"السهام المارقة".. دراما واقعية لوجه داعش القبيح

مسلسل يعرض تجربة واقعية ترصد لحظات الألم والانهيار بين الجاني ممثلا في الجنود المزعومين لدولة الخلافة، والضحايا أصحاب الوطن الذي كاد يستعمره المتطرفون.
الخميس 2018/06/14
مشاهد مظلمة لأفكار سوداء

القاهرة – لم تكشف جيدا مقاطع الفيديو التي كان يبثها تنظيم داعش لقتل ضحاياه مذبوحين، قدر الألم والتوتر النفسي الذي يمكن أن يلمسه المشاهد بمجرد رؤيته لهذه الصورة شديدة الواقعية والألم، مثل التي قدّمها مسلسل “السهام المارقة”، الذي يعرض على قناة أبوظبي الفضائية.

لماذا نرصد التاريخ الأسود للجماعات الإرهابية وتحديدا تنظيم داعش الدولي؟ تساؤل يخطر على الأذهان بمجرد رؤية الحلقات الأولى من المسلسل، فالعمل  يطرق الأبواب بجدية أكثر من تلك المشاهد المصطنعة والمستهلكة التي قدّمها غيره من الأعمال الدرامية خلال الفترة الماضية.

تبدو جدية صاحب الفكرة الداعية معز مسعود وكتّاب المسلسل الثلاثة “الأخوة دياب”، شيرين ومحمد وخالد دياب، في التنفيذ لتقديم تجربة لا ترتكز على خطورة هذا التنظيم، بقدر ما ترصد تفاصيل إنسانية شديدة الخصوصية في حياة هؤلاء الأشخاص.

وعلى أرض الخلافة نشهد الواقع الآخر لسلسلة من الأعمال الوحشية تبدأ من حملة اعتقالات وقتل ونهب في المشاهد الأولى، والمميز في الحبكة الأولى التي وضعها المؤلفون الثلاثة ليس في رصد وصياغة المشاهد التي قد تبدو معروفة لدى الكثيرين من خلال القراءات أو المشاهد التي تظهر في نشرات الأخبار، لكن في تلك العقدة التي ظهرت في طريقة التعامل مع الأسرى المسيحيين خصوصا من السيدات اللاّتي يجبرن على اعتناق الإسلام أو يتم بيعهنّ في سوق الرقيق، ممثلا في ذلك نموذج “مريم” التي تجسد دورها الفنانة المصرية شيري عادل.

تلك النظرة التي بدأ بها المسلسل أحداثه تتنافى مع فكر الخلافة الإسلامية في ما يتعلق بالتسامح مع الأديان، لتستمر الحبكات الفرعية ويجبر الرجال مضطرين على تغيير أسمائهم وإطلاق أخرى عربية من أسماء رموز الإسلام، مثل شخصية المخرج شريف الذي لعب دوره الفنان المصري هاني عادل، والذي يتغير اسمه إلى “حُذيفة” ويعيش مصيرا غامضا بعد إجباره على الالتزام بقواعد أرض الخلافة، حتى أن لغته الإبداعية من خلال كاميراته تتحوّل لصندوق أسود يلتقط مقاطع للأشخاص خلال لحظات القتل والتعذيب.

عنوان المسلسل يشير إلى الخوارج وأفكارهم السوداء بما حاولوا تعميمه من تخلف وتراجع ثقافي وفني
عنوان المسلسل يشير إلى الخوارج وأفكارهم السوداء بما حاولوا تعميمه من تخلف وتراجع ثقافي وفني

يعيش حُذيفة صراعا نفسيا قويا بين محاولات تأقلمه مع وحشية النظام الجديد الذي يحوّل حياته إلى مصير مملوء بالجحيم، ليس لمجرد تغير نمط العمل فقط، حيث التحوّل من ناقل للجرائم من خلال عمله كمخرج للنشرات الإخبارية والأفلام الوثائقية إلى مشارك فيها، كل ذلك وسط صراع من أجل محاولات الهروب والبحث عن زوجته وطفلته.

