السوداني… رجل مخابرات عراقي داخل غرف داعش

معلومات "الصقر" الاستخباراتي أنقذت الموصل من دمار أكبر مما لحقها.
الأحد 2018/08/19
تحدي داعش لم ينته بعد

بغداد - شغلت الرأي العام العراقي والعالمي قصة رجل الاستخبارات العراقي النقيب حارث السوداني، الذي تمكّن من اختراق تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في أوج قوّته وقدّم معلومات لإدارة الاستخبارات العراقية.

ونشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرا مطولا عن هذا العراقي الذي ظل على مدى 16 شهرا، يمرر معلومات مهمة عن تنظيم داعش لفرع سري في وكالة المخابرات الوطنية في العراق، أتاحت إحباط 30 هجوما بسيارات مفخخة و18 مخططا انتحاريا، فضلا عن تصفية عدد من قيادات داعش في الموصل.

ويعتبر العديد من مسؤولي الاستخبارات في العراق أن الشجاعة الاستثنائية للسوداني، البالغ من العمر 36 عاما، لها دور كبير في نجاح المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية وإخراجه من الموصل، مشيرين إلى أن فني الحاسب الآلي السابق هو واحد من عدد قليل في العالم الذي استطاع التسلل للطبقات العليا في تنظيم الدولة الإسلامية.

وينتمي السوداني إلى خلية الصقور المخابراتية، وهي وحدة مخابرات مكافحة الإرهاب في العراق، وهي المنظمة الأكثر أهمية في الخطوط الأمامية للحرب على الإرهاب لكن لم يسمع بها أحد تقريبا. ونجحت الخلية في زرع عدد من الجواسيس داخل تنظيم الدولة الإسلامية، ما ساعد على طردهم من الموصل، آخر معاقلهم في عام 2018.

وتنقل نيويورك تايمز عن أبوعلي البصري، رئيس وكالة المخابرات العراقية، قوله إن “سجل السوداني كان مذهلا، فقد أحبط محاولات تفجير سيارات مفخخة كان مخططا لها، و18 مفجرا انتحاريا”، مضيفا أن السوداني “وفّر للوكالة خطا مباشرا لتصفية بعض قادة تنظيم الدولة الإسلامية في الموصل”.

واستندت الصحافية مارغريت موكر في رواية قصة السوداني وخلية الصقور على مقابلات مع مديري المخابرات العراقية، وأعضاء وحدة النقيب السوداني وقائده وأصدقائه وأفراد أسرته، ومراجعة نصوص العمليات ومقاطع مصورة للعمليات، ورسائل نصية أرسلها واستقبلها السوداني.

"طائرة دون طيار يمكنها أن تخبرك من داخل أحد المباني لكن لا يمكنها أن تخبرك عن الحديث الذي دار في الغرفة التي اجتمع فيها الرجال، لكن كان باستطاعتنا معرفة الحديث الذي كان يدور لأن رجالنا كانوا داخل هذه الغرف".

أبوعلي البصري

رئيس المخابرات العراقية

خلية الصقور

تزامنا مع تأهّب العراق لاجتثاث التمرد في فترة ما بعد صدام حسين، أنشأ السيد البصري، الذي تولى في ما بعد منصب مدير المخابرات في مكتب رئيس الوزراء، وحدة خاصة ذات مهمّة محدودة تتمثل في استهداف صفوف قيادة الإرهابيين.

وفي عام 2006، جنّد أبوعلي البصري 16 رجلا من صفوة الوحدات العسكرية وأكاديميات الشرطة في العراق وأطلق على وحدته الجديدة اسم الصقور. وقال البصري “كنت أبحث عنهم مثلما يبحث المرء عن زوجة له وكنا على استعداد لتحمل أي تحدّ”.

وكان مناف أحد إخوة السوداني قد تم تجنيده في وقت سابق، ليحث حارث على التقدم قائلا إن مهاراته في الحاسب الآلي واللغة (يتقن الإنكليزية والروسية) جعلته شخصا جذابا للتجنيد. وبالفعل تقدم حارث، وحصل في عام 2013 على وظيفة مراقب لحركة المرور عبر الإنترنت والاتصالات الهاتفية للمشتبه في كونهم إرهابيين.

