السن المناسبة للزواج سبب خلاف دائم بين البنت ووالديها

آباء يعتبرون الزواج سترا للبنت وراحة لهم، وفتيات اليوم يرفضن اعتبار الزواج الحلم الأكبر في الحياة.
الثلاثاء 2018/09/04
أساليب متعددة من الضغط

القاهرة - رغم الإنجازات التي تحققها الفتاة في حياتها العلمية والعملية، إلا أن مطالبة الأهل لهن بالإسراع في الزواج تكاد لا تتوقف وكثيرا ما نستمع للآباء أو الأمهات يكررون عبارات من قبيل “زواج البنت ستر”، وإيمانهم بفكرة هذه المقولة يجعلهم يندفعون نحو الإسراع في تزويج بناتهم معتبرين أن المؤسسة الزوجية تمثل الحماية التامة للفتاة، ولكن غالبية الفتيات اليوم لا يتقبلن هذه الطريقة في النظر إلى حياتهن على أن نجاحها مرتبط بالزواج ويدخلن في صراع مع الوالدين ويتمردن على تزويجهن في سن مبكرة وهو ما يخلق أجواء من التوتر والخلافات الأسرية.

والصراع بين طرفي الخلاف، وهما الوالدان من جهة والبنت من جهة ثانية، في ظاهره يدور حول تحديد العمر المناسب للزواج وفي باطنه سعي من الفتاة لإثبات ذاتها خارج هذه المؤسسة وقبل الدخول في التزامات الحياة الزوجية والأسرية وهو ما يعارضه الوالدان. وتكشف العديد من التجارب المشكلات الكثيرة التي تعيشها الأسرة بسبب الصراع حول زواج البنت والكثير من التناقضات في المبررات التي يستند عليها الوالدان لتعليل رغبتهما في تزويج بناتهما ولو في سن مبكرة.

تقول جيهان وهي طالبة في كلية التجارة “رغم أن والديّ متعلمان، ورغم من أنهما كانا حريصين على تعليمي، وتشجيعي لأكون من المتفوقات كما أنهما لا يمانعان في أن أعمل في أي مجال أختاره، إلا أن المشكلة تتمثل في أنني منذ قاربت الـ18 سنة وهما يرددان أن حلمهما الأكبر بالنسبة إلي هو اليوم الذي أكون فيه في “بيت زوجي” ومع مرور الأيام والشهور والسنين يتحول كلامهما إلى ضغط شديد لدفعي إلى التفكير في موضوع الزواج بطريقة جدية. ويزداد الضغط كلما تقدم لخطبتي عريس، ولكني أحاول دائما إقناعهما بأنني لن أتزوج لمجرد الزواج، بل عندما أجد الشخص الذي يناسبني. وبالرغم من أن والديّ لا يفكران في إرغامي على الزواج، إلا أنهما يستقبلان إجابتي بشيء من الضيق لأنهما مقتنعان بالفكرة المتوارثة بأن زواج البنت ستر، وضرورة اجتماعية تحميها من الشائعات”.

وتقول سهى محمد، موظفة في شركة للاتصالات “أبي هو سبب فشلي في أكثر من خطبة، فبمجرد دخولي الجامعة بدأ يعلن عن رغبته في زواجي، وفي سبيل ذلك أجبرني على الارتباط ثلاث مرات ولكنني وبعد أشهر قليلة في كل مرة، كنت أرفض الاستمرار إذ كنت أكتشف أن الشخص الذي ارتبطت به بناء على رغبة والدي لا يناسبني كزوج. كنت دائما ألجأ إلى أمي، التي كانت أكثر تفهما من والدي، وبصعوبة شديدة كنا ننهي الخطبة ثم يعود والدي لطرح المسألة مجددا بسبب تمسكه بهذه الفكرة السخيفة التي تقوم على أن “زواج البنت ستر”، وأعود لألتقي بعريس جديد وتتكرر الحكاية نفسها حتى أنني كرهت الارتباط وصرخت ذات يوم في وجه أبي كي يتركني أختار بنفسي من سأكمل معه مشوار حياتي”.

