السودانيون لا يغفرون للإعلام تواطؤه مع السلطة

وسائل الإعلام الحكومية لا يزال أمامها طريق طويل قبل الادعاء بأنها مستقلة.
الخميس 2019/05/09
نوع آخر من الإعلام أكثر مصداقية

فرض الإعلام الرسمي السوداني تعتيما كاملا على أشهر من التظاهرات قبل الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير، بما في ذلك عدم ذكر مقتل العشرات على أيدي قوات الأمن، لكن الصحافيين اليوم لا يغفرون حجج القائمين على الإعلام بأنها كانت تعليمات حكومية، ويدركون أنه سيمر وقت طويل حتى تنقرض العقلية القديمة ويشهدون التغيير الفعلي.

الخرطوم - لم يتصالح السودانيون بعد مع إعلام بلادهم الرسمي الذي أدار ظهره لهم خلال المظاهرات وتجاهل مقتل الكثيرين أثناءها، مستعيضا عن تغطية معاناة المواطنين من الجوع ببرامج الطبخ على شاشته.

ويعتبر المواطنون الإعلام الرسمي أشبه بدمية تحركها أيادي السلطة كيفما تشاء، وتحوّل اليوم إلى مصدر للسخرية. يمسك السوداني أبوبكر الميرغني بزجاجة بلاستيكية فارغة كميكروفون ويتظاهر بأنه مذيع يجري مقابلات مع مشاركين في اعتصام المعارضة أمام مقر الجيش في الخرطوم، منددا بموقف الإعلام الرسمي قبل الإطاحة بالرئيس عمر البشير.

وقال الميرغني (18 عاما) “نهدف إلى السخرية من الإعلام الرسمي السوداني الذي لم يقف معنا خلال التظاهرات”.

وتابع “لم يقم (الإعلام الرسمي) بتغطية التظاهرات على الإطلاق. فقط الإعلام الأجنبي قام بذلك”، فيما كان أحد زملائه يمسك بعصا خشبية يتدلى من آخرها كوبا بلاستيكيا في محاولة لمحاكاة ميكروفون قابل للتعديل.

ويهلّل الطاقم الصغير للمراسل في كل مرة يتوجه فيها إلى أحد المتظاهرين طارحا سؤالا.

ويحمل شخص ثالث صندوقا من الكرتون المقوى على كتفه وكأنه كاميرا فيديو، حجب عنها اسم المحطة التلفزيونية الأجنبية.

عثمان ميرغني: العقلية السلطوية في التحكم في الإعلام لا تزال سائدة
عثمان ميرغني: العقلية السلطوية في التحكم في الإعلام لا تزال سائدة

ويشهد السودان احتجاجات على خلفية أزمة اقتصادية خانقة بدأت في 19 ديسمبر الفائت بعد قرار الحكومة رفع سعر الخبز قبل أن تتصاعد وتتوسّع إلى كل أنحاء البلاد ضد نظام الرئيس عمر حسن البشير. واتخذت الاحتجاجات منحى مختلفاً عندما بدأ الآلاف من المتظاهرين في السادس من أبريل تجمّعاً أمام مقرّ قيادة الجيش في العاصمة، مطالبين القوات المسلحة بمساعدتهم في إسقاط البشير. وبعد خمسة أيام، استولى الجيش على السلطة عبر مجلس عسكري انتقالي وعزل البشير.

وفرض الإعلام الرسمي تعتيما كاملا على أشهر من التظاهرات قبل الإطاحة بالبشير، بما في ذلك عدم ذكر مقتل العشرات على أيدي قوات الأمن، ما أثار غضب المحتجين بشدة.

وعوضا عن تغطية التظاهرات في أرجاء البلاد، أذاع التلفزيون الرسمي تجمعات البشير وأعمالا حكومية وبرامج أخرى.

وقال الميرغني “الناس كانوا يموتون لأربعة أشهر كاملة وكل ما كان الإعلام السوداني يذيعه هو برامج الطهي”.