وأدت مؤخرا عملية عراقية – أميركية بناء على معلومات مخابراتية عراقية إلى القبض على خمسة من كبار أعضاء داعش كانوا يختبئون في تركيا وسوريا. ويرى مسؤولون أميركيون عسكريون أن هذه الخلية مهمة مثلها مثل تلك الوكالات غير الغربية التي يتعاملون معها في خدمات التجسّس.

وقال الكولونيل شون جيه ريان، المتحدث باسم التحالف العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة في العراق، “لقد أثبتت أنها وحدة ذات فائدة بالغة”. وأكد أن خلية الصقور أدت إلى تضاؤل التهديد الذي يمثله التنظيم الإرهابي عن طريق التسلل إلى خلاياه وقتل قادته وتدمير أسلحته.

وقال أبوعلي البصري “إن طائرة دون طيار يمكنها أن تخبرك من داخل أحد المباني لكن لا يمكنها أن تخبرك عن الحديث الذي دار في الغرفة التي اجتمع فيها الرجال، لكن كان باستطاعتنا معرفة الحديث الذي كان يدور لأن رجالنا كانوا داخل هذه الغرف”.

اختراق العدو

في صيف 2014، استولى تنظيم داعش على مساحات كبيرة من العراق وسوريا، وأعلن قيام “دولة الخلافة الإسلامية”. لتضطلع فرقة الصقور بمهمة جديدة وهي تسلل عملاء سريين إلى صفوف التنظيم. وتطوع النقيب السوداني لذلك، حيث قال اللواء سعد الفالح إن صور الأطفال الذين يقتلون في الهجمات التي يشنها داعش كانت تستفزّه.

وتمت ترقية السوداني إلى رتبة نقيب وبدأ التدريب على أن يصبح جهاديا، وكانت مهمته هي التسلل إلى عرين داعش في مدينة الطارمية.

وعندما كان صغيرا، كانت أسرة السوداني تعيش في الرمادي، وقد ساعده ذلك على أن يحوز على ثقة الجماعة الإرهابية، حيث كان يتقن لَكنة أهالي الرمادي في الحديث. لكن، الاختبار الحقيقي كان يمكن في أن السوداني كان شيعيا، ولم يكن معتادا على طقوس السنة وصلاتهم. فأقبل على القرآن يدرسه بتمعن، ويحفظ الآيات التي يفضلها الجهاديون ويتعلم الأناشيد التي كانوا يستخدمونها للدعاء والقتل.

وقال مناف “كان أول من تطوّع منّا لمثل هذه المهمة، لقد كانت هذه المهمة شيئا خطيرا حقّا”.

Thumbnail

وفي صباح تنفيذ مهمته، ذهب السوداني إلى مسجد في الطارمية اعتادت خلية محلية تابعة للتنظيم على استخدامه لعقد اجتماعاتها. وظل داخل المسجد طوال اليوم. ومع حلول الغروب، نجح في لفت الانتباه إليه. وفي حديثه مع بعض أفراد داعش، قدّم نفسه على أنه عاطل من حي تغلب عليه السنّة في بغداد.

ونجح السوداني في اختبار الانضمام إلى داعش، وأصبح يكنّى بـ“أبوصهيب” بعد انضمامه إلى المجموعة الجهادية في الطارمية. وبعد أسابيع قليلة من انضمامه إلى داعش، اتصل به مسؤول كبير في التنظيم بالموصل وعهد له بجزء رئيسي في السلسلة اللوجستية لمهمات التفجير الانتحارية في بغداد.

وخلال اتصالات هاتفية أسبوعية، كانت تصدر أوامر من الموصل للنقيب السوداني بالاجتماع مع مفجّرين انتحاريين يصلون إلى الطارمية من المنطقة التي يسيطر عليها داعش، أو بإحضار سيارات مفخخة. وفي كل مرة، كان السوداني ينبه الصقور وكانت مهمتهم هي اعتراضه وطروده المميتة قبل الوصول إلى بغداد.

