ومرور عامين عن ذلك. فلماذا لا يكون من باب السنّة المؤكدة أن لا يمارس المسلم اليوم تعدد الزوجات إلا في حالة وفاة الزوجة الأولى، ومرور عامين كاملين عن وفاتها؟ أفليست هذه هي السنّة الأشد تأكيداً؟ لقد أصغى إليّ الشيخ بانقباض في الملامح، ثم قال: السنّة لا تعني التقيّد الحرفي، ولا أن نحدو النبي حدو النعل بالنعل.

ثم أعدتُ السؤال من جديد : لماذا لا نطبق نفس القاعدة على "سنّة" تعدّد النساء، وتزويج الصغيرات، على سبيل المثال؟

مرّة أخرى كان السؤال بلا جواب. وقتها أدركتُ أن هؤلاء الدّعاة لا يأخذون من السنّة سوى ما يلبي إشباع غرائزهم: تعدّد الزّوجات، وزواج القاصرات، ومفاخذة الصغيرات، وهلمّ جهلا وضلالا.

24