ورغم الحبكات الفرعية والمعقدة في شخصيتي مريم وشريف، إلاّ أن كشف العوار الحقيقي لحقيقة دولة الخلافة الهشة والمهترئة يبدو أكثر وضوحا في شخصية “عمار” الذي يلعب دوره الفنان المصري شريف سلامة و”حبيبة” التي تقدّمها اللبنانية دياموند بوعبود.

الأول هو أحد القادة البارزين في دولة الخلافة الذي يؤمن بأفكارهم الظلامية، يقتل ويسرق ويمنع ابنته الصغيرة من الرسم والغناء، في الوقت الذي تحاول فيه زوجته مناهضة هذا السلوك، وتصبح من الخونة المحرّضين ضد النظام. وفي هذه العلاقة الشائكة بين عمار وزوجته يبدو التخبط واضحا في شخصية الأول الذي يقبل بإعدام زوجته وذبحها أمام عينه، مقابل الحفاظ على مكانته في أرض الخلافة، والتي ينال ترقيته بناء عليها.

ويزداد وهج الشخصية بعد رحيل الزوجة وتحديدا في مشهد المواجهة بين عمار وطبيب نفسي خارج عن طوع القادة داخل السجن قبل إعدامه، وفي الحوار يحاول الأول البحث عن وسيلة للتخلص من عقدة الذنب التي تفسد حياته بعد قتل زوجته وما يشوب حياته من كوابيس متكرّرة، كما يحاول أن يجد لذاته مخرجا من خلال محاولته مع الطبيب النفسي كتابة علاج له بشكل غير مباشر.

وضع نموذج الطبيب النفسي من الكتّاب كان شديد الذكاء وصادم وكاشف لشخصية عمار وصراعه في تصديق وإنكار الذات، وبدا في ما بعد وسيلة لتصحيح مساره وعَدَّلوه عن بعض هذه الأفكار الظلامية شيئا فشيئا ليبدو في مشاهد لاحقة يغني مع ابنته ويشجعها على الرسم، بعد أن يجدها تقترب في رسمتها بالقلم الرصاص من وجه والدتها المتوفاة، وتزداد جمالية الصورة بلقطة شديدة التعبير تبرز عين الأم على الورقة البيضاء، وهي تنظر نظرة تحمل معاني كثيرة تجمع بين العتاب والملامة والرضا بالتغيير الذي كانت تحلم به لزوجها قبل رحيلها.

وتغير عنوان العمل من “المرآة السوداء” إلى “السهام المارقة”، والأخير يشير إلى الخوارج وأفكارهم السوداء والتي قد تكون أقوى من طلقات الرصاص بما حاولوا تعميمه من تخلف وتراجع في مستوى الفكر والثقافة والفنون التي هي بالأساس نواة وحضارة الشعوب، ودونها يصبح البشر أكثر وحشية.

وأبرز ما يميز المسلسل الصورة الواقعية التي رصدتها كاميرا المخرج محمود كامل بالكادرات ذات العمق على وجوه انفعالات الأبطال في لحظات إنسانية، وهي أيضا العامل المحفز والقوي للخروج من أزمة الحصار البصري الذي يعيشه المشاهد في تفاصيل لا تحمل إبهارا، ويغلب عليها مشاهد الظلام في رصد أعمق وأقرب إلى هذه الحياة المؤلمة.

وتزداد جمالية وقبح الصور في مشاهد ذبح الأسرى دون أن يجرح بصر المشاهد ببشاعته، بالإضافة لمشاهد بيع النساء في السوق وربطهم في سلاسل مقابل مئة دولار للواحدة، في تشكيل لوحي بديع يبرز رخص المرأة وتحويلها لمجرد سلعة معروضة للبيع، وتزداد عقدة الدراما في ذهاب شخصية مثل مريم القبطية لمنزل “طلحة” الذي يجسد دوره الفنان المصري وليد فواز، المسلم المتزوج من أربع ويشتريها تحت عنوان “ما ملكت إيمانكم”.

16