"السندات الخضراء" ثورة اقتصادية لمواجهة تحديات تغير المناخ

الاستثمار الآمن أفضل الوسائل لدعم الحلول المناخية لكن يبقى عدد الحكومات التي باعت سندات صديقة للبيئة محدودا.
الأربعاء 2019/04/17
الدول النامية هي الأكثر تضررا من التغيّر المناخي

يصعب تخيل تبعات الاحتباس الحراري وتداعيات تغير المناخ على عالم ارتفعت فيه درجات الحرارة بأكثر من درجتين مئويتين، وهو ارتفاع يؤكد العلماء أنه سيؤثر سلبا على الكثير من الأحياء على سطح الكوكب، كما يصعب إدراك أثر أنماط المعيشة الراهنة على هذا الوضع أيضا. لكن “السندات الخضراء” استطاعت أن تساهم في توجيه الموارد المالية نحو الاتجاه الصحيح لدرء المخاطر البيئية المحتملة، ومن شأن هذه المبادرات الصديقة للبيئة أن تجعل الاستثمارات تُسهم في إنقاذ كوكب الأرض وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، دون التخلي عن العوائد المالية.

باتت السندات الخضراء أحد أبرز الحلول العملية المطروحة لمواجهة مشاكل البيئة التي وضعت المستثمرين وخبراء التنمية وصناع السياسات والعلماء، أمام هدف مشترك وطريقة فعالة للعمل معا، وإن اختلفت الغايات.

وخلال بضع سنوات حظي الهدف من هذا الاستثمار بأهمية كبرى فاقت ما حظي به سابقا، وزادت السندات الخضراء التي أصدرها البنك الدولي من الوعي بالتحديات المتعلقة بتغير المناخ، ودلت المستثمرين على طريقة لدعم الحلول المناخية من خلال الاستثمار الآمن دون التخلي عن العائد، فتطورت سوق السندات الخضراء من سوق يهيمن عليها مصدرون مثل البنك الدولي (منظمة دولية يمتلكها 189 بلدا)، إلى سوق بلغت قيمة المعاملات الحالية فيها ما يربو عن 500 مليار دولار.

وأصبحت هذه السوق تشمل مجموعة واسعة النطاق من المصدرين، مثل المؤسسات والشركات والمصارف إلى مرافق الخدمات العامة والحكومات، التي ساهمت بدورها في بروز سندات مميزة، منها السندات الاجتماعية والسندات الزرقاء، وسندات أخرى لجمع التمويل مكرسة لأغراض إنمائية معينة، كلها تحاكي نموذج السندات الخضراء بتركيزها على إعداد تقارير عن الأثر.

وقالت هايكا رايشلت، مديرة إدارة علاقات المستثمرين والمنتجات الجيدة لدى البنك الدولي، عن هذا الموضوع إن “المستثمرين يريدون استثمارا تنافسيا، لكننا نرى أن هناك مستثمرين أكثر يرغبون في وضع أموالهم في مواضع يكون لها تأثير إيجابي يمكن قياسه”.

وأطلق مصطلح السندات الخضراء لأول مرة في عام 2008 على إصدارات السندات التي ترتبط بالاستثمارات الصديقة للبيئة، وأول سند أخضر أصدره البنك الدولي ليبتدع بذلك طريقة جديدة لربط التمويل من المستثمرين بمشاريع المناخ.

المباني مسؤولة عن حوالي ثلث انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية المسببة للاحتباس الحراري، ويتيح هذا التحدي أيضا الفرصة للاستثمار الواعي بالمناخ في المباني الخضراء

وفي عام 2017 شكلت الولايات المتحدة والصين وفرنسا نسبة 56 بالمئة من إجمالي الإصدارات، وفقا لمبادرة سندات المناخ، وهي منظمة غير هادفة للربح مقرها لندن وتعتمد الطبيعة الخضراء للسندات.

وخلال السنوات الأخيرة انضمت إلى قائمة الجهات المصدرة للسندات الخضراء دول جديدة، مثل الأرجنتين وتشيلي وفيجي وليتوانيا وماليزيا ونيجيريا وسنغافورة وسلوفينيا وسويسرا ودولة الإمارات العربية المتحدة.

وصدر أول سند أخضر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من قبل بنك أبوظبي الوطني، حيث تم تخصيص 587 مليون دولار لتمويل مشاريع تساهم في التصدي للتغيرات المناخية وحماية الموارد الطبيعية.

