السودان.. أزمة ترجمة

لا يرغب السودانيون باستمرار حكم الجيش إلى الأبد، ولكن المرحلة الانتقالية تحتاج إلى تعقل وحكمة في التعامل مع كافة القضايا واحتواء كل أطياف الشعب.
السبت 2019/07/13
لا بد أن يتسع صدر الجيش وقوى الحرية والتغيير للجميع

الخطأ في فحوى دعوة وسائل الإعلام للتوقيع بالأحرف الأولى على اتفاق تقاسم السلطة في السودان يبدو أنه مقصود. يبدو أن الاتفاق يحتاج إلى قراءة متأنية بعد أن ظهرت إشكاليات في ترجمة نصه من الإنكليزية إلى العربية، فتحولت المصطلحات إلى ألغام لا بد من إزالتها قبل التوقيع.

العلاقة بين المجلس السيادي وحكومة الكفاءات هو إحدى هذه الإشكاليات. فثمة فرق بين الاعتماد والمصادقة لضبط علاقة المجلس مع الحكومة. إما أن يختارها المجلس، وإما أن يُصادق على تشكيلتها بشكل صوري.

أزمة المصطلحات تظهر مرة أخرى عند الحديث عن حكومة كفاءات مستقلة، أو حكومة كفاءات فقط. فالربط بين الكفاءة والاستقلال ليس محبذا بالنسبة لقوى الحرية والتغيير التي يبدو أن تشكيلتها الوزارية معدة مسبقا. مشكلة الترجمة في السودان لا تقتصر على اتفاق تقاسم السلطة، بل تطال تطلعات السودانيين لإنهاء عقود من حكم شمولي هدم البلاد بشرا واقتصادا.

من الخطأ ترجمة الثورة الشعبية إلى طرد الجيش من إدارة البلاد لأن عمر البشير وطغمته الفاسدة كانوا ينتمون إليه. لا يمكن تجاهل دور الجيش في مرحلة انتقالية لدولة مثل السودان بكل تجاذباتها السياسية والعرقية.

لا يبدو إقصاء أي قوة سياسية أو مسلحة من صفوف المعارضة ترجمة صادقة للثورة أيضا. ليس المعارضون هم فقط من كانوا في سجون البشير، وليست أحزاب اليسار هي فقط من يجيد المطالبة بحقوق الشعب.

غالبية كبيرة من أبناء الأرياف والولايات شاركت في الاحتجاجات ضد البشير، وربما كانت قوامها الأساسي، لكنها لم تمثل بشكل كاف في قوى الحرية والتغيير. ثمة أيضا جماعات مسلحة حاربت البشير بوصفه طاغية وليس بغرض الانفصال، هي الأخرى تستحق أن تؤخذ بعين الاعتبار خلال رسم مستقبل السودان.

الشارع السوداني سمح لقوى الحرية والتغيير بأن تتصدر المشهد، لأنه لا يريد استبدال طاغية بطاغية ولا يريد للإسلام السياسي أن يقطف ثمار ثورته، ولكن هذا التفويض الشعبي، قد ينتهي في أي لحظة يشعر فيها الشارع أن هذه القوى لم تكن على قدر المسؤولية.

السودان ليس فقط الخرطوم، وقادة السودانيين ليسوا فقط أولئك الذين ينعمون بالمال ويمارسون السياسة كلعبة الغولف. ثمة تنوع كبير في ذلك البلد الكبير، والعبرة من انفصال الجنوب في عهد حكم لم يراع الاختلاف والتنوع والتعدد في البلاد يجب أن تكون حاضرة بقوة في هذه المرحلة.

لا يرغب السودانيون باستمرار حكم الجيش إلى الأبد، ولكن المرحلة الانتقالية تحتاج إلى تعقل وحكمة في التعامل مع كافة القضايا واحتواء كل أطياف الشعب، لذلك لا بد أن يتسع صدر الجيش وقوى الحرية والتغيير للجميع، ولا بد للطرفين من ترجمة أمينة لتطلعات الشعب الذي لن يتردد في اللجوء إلى الشارع مرة أخرى، إذا قرأ بين سطور الاتفاقيات والقوانين ما يغالط رؤيته لسودان حلم به كثيرا وبذل من أجله كل غال ونفيس.

8