وكانت سيارة مطاردة دائما تتبع النقيب، مستخدمة معدات التشويش لمنع وصول الإشارة إلى مفجّر القنبلة، والذي عادة ما يقوم بالتفجير عن بعد باستخدام الهاتف المحمول. ومن خلال التواصل عبر الهاتف أو إشارات اليد، كان زملاؤه يرشدونه إلى مكان يمكنهم فيه تفكيك القنبلة.

وكانت فرقة الصقور تقوم بتفجيرات زائفة وتصدر بيانات إخبارية زائفة، وفي بعض الأحيان تزعم وقوع عدد كبير من الخسائر البشرية، في إطار الجهود المبذولة للحفاظ على غطاء النقيب السوداني دون مساس.

وأدى غياب السوداني الطويل إلى توتّر أسرته، فلم يكن أحد يعلم شيئا عن حياته السرية سوى والده ومنذر. وكانت زوجته رغد شلوب تعتقد أنه يهملها هي وأبناؤها الثلاثة. وقالت في ما بعد وهي تجلس في شقتهم بمنزل عائلة السوداني “أنا حزينة لأنه لم يخبرني، أعتقد أنه يعرف أنني كنت سأكون قلقة إذا عرفت الحقيقة”.

شكوك وأكاذيب

كلما زادت فترة عمل النقيب السوداني متخفيا، زاد خطر انكشافه، إلا أنه اختار أن يستمر، وقال اللواء الفالح إن السوداني أخبره بأنه وجد أخيرا هدفا لحياته. وأضاف “كان فرصة ذهبية بالنسبة إلينا وكانت فرصة ذهبية بالنسبة إليه”.

كانت عمليات الصقور حاسمة في تحويل زخم معركة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد داعش. ويعتبر هشام الهاشمي، وهو محلل أمني عراقي مستقل، أن المعلومات المخابراتية للصقور أدت إلى مقتل سبعة من قادة تنظيم الدولة الإسلامية.

ومع حلول منتصف عام 2016، كان يتزايد التفاؤل بأنه يمكن هزيمة التنظيم الإرهابي وزاد المسؤولون عن النقيب السوداني في الموصل من مهامه، وطالبوه باستكشاف الأحياء والمقاهي في بغداد كأهداف لهجمات محتملة. وفي واحدة من هذه المهام، حاول التسلّل ليقوم بزيارة نادرة إلى منزله.

لكن، بينما كان  في منزله، اتصل به قائده في داعش وطلب أن يعرف مكانه. وقال النقيب السوداني إنه في حي من الأحياء المستهدفة. ليرد قائده الداعشي “إنك تكذب”، مستشهدا بإحداثيات النظام العالمي لتحديد المواقع “جي.بي.أس” لهاتفه المحمول لتكون بذلك أولى علامات خطر اكتشاف أمر السوداني.

وقال مناف لأخيه إن الوقت حان لأن ينهي مهمته لكن النقيب رفض ذلك. كان داعش يتعثر عسكريا، فقد خسر أراض في سوريا، لكنه متشبث بالإبقاء على الموصل عبر تنفيذ هجمات إرهابية أكبر وأكثر.

وفي يوم 31 ديسمبر، أعلم قادة داعش في الموصل السوداني بأنه تم اختياره للمشاركة في هجمات ليلة رأس السنة الجديدة، وهي سلسلة من التفجيرات المنسقة في عدد من المدن المختلفة حول العالم. وأحضر السوداني حافلة بيضاء من طراز “كيا” في حي الكرادة شرق بغداد. وكالعادة، اتصل بالصقور لمناقشة المكان الذي يمكن أن يعترضوه فيه.

في شهر أغسطس، أصدر داعش شريط فيديو يظهر مسلحين يعدمون سجناء معصوبي العيون. كانت وحدة الصقور متأكدة من أن حارث السوداني، رجل المخابرات العراقي الذي تمكن من التسلل إلى داخل تنظيم داعش واحد من المعدومين
في شهر أغسطس، أصدر داعش شريط فيديو يظهر مسلحين يعدمون سجناء معصوبي العيون. كانت وحدة الصقور متأكدة من أن حارث السوداني، رجل المخابرات العراقي الذي تمكن من التسلل إلى داخل تنظيم داعش واحد من المعدومين

إحباط العملية

بدأت الخطة تنكشف بمجرد انحرافه عن الطريق السريع الرئيسي الذي يقطع المدينة باتجاه مخبأ آمن تابع للصقور. ليرنّ هاتفه وقد كان المتصل من الموصل ويسأل عن موقعه. وأكد السوداني للمتصل أنه في طريقه نحو الهدف. وقال المسؤول إنه يكذب. ليكافح النقيب لاختراع سبب. ويرد بأنه من المؤكد أنه دخل في منعطف خطأ.