وبلغت السندات الخضراء في الإمارات العام الماضي 40 بالمئة من إجمالي السندات، متفوقة على الولايات المتحدة وفرنسا في إصدارات السندات الخضراء حسب التقرير الذي أصدره بنك أبوظبي الأول، واستخدمت السندات الخضراء في تمويل ستة مشاريع هامة بالإمارات، منها مشروعان لتوليد الطاقة الشمسية، وقد استحوذا على نسبة 14.1 بالمئة من إجمالي الإصدارات، ومشروع للأبنية الخضراء، استحوذ على نسبة 4.5 بالمئة، بينما استأثر مشروعان لتبريد المناطق بنسبة 13.9 بالمئة من جملة السندات، فيما استحوذ المشروع الأخير لمعالجة مياه الصرف وإعادة التدوير على 7.3 بالمئة.

وتمكنت مجموعة البنك الشعبي المغربي في عام 2017 من إنجاز أول إصدار لسندات خضراء باليورو، تم توجيهه لتمويل مشاريع الطاقات المتجددة والاقتصاد الأخضر في المغرب. وبلغت حصيلة الاكتتاب في هذا الإصدار، الذي صادقت عليه الهيئة المغربية لسوق الرساميل، حوالي 151 مليون دولار (1.5 مليار درهم)، وتوزعت حصيلته بين مؤسسة التمويل الدولية، التابعة للبنك الدولي والمكلفة بدعم القطاع الخاص، بمبلغ 100 مليون يورو، والوكالة الفرنسية للتنمية “بروباركو”، بمبلغ 35 مليون يورو.

وأصبحت إندونيسيا أول دولة آسيوية تبيع سندات خضراء دوليا من خلال صفقة بقيمة 1.25 مليار دولار لتطرق بذلك أبواب الاستثمارات الصديقة للبيئة التي يتزايد اهتمام المستثمرين بها.

وتعد إندونيسيا واحدة من بين أكبر الدول التي تصدر انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وخاصة بسبب حرائق الغابات المدمرة.

الزراعة العمودية

هايكا رايشلت: المستثمرون يريدون استثمارا تنافسيا، لكننا نرى أن هناك مستثمرين أكثر يرغبون في وضع أموالهم في مواضع يكون لها تأثير إيجابي يمكن قياسه
هايكا رايشلت: المستثمرون يريدون استثمارا تنافسيا، لكننا نرى أن هناك مستثمرين أكثر يرغبون في وضع أموالهم في مواضع يكون لها تأثير إيجابي يمكن قياسه

وفقا لمبادرة سندات المناخ التي تتخذ من لندن مقرا، بيعت سندات من الفئة المسماة بالسندات الخضراء بقيمة 155.5 مليار دولار في عام 2017. لكن عددا محدودا فقط من الحكومات باع سندات من هذا النوع الذي تستخدم عائداته للاستثمار في مشروعات صديقة للبيئة.

ويتوقع خبراء من البنك الدولي أن تستقطب خمسة قطاعات المليارات من رؤوس أموال القطاع الخاص، التي تمثل حجر الزاوية في نمو أنشطة الأعمال المناخية. وهي تلعب بالفعل دورا كبيرا في العديد من القطاعات، إذ يخصص ثلث الاستثمارات العالمية للبحوث الهادفة إلى تطوير مجال تكنولوجيات الطاقة المتجددة والتي بلغت حوالي 2.5 مليار دولار في عام 2016 وحده، إلا أن زيادة هذه التكنولوجيات لتفي بالأهداف المدرجة في اتفاق باريس للمناخ لعام 2015، تتطلب استثمارات مبتكرة واعية بالمناخ تقدر بتريليونات الدولارات، لاسيما في الأسواق الصاعدة.

وتشير تقديرات مؤسسة التمويل الدولية إلى أن هناك 21 دولة نامية تمتلك وحدها فرص استثمار واعية بتغيرات المناخ تقدر بنحو 23 تريليون دولار حتى عام 2030.

وقالت كريستينا جورجيفا، القائمة بأعمال رئيس مجموعة البنك الدولي والمديرة الإدارية العامة للبنك الدولي، “نحتاج إلى تحرك جريء إزاء تغير المناخ، وهذا يفضي بنا إلى اختيار بسيط: أن نواصل العمل كالمعتاد ونأمل في الأفضل، أو نتحرك الآن ونبني مستقبلا قادرا على الصمود. قد لا يتمكن جيلنا من حل جميع المشاكل المتعلقة بتغير المناخ، لكن يمكننا أن نضطلع بدورنا لنترك كوكبا أفضل للأجيال القادمة”.