ودأبت الصحف المؤيدة للحكومة على تغطية الأنشطة الحكومية اليومية بعيدا عن التظاهرات. وتابع قائلا بأن الإعلام الرسمي “بدأ في الوقوف في صفنا فقط حين أطيح بالبشير” في أبريل الماضي.

لكن التلفزيون السوداني أكّد أنّه كان يلتزم التوجيهات الحكومية الرسمية. وقال مزمل سليمان مدير الأخبار بالتلفزيون إنّ “البث الإخباري كان ضمن الحدود التي سمحت بها الحكومة آنذاك”.

وأضاف أن “الدولة تملك القناة وتقاريرنا يجب أن تتوافق مع السياسة العامة للدولة”.

ومنذ الإطاحة بالبشير، طرد المتظاهرون الغاضبون في أكثر من مناسبة صحافيي التلفزيون الرسمي من مقر اعتصامهم حين وصولهم لتغطية إخبارية.

وأوقف الميرغني متظاهرا لسؤاله عن رأيه في المجلس العسكري الحاكم. وكانت الإجابة سريعة “سقط أم لم يسقط… سنبقى”، وهو هتاف جديد يميز التجمع الحالي.

وتعرّض الإعلام لتكميم وقمع شديدين أثناء عهد البشير الذي استمر نحو 30 عاما، بحسب نشطاء في مجال الإعلام.

وقمع جهاز الأمن والمخابرات الوطني باستمرار الصحافيين الذين تجرأوا وانتقدوا سياسات البشير الخارجية والداخلية.

وقال الإعلامي السوداني البارز فيصل صالح إنّ “الأخبار المرتبطة بنظام (البشير) أو شخصيات المعارضة البارزة أو مناطق النزاع في السودان كانت مثيرة للمشكلات”.

وأفاد أنّ “ضباط (جهاز الأمن والمخابرات الوطني) دأبوا على الذهاب لمقرات الصحف ومراجعة وشطب ما لا يريدون أن ينشر من الرياضة إلى الشؤون السياسية، كل شيء كان خاضعا للتدقيق”.

Thumbnail

وأوضح رئيس تحرير صحيفة “التيار” المستقلة عثمان الميرغني أن مصادرة كامل النسخ المطبوعة كان بمثابة تكتيك لتوجيه أكبر خسائر للناشرين. وأفاد الميرغني الذي تمت مصادرة نسخ صحيفته أكثر من 80 مرة خلال حكم البشير “كلفنا ذلك الكثير من الأموال”. واعتقل هذا الصحافي لأكثر من شهر خلال ذروة الاحتجاجات ضد البشير.

ووثّقت منظمة “مراسلون بلا حدود” توقيف أكثر من 100 صحافي أثناء الاحتجاجات. وتضع المنظمة السودان في المركز 175 من أصل 180 بلدا في مؤشر حرية الصحافة العالمية في العام 2019. لكن الكثير من الأمور بدأت تتغير منذ الإطاحة بالبشير مع بث التلفزيون مقاطع لاعتصام الخرطوم.

كما يشارك معارضون للبشير في برامج حوارية على التلفزيون الرسمي، وقال الميرغني “ليس هناك الآن رقابة مسبقة والصحف تنشر بحرية دون المخاطرة بمصادرة” نسخها المطبوعة.

ويقول المسؤول سليمان إنّ نطاقا أوسع من الأخبار يذاع الآن على التلفزيون الرسمي. وأفاد “نتمتع الآن بحرية كاملة. نغطي الآن أخبارا حساسة جدا حتى على الهواء مباشرة”.

لكن صحافيين غير حكوميين مثل الميرغني وصالح يشككون في مستقبل الإعلام في السودان.

ويرى الميرغني أنّ “العقلية السلطوية في التحكم في الإعلام لا تزال سائدة، والصحافة لا تزال مقيدة وتمارس رقابة ذاتية بشكل واسع″.

من جهته، قال صالح إن وسائل الإعلام الحكومية لا يزال أمامها طريق طويل قبل أن تدعي أي استقلالية. وأضاف “سيستغرق الأمر وقتا طويلا حتى تنقرض العقلية القديمة ونشهد تغييرا ملموسا”.

18