ردود فعل الفتيات أمام ضغط الوالدين لتزويجهن باكرا تتباين فمنهن من تكتفي بالإقناع والنقاش ومنهن من تتمرد

وتتباين ردود فعل الفتيات أمام ضغط الوالدين لتزويجهن باكرا فمنهن من تكتفي بالإقناع والنقاش معهما ومنهن من تتمرد وتصبح مسألة زواجها مصدر خلاف دائم مع والديها وأحيانا يقتنع الوالدان بأن الزواج ليس أهم شيء في حياة ابنتهما وليس أهم طموح يسعيان من ورائه إلى دفعها لتحقيقه وفي حالات أخرى تتغير نظرتهما للمسألة بسبب تجربة زواج فاشلة لكونها ناتجة عن الضغط الأسري عايشاها عن كثب وهو ما لاحظته صفاء التي تعمل في شركة طبية حيث تقول إنه “بسبب فشل شقيقتي الكبرى في الزواج وكونها أصبحت “مطلقة” تراجع والدي عن فكرة تزويجي بسرعة”، وتضيف “نحن ثلاث شقيقات كنا نشعر من كلام والدنا الذي يعمل مدرسا للغة العربية أننا عبء ثقيل عليه وأن زواجنا هو الحل الوحيد الذي سوف يخلصه من هذا الحمل. كان حلم أبي هو زواجنا، وأول من دفعت ثمن هذا الزواج السريع من أجل الستر هي شقيقتي الكبرى التي تزوجت من أول عريس قدم لخطبتها وبسبب الخلافات بينهما حصلت على الطلاق بعد عامين، ليدرك والدي بعدها أن “ستر” البنت الحقيقية هي زواج متأن وليس الزواج السريع الذي دفعت شقيقتي ثمنه”.

ويظل خوف الآباء على بناتهم السبب الرئيسي لرغبتهم في سترهن بالزواج، خاصة في ظل الواقع الاجتماعي الذي بات مليئا بحوادث الانحراف والجريمة والاغتصاب وغيرها، ولذا يرى الكثير من الآباء والأمهات أن زواج البنت هام جدا ويحقق لها الاستقرار، لأن الرجل الشرقي بطبعه يعتبر البنت حملا ثقيلا عليه، ولذلك يحلم دائما باليوم الذي يزوجها فيه حتى يطمئن عليها في بيت زوجها وهذا ما تؤيده أحلام الجندي، التي تعمل مهندسة.

في المقابل، يقول رشيد كامل محاسب قانوني “أرفض فكرة الزواج السريع للبنت، ولم أتعامل بهذا المنطق مع ابنتي، فالظروف الاجتماعية تغيرت اليوم وستر البنت الآن لا تكون بالزواج فقط، وإنما بتسليحها بتعليم جيد وبتربية طيبة، فمن حق البنت مثل الولد تماما أن تختار شريك حياتها الذي ترتاح إليه، وعلى الآباء أن يتوقفوا عن الضغط على بناتهم للزواج السريع لأن مشاكله تكون كبيرة دائما.

ويضيف كامل "أنا شخصيا أفضل أن تكون هناك صداقة حقيقية بين البنات وآبائهن، فالصداقة هي الستر القوي للبنت من أيّ مشاكل قد تتعرض لها، خاصة في مراحل المراهقة والشباب”.

ويؤكد أستاذ الطب النفسي عمر شاهين أن تنشئة البنت على الأفكار القديمة مثل أن زواجها ستر تجعلها تشعر بأنها ناقصة، ويظل في داخلها نوع من الخوف بألّا يتحقق لها هذا الستر مهما حققت من نجاحات علمية وعملية، فالأسرة العربية بوجه عام مازالت تعتبر البنت حملا ثقيلا عليها، ومازالت تخشى أن يفوت ابنتها قطار الزواج فيعيش الآباء حالة قلق دائم يظهر في شكل ضغوط على البنات لإقناعهن بالزواج بسرعة، خصوصا إذا كان هناك عريس يبدو جيدا.

 إن مثل هذه الضغوط تمثل خطرا على حياة البنت في المستقبل لأنها تشعر بأنها أصبحت غير مرغوب فيها من أسرتها بعد وصولها إلى سن معينة، وكذلك لأنها لا تعطيها فرصة الاختيار المتريث لشريك الحياة، وما قد ينتج عن ذلك من مشاكل زوجية؛ لذلك إذا كان من حق الفتاة أن تتزوج من تختاره وتقتنع به ، فعلى الأهل أيضا أن يدركوا خطورة وتبعات الفكرة القديمة على أن زواج البنت ستر.

21