ويمثل الطلب على الطعام في المستقبل أحد أكبر التحديات العالمية المرتبطة بالمناخ، خاصة في ظل الارتفاع المتوقع لعدد سكان العالم والذي سيقفز من 7.3 مليار نسمة عام 2015 إلى 9.7 مليار عام 2050. وهذا يتطلب مبادرات قوية لزيادة الإنتاجية وتعزيز قدرة الممارسات الزراعية على الصمود في وجه التغيرات المناخية، وإذا استمر العمل بالنمط نفسه فإن ذلك سيؤدي إلى انخفاض المحاصيل الزراعية في العالم بما يقرب من 50 بالمئة بحلول عام 2030.

ولحسن الحظ، بدأت عدة مؤسسات تتبنّى ممارسات زراعية واعية بالمناخ، من شأنها أن تؤدي إلى زيادة كبيرة في الإنتاجية والقدرة على الصمود وفي الوقت نفسه تساهم في تخفيض انبعاثات غازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري.

وهناك البعض من الشركات التي لجأت إلى اعتماد أحواض مُتراصّة فوق بعضها البعض مستعينةً بالضوء فوق البنفسجي. وهذه الطريقة تسهم في توفير المياه، وتساعد على إنضاج الثمار خلال وقت أقصر مقارنة بالمزارع التقليدية، ويسمى هذا النظام الزراعة العمودية.

وتعتزم مؤسسة “إيربان كروبس” البلجيكية إقامة تجهيزات لزراعة المحاصيل في طبقات متراصّة فوق بعضها البعض، تحت إضاءة ملونة، في مساحة تعادل حجم الغرفة.

وفي السنوات العشر الأخيرة، بدأت شركات عديدة تستغلّ المخازن والمصانع المهجورة في زراعة الخضروات بعيدا عن أشعة الشمس. ومن بين هذه المؤسسات “إيربان كروبس”، التي صممت إطارا كبيرا يضم أحواضا مثبتة على سيور متحركة، زرعت في كل حوض منها نباتات صغيرة تحت الإضاءة الخافتة لمصابيح الصمامات الثنائية الباعثة للضوء الأزرق والأحمر “ليد”، وتسعى الشركة إلى تطوير النظام، الذي يدار بشكل آلي.

السندات الخضراء في الإمارات بلغت العام الماضي نسبة 40 بالمئة من إجمالي السندات، متفوقة على الولايات المتحدة وفرنسا في إصدارات السندات الخضراء، واستخدمت السندات الخضراء في تمويل ستة مشاريع هامة، منها مشروعان لتوليد الطاقة الشمسية

ويؤكد مارتن فاندكريز، المدير التنفيذي للمشروع، أن النظام مبرمج ليغذي النباتات بالضوء والمغذيات طوال دورة النمو، إلى أن يحين قطافها. وأشار فاندكريز إلى أن المكان الذي ستنمو فيه النباتات محكم الإغلاق، ولكل نوع من المحاصيل نظام خاص معد وفقا لمتطلباته، يحدد كمية المغذيات والضوء التي يحتاج إليها، فضلا عن أن النباتات تنمو في المزارع الرأسية أسرع مما تنمو في الهواء الطلق.

وفي إطار هذا التوجه، تسعى دول مثل سنغافورة إلى استغلال المساحات الموجودة على جدران وأسطح مبانيها المتراصة بجانب بعضها البعض، في الزراعة.

وجاء الحل في شكل شراكة بين القطاعين العام والخاص، مع إطلاق ما تمت الإشادة به على أنه “أول مزرعة عمودية في العالم تعمل بنظام الدائرة المغلقة ومنخفضة (انبعاثات أكسيد) الكربون وتروى بالمياه”، وذلك لزراعة الخضروات الاستوائية في البيئة الحضرية.

يتطلب التصدي لتغير المناخ أولا تخفيض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة بدلا من الوقود الأحفوري. وقد حثت اللجنة الحكومية المعنية بتغير المناخ التابعة للأمم المتحدة دول العالم على التحرك العاجل لتخفيض الانبعاثات بمقدار النصف عن المستويات الحالية في غضون 12 عاما والقضاء تماما على الانبعاثات بحلول عام 2050.

وفي الوقت الراهن، يضع الاتحاد الأوروبي نصب عينيه هدفاً رئيسياً يتمثل في خفض التلوث خلال العقود القادمة، وتنوي العديد من الدول الساعية إلى الالتزام بهذا الهدف، إغلاق محطات توليد الكهرباء التي تعمل بالفحم. وفي المملكة المتحدة تخطط الحكومة لوقف استخدام الفحم في توليد الكهرباء بحلول عام 2025.

