"السنت".. الفراعنة صارعوا أقدارهم على ألواح خشبية صغيرة

يرى الباحثون أن اللعب هو أساس الحضارة وأنه الأقدم عهدا والأعمق أصلا من الحضارة ذاتها، مؤكدين أن اللعب كان حاضرا وفعالا على الدوام خلال مسيرة الحضارة الإنسانية، فروح التنافس الكامنة في اللعب كحافز اجتماعي قديمة قدم التجمعات البشرية، بل إنها كانت في المجتمعات القديمة وسيلة أو محاولة لفهم الغيب والقدر وما استعصى عليهم فهمه.
الجمعة 2015/11/27
لعبة تنمي مدارك العقل وإعمال الفكر

القاهرة - كما زخرت الحضارة الفرعونية بالعلوم والألغاز والأسرار، فإنها شملت أيضا الألعاب التي تحمل مغزى عقليا وثقافيا ودينيا، ليجسّدها الفراعنة حتى تتعلمها الأجيال التالية لهم، وكان من أبرز تلك الألعاب لعبة “السنت”، التي تُعبّر عن الصراع بين الخير والشر وتحدّد مصير الإنسان مع قدره.

والسنت تعني العبور وتشبه الشطرنج إلى حد كبير، إلا أنها لم تكن لعبة للتسلية فقط، بل كان لها هدف ديني يرمز إلى انتصار الخير على الشر، الذي دائما ما يهزم لينتصر الخير ويمثله المتوفى الذي يعبر بأمان إلى العالم الآخر.

وكانت المرأة الفرعونية تلعب كثيرا هذه الألعاب الذهنية القدرية مع زوجها، وهو ما صوّرته المناظر والأشكال على جدران المقابر والمعابد، بل وكانت الأميرات يتحدين آباءهن الملوك في مثل هذه الألعاب.

وظهرت لعبة السنت عند الفراعنة، وكان يطلق عليها “العشرين”، وتتكون كما يدل اسمها من عشرين مربعا مصطفة في ثلاثة صفوف، الأوسط هو أطولها ويتكوّن من إثني عشر مربعا، وتوضع ببعض المربعات قطع لعب المتنافسين، والتي يتم تحريكها عن طريق النرد المصنوع من عظم الحيوان، ومكوّن من ثلاث أو أربع عصي عليها أرقام وأشكال مختلفة، وبإلقائها تتحدّد كيفية تحريك القطع داخل المربعات، حيث يحاول كل من اللاعبين السيطرة على بعض المربعات المهمة لعرقلة المنافس، وكانت قطع اللعب تتخذ أشكالا مختلفة مخروطية، وكان منها أيضا ما هو على شكل رؤوس الأسود أو الثعالب أو على هيئة الأسير المقيد اليدين إلى الخلف.

واستمرت حتى العصور الحديثة، حيث أضيفت لها بعض التعديلات وتغيّر اسمها إلى السنت، وأصبحت أكثر شبها بلعبة الشطرنج، وباتت تتكوّن من 30 مربعا من 3 صفوف كل صف 10 مربعات، ينتهي آخر مربعاته برموز هيروغليفية، وكان عرضها 16 سم وطولها 55 سم وارتفاعها 20.5 سم، وأدخلت عليها رموز مختلفة لها دلالات دينية وعقائدية، كرمز “النفرت”، ويعني جميل، وإذا وقعت عليه قطعة اللعب فإن صاحبها سيكون في مكان جميل في العالم الآخر، ورمز “×” ويعني لا تقترب منها فهي هلاك، وعلامة الماء “مو”، وتعني أن صاحبها سوف يقع في مشكل ما لا يجب الوقوع فيه.

شطرنج برموز دينية وعقائدية

وكان من المعتاد عند الطبقات العليا وحتى المتوسطة تطعيم لوح اللعب بالأصداف أو بالأحجار الكريمة، كما كانت تكتب عبارات داخل بعض المربعات، إما لتشير إلى الحظ الحسن بالوصول إلى هذه المربعات أو العكس، حيث خطورة وجود قطع اللعب ببعض المربعات الخطرة، أما الفائز في هذه اللعبة فهو اللاعب الذي يستطيع العبور أولا بقطعة على المربعات إلى خارج اللوح وبأمان.

ويشير أحمد شهاب، رئيس اتحاد آثار مصر، إلى أن السنت كانت تعني أكثر من لعبة بالنسبة للمصري القديم، حيث بناء عليها كان يحدّد قدره ويدرك مكانه في الآخرة، وهو ما جعلها تأخذ مكانة خاصة دينيا وعقائديا عند الفراعنة، فنقشوا رموزها على جدران المقابر والمعابد، للتعبير عن انتصار الخير على الشر، موضحا أن الهدف من اللعبة هو تحريك القطع حول مسار ثعباني متعرج إلى النهاية، وكانت بعض المربعات المميّزة بعلامات تعلن الحظ الطيب أو السيء للاعب.

وأكد شهاب أن حركة القطع في اللعبة تتم باستخدام النرد من عظم الحيوان أو عصى طويلة، لافتاً إلى أن اللعبة في بدايتها، كانت للتسلية وإعمال العقل، إلا أنها اتخذت أبعادا دينية وعقائدية في الدولة الحديثة، ما جعلها لعبة في العالم الآخر لدى الفراعنة القدماء، مشيرا إلى أن النجاح في اللعبة متعلق بالعالم الآخر والأحداث التي يلاقيها المتوفى، عن طريق الرموز الموجودة بلوحة السنت.

ويوضح الباحث في علم المصريات محمد بكير، أن السنت من الألعاب الذهنية التي كانت تنمي مدارك العقل وإعمال الفكر، ويعود إليها فضل اختراع لعبة الشطرنج، والتي تتشابه إلى حد بعيد معها، لافتاً إلى أنه عُثر في المقابر الفرعونية على مجموعة من أدوات اللعب التي تتشابه في أشكالها وطريقة لعبها مع لعبة السنت.

وتابع بكير لعبة السنت من أكثر ألعاب التسلية شعبية في مصر القديمة، وقد سبقت لعبة “السيجة” أو “الضاما”، وكانت تقوم على فكرة أن يلعب المتوفى أمام قدره، وطبقا لمعتقدات الفراعنة كان ينجح في اللعبة والاختبار جميع الموتى، حيث تحتوي المربعات الموجودة في اللعبة على رموز تحمل دلالات على الخير أو الشر.

20