السني العراقي متروك على قارعة الطريق

الأحد 2015/11/29

هل نحن حقا في مواجهة مع العالم الغربي، وفي مواجهة مع الشيعة، وفي حالة حرب مع الجميع. وفي أحسن الأحوال تجد أمامك نظرية عجيبة من نوع أن “داعش إيرانية” فهل إيران خلقت الوهابية والسلفية؟ أعتقد أن التفسير الصحيح لما يجري هو تراكم لتقصير مشترك من أولياء الأمور أمام مسؤولياتهم التاريخية. الرئيس السابق صدام حسين يعتبر مقصرا طبعا، القادة العرب مقصرون، السياسة الأميركية باحتلالها العراق عام 2003 ضربت مثلا في المكيدة والمكر، ولم تتحمل مسؤوليتها كدولة عظمى تقود العالم.

النتيجة هي هذه الأفكار الخانقة، فكيف نتقبل فكرة ذبح جميع الشيعة بتهمة الشرك والكفر؟ كيف نتقبل فكرة الهجوم على الغرب والإرهاب؟ كيف يمكن أن نعيش في التوحش خارج القانون والحضارة؟ كيف نعيش بعالم يستسهل القتل؟ قتل الآخر وقتل الذات والانتحار.

بعد تفجيرات فرنسا يعود الجميع براحة ضمير إلى جرائم فرنسا في الجزائر هل فقدتم صوابكم؟ هل نبقى نعود إلى جرائم ألمانيا النازية ونقول هذه جرائم الشعب الألماني ونقرر بأنهم يستحقون القتل؟ هل نعود إلى جرائم اليابان بحق الصينيين ونقرر بأن “حياة الياباني لا قيمة لها“؟ هل نعود لمذابح الأرمن ونقرر بأنه يحق لنا ذبح الأتراك؟ هل نعود لجرائم الأميركان بحق الهنود الحمر والسود ونقرر بأن قتل الأميركان عدالة وأمر جيد؟ إلى أين تقودون الناس؟ وأين تعلمتم هذا المنطق العجيب؟

هل العقل العربي مريض إلى هذه الدرجة؟ عقل مأساوي رافض للحياة والأخوة الانسانية على هذه الأرض، لقد أصبح تفكيرنا مخيفا جدا. صفحات التواصل الاجتماعي أصبحت خطرة، فما هو الصحيح وما هو الخطأ؟ وإذا كنّا سنخوض معارك ضد الجهات الأربع، وسنوغل بالدماء عن راحة ضمير بهذا الشكل ما قيمة حياتنا بعدها؟ وكيف يثق الانسان بأخيه الانسان؟ كيف يمكن للقلب ومنابع الجمال والفنون أن تجد طريقها إلينا؟ هذا كثير، نعم كثير، كيف يمكن لنا أن نحمل كل هذا الانحراف في وعينا؟ أين الفقهاء الكبار الذين يفخر الإسلام بهم على مر العصور؟ أين هداة وخطباء ومنجدو عصرنا؟ كيف يمكن أن يُترَك العوام في الزيغ؟ زيغ في الحس السليم، زيغ في الأخوة البشرية، زيغ في العيش بسلام والقبول بالقانون، زيغ في فهم العدل، زيغ في التعايش مع الزمن، زيغ في مبدأ العقل الأول وهو البحث عن حلول وليس عن مشاكل، زيغ في مساعدة الحياة والأمل والاحتفاء بالحق، زيغ في فهم تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم. إن الصلاة تجعلنا نشعر بالوحدة والقوة، إلا أن على الفقهاء والخطباء أن يعلمونا بأن هذه الوحدة والقوة هي لأجل الحق والرحمة، وليست لأجل تحطيم قلب الإنسانية.

إنني متفهم لمأساة شعبي في العراق الذي تحتضن واحدة من أكبر حواضره العريقة دولة البغدادي التي شغلت الناس وملأت الدنيا بالعنف والقلق. فالكردي العراقي منسجم مع ذاته، عنده كيان سياسي وحكومة كردستان، وعنده ثقافة قومية متنوعة، ومهما يكن من أمر وعيوب ونواقص فإن الكردي متوازن برموزه وثقافته ووجدانه. الحد الأدنى من التوازن والأمن والكرامة متوفر.

الشيعي العراقي من ناحية أخرى منسجم مع ذاته أيضا، عنده مرجعية ثقافية ودينية تاريخية تعود إلى القرون الوسطى، وعنده سلطة سياسية غالبة في بغداد، وبالرغم من الفساد وانعدام الخبرة، وبالرغم من كل السلبيات والنواقص إلا أن الشيعي في العراق يتمتع باحترام الذات الوجداني والتوازن والحد الأدنى من الرضى والوعي الجماعي متوفر.

بينما السنّي العراقي متروك على قارعة الطريق، يعيش حالة اجتثاث من جميع الجهات والنواحي، فلا يمتلك سلطة سياسية تبعث على الاحترام، ولا يتمتع بالشعور الطبيعي بالأمان، ولا يمتلك رموزا دينية أو ثقافية تمده بذلك الشعور الوجداني بالتوازن. في ظلال سيوف الذل وتحت الضياع ظهرت داعش باسم الإحباط واليأس السنّي العراقي. ولأن المشروع الداعشي إرهاب دولي مرفوض صار مطلوبا من السنّي العراقي التزود بطاقة فوق إمكانيات البشر فعليه أن يمقت قوة التمرد الداعشية العمياء التي تتوعد بتحطيم تلك الحالة السنّية الذليلة.

هذا الأمر من ناحية وجدانية صعب جدا، وللخروج من هذا الفخ العقلي يحتاج الإنسان إلى جهود عظيمة. فأنت هنا إما جبان خائن أو إرهابي ملاحق، والحل هو بتفهم المشكلة والتحليق فوقها بطاقة العقل والإبداع والخيال البشري اللامحدود والصادق، وليس بالحلول السهلة الرخيصة كالقول بأن “داعش إيرانية” لضرب جوهر التناقض بالصدمة، بحيث يصبح ما نكرهه ونقيضه شيئا واحدا، تشويش متعمّد كالقول إن القمة والهاوية على ارتفاع واحد في الحقيقة.

هذه حلول لإنقاذ طائفيتنا وعنصريتنا من الإرهاب، حلول سفسطائية تروّج لها الوهابية لإنقاذ نفسها من حقيقة أن داعش خرجت من رحمها، وأكثر إخلاصا للوهابية منها، وصادف أن مقولة “داعش إيرانية” تعتبر إنقاذا للفكر العنصري والطائفي في العراق أيضا من ورطة الإرهاب. هذه حلول فكرية أنانية ومزيفة ليست لإنقاذ العقل السنّي من الفكر الضحل والفخ الذي نحن فيه. نحن في مأزق والحل ليس بالمزيد من الكراهية، بل بالمزيد من التأمل والابتكار الذي يتحقق بقفزة تخلقها الروح الجريحة، وثبة الروح هذه هي الفكر الخلاق.

كاتب عراقي

6