وهناك قصص مشابهة في مناطق أخرى في العالم؛ فالكثير من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، تبتعد عن استخدام الفحم في وقت تصبح فيه أنواع وقود أخرى أرخص ثمناً، فضلاً عن كساد مادة الفحم في أسواق المال العالمية بسبب الإجراءات التي تتخذ لحماية البيئة والمحافظة عليها من التلوث.

ورغم إغلاق الصين لأكثر من 100 محطة تعمل بالفحم، إلا أنها ما زالت تعتمد بصورة كبيرة على الفحم في حاجتها إلى الكهرباء. كما قررت ألمانيا إغلاق جميع محطات الطاقة النووية لديها، وتحصل حالياً على أكثر من خمس طاقتها من الفحم، بما في ذلك الليغنيت، وهو نوع من الفحم يسبب قدرا أكبر من التلوث.

حاجة ملحة إلى تحرك جريء إزاء تغير المناخ
حاجة ملحة إلى تحرك جريء إزاء تغير المناخ

تأثير النمو السكاني

ثمة تأثير كبير آخر للنمو السكاني العالمي سيتجلى في النمو السريع للمناطق الحضرية مما سيشكل ضغوطا على رصيد المباني السكنية القائمة. وتشير التقديرات إلى أن المباني مسؤولة عن حوالي ثلث انبعاثات غازات الدفيئة العالمية المسببة للاحتباس الحراري، ويتيح هذا التحدي أيضا الفرصة للاستثمار الواعي بالمناخ في المباني الخضراء.

وتتوقع منظمة العمل الدولية أن يوفر قطاع الأبنية الجديدة الصديقة للبيئة، أكثر من 6.5 مليون وظيفة بحلول عام 2030، ليتصدر في العقود المقبلة قطاعات الوظائف البيئية كثاني أسرع القطاعات نموا بعد قطاع الطاقة الصديقة للبيئة مباشرة.

ومن المنتظر أن تتوافر تلك الوظائف بسبب الحاجة المتنامية إلى بنايات قادرة على الاضطلاع بتحديات شتى من قبيل الوفاء بالتعهدات الصارمة المتعلقة بالتغير المناخي، ومواكبة ارتفاع أسعار الطاقة ونقص الماء والتقلبات الجوية الشديدة، وهي من بين مسببات ما بات يعرف بالحركة نحو البناء الأخضر.

ويشتمل التحرك على تضافر مجموعة من الجهود المعمارية والهندسية والإنشائية لتأسيس بنايات تستهلك الحد الأدنى من الطاقة وتولد ما أمكنها من كهرباء داخلها، وتعيد تدوير الماء وتدفئة وتبريد نفسها بنفسها دون الحاجة إلى مكيفات الهواء وأجهزة التدفئة المركزية.

وتنادي إيما جونستون، العالمة في مجال البيئة بجامعة نيو ساوث ويلز، بالمضي على طريق ما يعرف بـ”الهندسة الزرقاء”، أي اتباع أنماط من البناء يراعى فيها الحرص على البيئة البحرية. ويشكل هذا المفهوم النسخة البحرية من التوجه المعروف باسم “الهندسة الخضراء”، الذي يُطبق على البر.

ففي كل يوم يتم التعدي بشكل أكبر على الحياة البحرية، فعلى سبيل المثال باتت المباني تتراص على طول 60 في المئة من سواحل البر الرئيسي للصين، أما إندونيسيا فلديها خطط لتشييد جدار بحريٍ هائل لحماية عاصمتها جاكرتا.

فضلا عن ذلك باتت المحيطات غاصة بالآلاف من منصات التنقيب عن النفط والأجهزة التي تحول طاقة الرياح إلى طاقة حركة وتصطف قبالة السواحل، وهي منصات وأجهزة يجري في كل يوم تركيب المزيد منها أو التخطيط لذلك.

ومثل هذه الأنشطة البشرية تفضي إلى انتزاع مساحات من مياه البحار والمحيطات، وتنطوي على خطر إلحاق أضرارٍ غير قابلة للتدارك بالبيئات البحرية والنظم الإيكولوجية الخاصة بها.

وحسب رأي جونستون ثمة فرصة لإعادة أوضاع الشواطئ والبيئات والملاذات الطبيعية إلى ما كانت عليه، واتباع أنماط في البناء والتشييد تتماشى مع الطبيعة بدلا من أن تتحداها. ومن بين السبل المتبعة في هذا الصدد، توظيف تصميم المنشأة المراد تشييدها وأساليب الهندسة المعمارية المستخدمة في بنائها في منطقة ما، ليس فقط لتحقيق الغرض من إقامتها وإنما لتوفير ملاذات للكائنات البحرية الموجودة في هذه المنطقة كذلك.

12