اتصل بالصقور وأخبرهم بأنه بحاجة إلى الالتقاء بهم في مكان أقرب أكثر عند موقع الهجوم المزمع. وعاد النقيب بالحافلة إلى الطريق المتجه إلى بغداد الجديدة. واستخدم مناف، الذي كان جزءا من فريق التشويش، إشارات اليد لتوجيه أخيه إلى مكان التقاء جديد.

وقام ثمانية من المندوبين بتفكيك القنبلة وبإزالة المفجر الإلكتروني، وإزالة 26 حقيبة بلاستيكية من مادة سي- 4 المتفجرة ونترات الأمونيا، إضافة إلى وكرات معدنية من الهيكل ولوحات باب الحافلة.

وفي غضون دقائق، كان السوداني عائدا إلى الطريق المتجه إلى السوق وأوقف الحافلة في موقعها المحدد. لكن ما لم يكن يعلمه السوداني أن تنظيم داعش زرع جهازي تنصّت في الحافلة سمحا للمتشددين بسماع محادثته بالكامل مع الصقور. وقال اللواء الفالح في ما بعد “لقد شعر أنهم يشكون فيه ولكننا لم نكن ندرك إلى أي مدى”.

فخ كشف أمر النقيب

في أوائل شهر يناير من عام 2017، اتصل التنظيم الإرهابي بالنقيب للقيام بمهمة أخرى ستكون هي الأخيرة التي يقوم بها، حيث تم إرساله إلى موقع جديد، إلى مزرعة خارج الطارمية وكانت بعيدة جدا ولا يمكن مراقبتها.

وطلب منه مناف ألاّ يخاطر، قائلا إن تغيير الإجراءات يبعث على الريبة لكن النقيب السوداني قرر الذهاب. وفي صباح يوم 19 يناير دخل المزرعة وبعد غروب الشمس مباشرة، أخبر الصقور اللواء الفالح أن شيئا ما كان خطأ.

ولأن الطارمية كانت معقل داعش، فقد استغرق الأمر من قوات الأمن العراقية ثلاثة أيام للتخطيط وتنظيم عملية الإنقاذ. وأغارت قوة مختلطة من الجيش والشرطة على المزرعة. وقتل في هذه العملية ضابط عراقي. وعند تطهير المبنى، لم يكن هناك أي أثر للنقيب السوداني.

وفي شهر أغسطس نشر تنظيم داعش مقطعا مصورا دعائيا يعرض مقاتلين وهم ينفذون حكم الإعدام في سجناء معصوبي الأعين. وكانت خلية الصقور متأكدة من أن السوداني هو أحد هؤلاء السجناء.

لما قدمه من جهود، حقق النقيب السوداني بعد موته مستوى غير عادي من الشهرة في عالم الجواسيس. وأصدرت قيادة العمليات المشتركة في العراق بيانا يثمّن التضحية التي قدمها لبلده. ونشرت خلية الصقور قصيدة غنائية عن شجاعته. وفي الطريق أمام منزل والده علقت ملصقات عملاقة تثني على شجاعة الابن البطل.

لكن عائلة السوداني مازالت تكافح بسبب عدم الحصول على شهادة وفاة للنقيب السوداني لأنها لم تستلم جثمانه، حيث لم يتم العثور على جثته. وشهادة الوفاة هي شرط للحصول على مزايا مستحقه للجنود القتلى.

أما بالنسبة لخلية الصقور، فقد ساعدتها النجاحات التي حققها السوداني في الحصول على ميزانية أكبر، وتقدير أوسع بين الحلفاء، وتدريب أفضل لرجالها. ويقول مسؤولو مخابرات عراقيون إن الأميركيين والروس يساعدونهم حاليا في حرب الجوسسة ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

7